في 31 أكتوبر/تشرين الأول 1803، ارتطمت الفرقاطة الأميركية "يو إس إس فيلادلفيا" بشعاب مرجانية وجنحت أثناء مطاردتها قراصنة الساحل البربري قرب طرابلس الليبية، ما أتاح لولايات الساحل البربري أسر أفراد طاقمها البالغ عددهم 307 واحتجازهم رهائن، وبدلا من الرضوخ لمطالب القراصنة ودفع الإتاوة، أرسل الرئيس الأميركي توماس جيفرسون فرقاطات عسكرية للتدخل وتحرير الرهائن بالقوة.
وأسهمت هذه المواجهة، التي كانت الأولى ضمن حربين خاضتهما واشنطن ضد قراصنة المنطقة الذين ظلوا يهددون الملاحة طوال عقود، في تسريع بناء البحرية الأميركية، كما أرست تقليدا راسخا في الدفاع عن حرية الملاحة وضمان بقاء البحار مفتوحة أمام حركة التجارة العالمية، ومنذ ذلك الحين، ظل هذا المبدأ مصلحة حيوية وركيزة أساسية في السياسة الخارجية الأميركية.
وبعد مرور 223 عاما، يهدد مسعى إيران إلى فرض رسوم على العبور في مضيق هرمز بتقويض هذا المبدأ من أساسه، وقد منحت الولايات المتحدة هذه الخطوة تأييدا ضمنيا في مذكرة التفاهم الأولية، قبل أن يسارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى طرح خطة مضادة تقضي بفرض رسوم قدرها 20 في المئة على جميع الشحنات العابرة، ثم يتراجع عنها في اليوم التالي، وتكمن المفارقة في أن واشنطن وطهران لم تصادقا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تضمن مادتها 38 حق السفن التجارية في المرور العابر، فيما تلزم مادتها 44 الدول المشاطئة للمضائق بعدم عرقلة حركة الملاحة أو تعليقها.

ويفسر الغموض الذي يحيط بمذكرة التفاهم سبب اعتقاد طهران بأنها قادرة على فرض سيطرتها على المضيق، بوصفه من أهم أوراق الضغط التي تملكها، إذ تنص الصياغة غير المحكمة للوثيقة على أن إيران ستبذل "قصارى جهدها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية من دون رسوم لمدة 60 يوما فقط"، وبعد انقضاء هذه المهلة، "ستجري إيران حوارا مع سلطنة عمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول الساحلية الأخرى المطلة على الخليج، بما يتماشى مع القانون الدولي المعمول به والحقوق السيادية للدول الساحلية في مضيق هرمز".

