في ظهيرة 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1963، كان الرئيس الأميركي جون كينيدي يعبر بسيارته المكشوفة منطقة ديلي بلازا في مدينة دالاس بولاية تكساس، عندما دوت طلقات نارية أصابته إصابات قاتلة.
ألقت السلطات القبض بعد ذلك على لي هارفي أوزوالد واتهمته بقتل الرئيس، لكنه أنكر الاتهام. وقبل أن يمثل أمام المحكمة، قُتل هو نفسه بعد يومين فقط، في 24 نوفمبر، برصاص صاحب ملهى ليلي يدعى جاك روبي، في واقعة شاهدها ملايين الأميركيين عبر البث التلفزيوني المباشر.
كان المشهد مثاليا تقريبا لنشوء نظريات المؤامرة: رئيس مقتول، متهم ينكر الجريمة ثم يُقتل قبل محاكمته، حرب باردة مشتعلة، صراع أميركي مع كوبا، وصلات سابقة لأوزوالد بالاتحاد السوفياتي.
قد تبدأ الحكاية بسؤال بسيط: لماذا حدث هذا؟ لكن عندما تكون الإجابة ناقصة، والحدث كبيرا، والمعلومات متضاربة، يمكن أن يتحول السؤال سريعا إلى آخر أكثر إثارة: من يقف وراء ما حدث؟ وهنا تبدأ المساحة التي تنمو فيها نظريات المؤامرة، خصوصا عندما يعجز الواقع عن تقديم قصة مكتملة.
ليست المسألة مجرد سذاجة أو نقص في المعلومات. تشير أبحاث علم النفس إلى أن الاعتقاد بنظريات المؤامرة يمكن أن يرتبط باحتياجات إنسانية أساسية كفهم العالم، والشعور بالأمان والسيطرة، والحفاظ على صورة إيجابية عن الذات والجماعة التي ينتمي إليها الفرد.
وتوصلت مراجعة تحليلية واسعة، نُشرت في دورية "سايكولوجيكال بوليتن" عام 2025، إلى هذه الصورة بعد تحليل 971 نتيجة إحصائية من 279 دراسة مستقلة شملت 137406 أشخاص، وهي واحدة من أوسع المحاولات حتى الآن لفهم الدوافع النفسية المرتبطة بالمعتقدات التآمرية.
عندما تصبح الإجابة أهم من الحقيقة
لا يتعامل العقل البشري بسهولة مع الفراغات، فإذا وقعت كارثة أو اغتيال أو وباء، نبحث بصورة تلقائية عن السبب، وفي الأحداث البسيطة قد نجد الإجابة سريعا، لكن الأحداث الكبرى عادة ما تكون نتاج شبكة متداخلة من الظروف والقرارات والمصادفات، وهي إجابة أقل إرضاء من قصة واحدة متماسكة.

لهذا ترتبط بعض المعتقدات التآمرية بما يسميه علماء النفس "الدوافع المعرفية"، أي رغبة الإنسان في فهم ما يحدث من حوله والعثور على تفسير مستقر للأحداث. ووجدت مراجعة 2025 ارتباطا، وإن كان محدود القوة، بين هذه الاحتياجات المعرفية وزيادة المعتقدات التآمرية.
لكن الباحثين وجدوا أيضا ارتباطات بدوافع أخرى تتعلق بالأمان والسيطرة، وأخرى اجتماعية مرتبطة بصورة الإنسان عن نفسه وعن الجماعة التي ينتمي إليها. وهذا يعني أن نظرية المؤامرة قد تؤدي وظائف نفسية مختلفة لدى أشخاص مختلفين، ولا يمكن تفسير الظاهرة بعامل واحد فقط.

