في مشهد اقتصادي عالمي مثقل بعدم اليقين، تبدو منطقة مجلس التعاون الخليجي كمساحة مضيئة، ومخالفة للتوقعات التقليدية التي تربط أداء اقتصاداتها حصرا بدورة أسعار النفط. فبينما ترجح مؤسسات كبرى مثل البنك الدولي و"أكسفورد إيكونوميكس" وإدارة معلومات الطاقة الأميركية و"فيتش"، تراجع أسعار خام برنت إلى ما دون 60 دولارا للبرميل (63-56 دولارا)، تبدو آفاق النمو في دول الخليج أكثر تماسكا. إذ تشير التقديرات إلى تسجيل نمو حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين 4,4 و4,5 في المئة، مدعوما بتسارع وتيرة التنويع الاقتصادي، وتوسع الاستثمارات غير النفطية، واستمرار الإنفاق الحكومي على البنى التحتية والمشاريع الاستراتيجية.
لا شك أن الأرقام تعكس تحولا تدريجيا يخفف حساسية تقلبات أسواق الطاقة، ويمنحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية. هذه النتائج تظهر الإصلاحات الهيكلية التي شرعت بها معظم دول مجلس التعاون منذ نحو عقد، وأعادت من خلالها صوغ علاقتها التاريخية مع النفط. فبعدما كان الخام المحرك شبه الوحيد للنشاط الاقتصادي، أصبح اليوم مصدر تمويل داعما لمسار تحول اقتصادي أوسع، تقوده القطاعات غير النفطية التي باتت تسهم بنحو 73 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي (تختلف بين الدول حيث تتجاوز 50 في المئة في السعودية، و77,5 في المئة في الإمارات)، مقارنة بـ70,6 في المئة في عام 2024.
وقد نجحت السياسات النقدية والمالية الخليجية في ترسيخ حالة من الاستقرار، عبر لجم معدلات التضخم عند مستويات صحية بنحو 2 في المئة، الأمر الذي وفر بيئة مواتية للتخطيط الاستثماري الطويل الأجل وحافظ على ثقة القطاع الخاص.



