"التخلص من الأب" وتفكك السلطة الرمزية في الحداثة المتأخرة

ما البديل في غياب المركز؟

غلاف كتاب "التخلص من الأب"

"التخلص من الأب" وتفكك السلطة الرمزية في الحداثة المتأخرة

يمثل كتاب "التخلص من الأب" (هردير، 2026) للكاتب الإسباني رامون إتشيفاريا بيريث محاولة نظرية مركبة لفهم التحولات العميقة التي مست موقع الأب داخل البنية النفسية والاجتماعية والثقافية للمجتمعات المعاصرة. فالكتاب لا يتعامل مع الأب بوصفه شخصية أسرية محددة، بل بوصفه وظيفة رمزية تؤسس لعلاقة الفرد بالعالم، وتمنح الذات حدودها الأولى داخل النظام الاجتماعي. ومن هذا المنظور، تصبح أزمة الأبوة حادثا عائليا أو تحولا تربويا معزولا، وفي الوقت نفسه جزءا من تحول حضاري شامل أعاد تشكيل مفهوم السلطة والمعنى والهوية في الحداثة المتأخرة.

ينطلق المؤلف من خلفية تحليلية متأثرة بالتحليل النفسي الفرويدي واللاكاني، حيث يشكل “الأب الرمزي” أو ما يعرف بـ“الاسم-الأب” البنية التي تسمح للطفل بالخروج من علاقة الاندماج الأولى مع الأم، والدخول في النظام الرمزي الذي يقوم على اللغة والقانون والحدود. هذه الوظيفة لا تتعلق بالسلطة في معناها القمعي فقط، بل تتجاوزها إلى كونها شرطا لتكون الذات نفسها، إذ لا يمكن الفرد أن يكتسب هوية مستقلة دون وجود حد رمزي ينظم الرغبة ويؤطر العلاقة بالعالم.

إعادة توزيع

غير أن الكتاب يذهب إلى أبعد من هذا التصور الكلاسيكي، ليؤكد أن الحداثة لم تلغ الأب، بل أعادت توزيعه وتفكيكه. فبدل الأب الواحد الذي كان يمثل مركز السلطة التربوية والأخلاقية داخل الأسرة، ظهرت شبكة من “الوظائف الأبوية البديلة” التي تؤدي أدوارا متفرقة: المدرسة التي تنظم السلوك وتعيد إنتاج الانضباط، الإعلام الذي يشكل الوعي الجمعي، السوق الذي يوجه الرغبات ويعيد تشكيل القيم، والمنصات الرقمية التي أصبحت فضاء لصوغ الهوية بشكل مستمر ومفتوح. غير أن هذا التعدد أدى إلى تشظي المرجعيات وفقدان المركز الرمزي القادر على إنتاج انسجام داخلي في تجربة الفرد.

في هذا السياق، تتحول أزمة الأبوة إلى أزمة بنيوية في إنتاج المعنى. فغياب المركز الرمزي يعني انهيار الإطار الذي كان يسمح للفرد بتحديد موقعه داخل العالم. ومع هذا الانهيار، يدخل الفرد في حالة من السيولة الرمزية، حيث تتداخل الحدود بين الحرية والفوضى، بين الاختيار والتشتت، وبين الاستقلال والضياع. ويشير الكتاب إلى أن هذه السيولة ينبغي فهمها بوصفها تحولا في شكلها، إذ انتقلت السلطة من صورتها الصلبة المباشرة إلى أشكال أكثر خفاء وتعقيدا، تمارس تأثيرها عبر الإغراء والتوجيه الناعم وإنتاج الرغبة نفسها داخل الفرد.

تتحول أزمة الأبوة إلى أزمة بنيوية في إنتاج المعنى. فغياب المركز الرمزي يعني انهيار الإطار الذي كان يسمح للفرد بتحديد موقعه داخل العالم

وهنا يكمن أحد أهم مفاتيح القراءة النقدية للكتاب: السلطة لم تختف، بل أصبحت غير مرئية. فبدل أن تكون متمركزة في شخصية الأب، أصبحت موزعة داخل شبكات متعددة تعمل على تشكيل الوعي والسلوك بطريقة غير مباشرة. السوق لا يفرض أوامر، لكنه يوجه الرغبة. الإعلام لا يمارس سلطة صريحة، لكنه يعيد صوغ المعايير. والفضاء الرقمي لا يحدد الهوية، لكنه يخلق شروط تشكلها المستمر. في هذا المعنى، يصبح الفرد الحديث أمام سلطة بلا مركز، أو بتعبير أدق، أمام مركز متشظ يصعب تحديده أو مقاومته بشكل مباشر.

ينعكس هذا التحول بشكل مباشر على بنية الهوية الفردية. فبدل الهوية المستقرة التي كانت تتشكل داخل إطار رمزي واضح، أصبحنا أمام هويات مرنة، متحركة، وسريعة التغير. الفرد المعاصر لم يعد يبني ذاته وفق مسار خطي واضح. صار يعيش حالة من إعادة التشكيل الدائم، حيث تتبدل مرجعياته وقيمه وانتماءاته بشكل مستمر. هذه الديناميكية، رغم ما تمنحه من حرية ظاهرية، تنتج في العمق شكلا من الهشاشة الوجودية، فيصبح من الصعب تثبيت سردية ذاتية متماسكة قادرة على منح المعنى والاستمرارية.

تعددية المركز

يمتد التحليل من المستوى الفردي، إلى البنية الاجتماعية. فالمجتمع الحديث، وفق هذا التصور، أصبح فضاء متعدد المراكز، أو بالأحرى بلا مركز نهائي. العلاقات الاجتماعية التي كانت تنظم سابقا وفق هرمية واضحة، أصبحت أكثر أفقية، لكنها في الوقت ذاته أقل استقرارا. لم يعد هناك مصدر واحد للمعنى أو للقيمة، بل توازن هش بين قوى متعددة تتنافس على تشكيل الوعي دون أن تملك القدرة على إنتاج انسجام شامل. وهذا ما يجعل الحداثة المتأخرة تعيش نوعا من اللايقين البنيوي الذي ينعكس على كل مستويات الحياة الاجتماعية.

.FILES PLANET NEWS / AFP
سيغموند فرويد لدى وصوله إلى لندن بعد مغادرته النمسا عام 1938

ومن أهم المجالات التي تتجلى فيها هذه الأزمة مجال التربية. فعملية التنشئة لم تعد محكومة بسلطة أبوية واضحة ومتماسكة، بل أصبحت موزعة بين مؤسسات متعددة تقدم رسائل متناقضة حول الحرية والانضباط، النجاح والرغبة، الفردية والانتماء. الطفل المعاصر ينشأ داخل فضاء رمزي غير موحد، حيث تتقاطع تأثيرات الأسرة والمدرسة والإعلام والفضاء الرقمي دون وجود إطار جامع ينظم هذه التأثيرات. هذا الوضع يخلق ما يمكن تسميته بـ"التربية المتشظية"، التي تؤدي لاحقا إلى هشاشة في بناء الهوية وصعوبة في الاستقرار القيمي.

في غياب المركز تتحول الحرية من وعد بالتحرر إلى عبء وجودي يتطلب قدرا عاليا من التنظيم الذاتي

ومن الإضافات التي يبرزها التحليل، أن هذا التفكك يمتد إلى تصور المجتمع لنفسه. فالمجتمع لم يعد ينتج سردية موحدة حول ذاته، بقدر ما أصبح يتشكل من سرديات متعددة متنافسة، كل واحدة منها تقدم تعريفا مختلفا للقيم والنجاح والمعنى. هذا التعدد، رغم غناه الظاهري، يؤدي إلى فقدان البوصلة المشتركة التي كانت تمنح الشعور بالانتماء الجماعي. وهنا يصبح الفرد داخل مجتمع "متعدد المعاني"، لكنه فقير في المعنى المشترك.

كما يشير الكتاب إلى أن هذا التحول أدى إلى إعادة تعريف مفهوم الحرية نفسه. فالحرية أصبحت مرتبطة بالقدرة على التعامل مع فائض الخيارات دون انهيار داخلي. غير أن هذا الفائض، بدل أن يعزز الاستقلال، يؤدي غالبا إلى إرهاق نفسي ومعرفي، لأن الفرد يجد نفسه مطالبا بإنتاج ذاته باستمرار دون سند رمزي ثابت. وهكذا تتحول الحرية من وعد بالتحرر إلى عبء وجودي يتطلب قدرا عاليا من التنظيم الذاتي.

سياسة التوجيه غير المرئي

من زاوية أخرى، يلفت التحليل إلى أن ما يبدو تفككا للأب هو في الواقع إعادة توزيع لآليات السلطة داخل أشكال جديدة من التنظيم الاجتماعي. فبدل السلطة المباشرة، تظهر سلطة التوجيه غير المرئي، وبدل القواعد الصلبة، تظهر خوارزميات السلوك، وبدل التعليم الصريح، يظهر التشكيل التدريجي للرغبة والمعنى. هذا التحول يجعل مقاومة السلطة أكثر تعقيدا، لأنها لم تعد خارجية يمكن تحديدها، إنما أصبحت مدمجة في بنية الحياة اليومية نفسها.

ورغم هذا الطابع النقدي الحاد، فإن الكتاب لا يسقط في حنين إلى النموذج الأبوي التقليدي، بقدر ما يرفض اختزال الأزمة في غياب الأب أو استعادته. فالمسألة ليست بين وجود أو غياب، بل بين أشكال مختلفة من تنظيم العلاقة بين الحرية والمعنى. ومن هنا يطرح المؤلف أفقا مفتوحا يتمثل في إمكان إعادة بناء وظيفة رمزية جديدة، لا تقوم على القمع، بل على تنظيم التعدد ومنح الاستقرار دون إلغاء الاختلاف.

 Mehdi Fedouach / AFP
المحلل النفسي جاك ألان ميلر يحمل كتابا لجاك لاكان في منزله بباريس

ويضيف التحليل أن أخطر ما في هذا التحول ليس فقط انهيار المركز الرمزي، بل صعوبة إدراك هذا الانهيار نفسه. فالفرد يعيش داخل منظومة تبدو حرة ومرنة، لكنها في الواقع تعمل على إعادة إنتاج أنماط من التوجيه غير المباشر. وهذا ما يزيد عمق الأزمة، لأنها لا تعاش بوصفها أزمة واضحة، بل بوصفها حالة طبيعية من الحياة المعاصرة.

السؤال الذي يظل معلقا هو ما إذا كانت الحداثة قادرة على إنتاج شكل جديد من "الأب الرمزي" لا يقوم على القمع، إنما على تنظيم الحرية

في النهاية، لا يقدم "التخلص من الأب" إجابة نهائية بقدر ما يفتح أفقا نقديا لفهم التحولات التي تطول علاقة الفرد بالسلطة والمعنى. فالأب، في صورته الرمزية، يعيد التشكل داخل أنظمة متعددة، حتى في اللحظة التي يعلن فيها المجتمع تجاوزه. ومن ثم، فإن السؤال الذي يظل معلقا هو ما إذا كانت الحداثة قادرة على إنتاج شكل جديد من "الأب الرمزي" لا يقوم على القمع، إنما على تنظيم الحرية، أو ما إذا كان التفكك سيظل الثمن الدائم لحرية بلا مركز.

font change

مقالات ذات صلة