اقتصادات الخليج تغرد خارج "أسوار" الطاقة

إعادة تعريف مفهوم "الدولة النفطية" تتجلى في التنوع ونمو القطاعات الصناعية والتكنولوجية والسياحية

إدواردو رامون
إدواردو رامون

اقتصادات الخليج تغرد خارج "أسوار" الطاقة

في مشهد اقتصادي عالمي مثقل بعدم اليقين، تبدو منطقة مجلس التعاون الخليجي كمساحة مضيئة، ومخالفة للتوقعات التقليدية التي تربط أداء اقتصاداتها حصرا بدورة أسعار النفط. فبينما ترجح مؤسسات كبرى مثل البنك الدولي و"أكسفورد إيكونوميكس" وإدارة معلومات الطاقة الأميركية و"فيتش"، تراجع أسعار خام برنت إلى ما دون 60 دولارا للبرميل (63-56 دولارا)، تبدو آفاق النمو في دول الخليج أكثر تماسكا. إذ تشير التقديرات إلى تسجيل نمو حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي يتراوح بين 4,4 و4,5 في المئة، مدعوما بتسارع وتيرة التنويع الاقتصادي، وتوسع الاستثمارات غير النفطية، واستمرار الإنفاق الحكومي على البنى التحتية والمشاريع الاستراتيجية.

لا شك أن الأرقام تعكس تحولا تدريجيا يخفف حساسية تقلبات أسواق الطاقة، ويمنحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمات الخارجية. هذه النتائج تظهر الإصلاحات الهيكلية التي شرعت بها معظم دول مجلس التعاون منذ نحو عقد، وأعادت من خلالها صوغ علاقتها التاريخية مع النفط. فبعدما كان الخام المحرك شبه الوحيد للنشاط الاقتصادي، أصبح اليوم مصدر تمويل داعما لمسار تحول اقتصادي أوسع، تقوده القطاعات غير النفطية التي باتت تسهم بنحو 73 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي (تختلف بين الدول حيث تتجاوز 50 في المئة في السعودية، و77,5 في المئة في الإمارات)، مقارنة بـ70,6 في المئة في عام 2024.

وقد نجحت السياسات النقدية والمالية الخليجية في ترسيخ حالة من الاستقرار، عبر لجم معدلات التضخم عند مستويات صحية بنحو 2 في المئة، الأمر الذي وفر بيئة مواتية للتخطيط الاستثماري الطويل الأجل وحافظ على ثقة القطاع الخاص.

يتوقع أن يسجل النمو غير النفطي على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي نحو 4,1 في المئة، ليكون المحرك الرئيس للأداء الاقتصادي الكلي في المنطقة

وفي موازاة هذه العوامل التقليدية، تشهد اقتصادات الخليج تحولا نوعيا تقوده ثورة التكنولوجيا، مع توجيه صناديق الثروة السيادية استثمارات ضخمة بمئات مليارات الدولارات نحو مراكز البيانات، والبنية التحتية الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي السيادي، بما يعزز الإنتاجية ويضع المنطقة في قلب سباق الاقتصاد المعرفي العالمي.

إدواردو رامون

كما أن هذا التحول لم يكن ليؤتي ثماره لولا نضج الرؤى الوطنية الطويلة الأمد، حيث بدأت مبادرات كبرى مثل "رؤية السعودية 2030" و"نحن الإمارات 2031" بالانتقال من مرحلة التخطيط والتنفيذ إلى مرحلة جني العوائد الاقتصادية المباشرة، سواء عبر تنويع القاعدة الإنتاجية، أو توفير فرص عمل نوعية، أو تعزيز تنافسية الاقتصادات الخليجية على الساحة الدولية.

خريطة النمو الإقليمي: أرقام ودلالات

يتوقع أن يسجل النمو غير النفطي على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي نحو 4,1 في المئة، ليكون المحرك الرئيس للأداء الاقتصادي الكلي في المنطقة. ففي المملكة العربية السعودية، أكبر اقتصادات المنطقة، تدخل "رؤية 2030" في عام 2026 مرحلة الحصاد و"تعظيم الأثر"، مع نمو إجمالي متوقع بنسبة 4,6 في المئة، وطفرة في القطاع غير النفطي تقترب من 5 في المئة، مدعومة بتشغيل المشاريع السياحية والترفيهية العملاقة، وارتفاع ثقة مجتمع الأعمال، حيث سجل مؤشر مديري المشتريات (PMI) مستويات تاريخية تجاوزت 60 نقطة (بنك الرياض 57,4 نقطة، ديسمبر/كانون الأول 2025)، مما يعكس توسعا هائلا في أنشطة القطاع الخاص والابتكار التقني.

كما يبرز القطاع الصناعي بوصفه إحدى الركائز الأساس لمسار التنويع الاقتصادي، مدعوما بالاستراتيجيا الوطنية للصناعة التي نجحت في جذب استثمارات ضخمة إلى المدن الصناعية والصناعات التحويلية. وقد أسهمت هذه الجهود في زيادة المحتوى المحلي وتوسيع القاعدة الإنتاجية، مما عزز الصادرات غير النفطية وولد فرص عمل جديدة، لا سيما في الصناعات ذات القيمة العالية.

يواصل قطاع التكنولوجيا تقدمه المتسارع، مع تنامي مساهمة الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي إلى مستويات 12-10 في المئة وقد تصل إلى 15 في المئة أو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي

أما قطاع السياحة، فيشهد نموا مذهلا، حيث تضاعفت إيراداته مرات عدة مقارنة بمستويات ما قبل عام 2019، بالتوازي مع زيادة كبيرة في أعداد الزوار الدوليين. وتشكل المشاريع العملاقة، مثل "نيوم" و"البحر الأحمر" و"القدية"، رافعة رئيسة لهذا النمو، في إطار استهداف رفع مساهمة السياحة إلى نحو 10 في المئة من الناتج المحلي في حلول عام 2030، مع إيرادات متوقعة بمئات المليارات من الريالات وتوفير ملايين فرص العمل.

ويتداخل القطاع الثقافي مع السياحة والترفيه، عـبر إبراز الإرث الحضاري للمملكة من خلال تسجيل مواقع جديدة على قائمة "اليونسكو"، وتنظيم فاعليات عالمية مثل "موسم الرياض"، إلى جانب تطوير وجهات ثقافية محورية كمنطقة الدرعية. ويسهم هذا المسار في بناء هوية إبداعية جاذبة ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي.

.أ.ب
جناح وزارة السياحة السعودية، في معرض السفر في دبي 29 أبريل 2025

بالتوازي، يواصل قطاع التكنولوجيا تقدمه المتسارع، مع تنامي مساهمة الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي إلى مستويات 12-10 في المئة وقد تصل إلى 15 في المئة أو أكثر من الناتج المحلي الإجمالي، مدعوما باستثمارات ضخمة في مراكز البيانات والابتكار، مما يعزز التحول الرقمي ويولد وظائف نوعية عالية المهارة. ومع حلول عام 2026، يتوقع أن يستمر هذا الزخم غير النفطي كمحرك رئيس للنمو الاقتصادي، مدعوما بالاستثمارات الحكومية عبر صندوق الاستثمارات العامة وغيرها من الصناديق التمويلية، ليصبح الاقتصاد السعودي أكثر تنوعا ومرونة في مواجهة التحديات العالمية، ونموذجا تنمويا مستداما يقوم على الابتكار والإنسان والموارد غير النفطية.

الإمارات نمو كبير للقطاعات غير النفطية

تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة، ريادتها الاقتصادية وحضورها الواسع في تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية، مع نمو متوقع بين 5,3 في المئة و5,6 في المئة. وفي إطار رؤية "نحن الإمارات 2031"، تتقدم الإمارات بخطى ثابتة نحو اقتصاد متنوع ومستدام، حيث يخصص جزء متزايد من عائدات النفط لدعم القطاعات غير النفطية. وفي حلول عام 2025، بلغت مساهمة الأنشطة غير النفطية مستويات قياسية، حيث وصلت إلى 77,5 في المئة من الناتج المحلي في النصف الأول، مقارنة بنحو 75 في المئة في 2024، مع نمو الناتج غير النفطي بنسب تصل إلى 5,7-5,3 في المئة في المئة في الفترات الأخيرة.

في عام 2025 استقبلت قطر أكثر من 2,6 مليون زائر دولي في النصف الأول، ونحو 5,1 ملايين زائر في نهاية العام، مع مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 8 في المئة في 2024

ويبرز القطاع الصناعي، لا سيما الصناعات التحويلية، كإحدى أقوى الدعائم، حيث سجل نموا يصل إلى 7,7 في المئة في بعض الفترات، ويسهم بنسبة نحو 14-13 في المئة من الناتج المحلي غير النفطي. ويستند هذا الأداء إلى توسع في التصنيع المتقدم والاستثمارات في التكنولوجيا الصناعية.

.أ.ف.ب
قارب صيد يقف قبالة ساحل العاصمة الدوحة، 13 يناير 2026

أما قطاع السياحة، فقد واصل تحقيق أداء استثنائي خلال عام 2025، مسجلا نموا قويا وارتفاعا غير مسبوق في الإيرادات الفندقية وزيادة ملحوظة في أعداد النزلاء. وبلغ إنفاق الزوار الدوليين مستوى قياسيا ناهز 62,2 مليار دولار، مقارنة بأكثر من 59 مليار دولار في عام 2024، فيما ارتفعت مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 13 في المئة (أكثر من 70 مليار دولار، 14-13 في المئة من الناتج المحلي وفقا لـ"هوتولييه ميدل إيست")، واستقبلت دبي وحدها أكثر من 17,55 مليون زائر حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بنمو يتراوح بين 5 في المئة و6 في المئة مقارنة بالعام السابق.

قطر ما بعد المونديال وسيادة الغاز

وفي قطر، انتقلت البلاد ما بعد المونديال وسيادة الغاز إلى نمو نوعي مستدام، حيث يعزز توسع حقل الشمال في إنتاج الغاز الطبيعي المسال القدرة المالية للدولة، بينما أصبحت الدوحة مركزا إقليميا للسياحة الرياضية والفاعليات والمؤتمرات العالمية، مع تسجيل نمو سنوي متزايد في هذا القطاع. ففي عام 2025، استقبلت قطر أكثر من 2,6 مليون زائر دولي في النصف الأول (بزيادة 3 في المئة عن العام السابق)، ونحو 5,1 ملايين زائر في نهاية العام، مع مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 8 في المئة في 2024 (مع تقدم نحو هدف 12-10 في المئة في حلول 2030).

الكويت مشاريع وإصلاحات

وتواصل الكويت تنفيذ مشاريعها التنموية الكبرى ضمن إطار "كويت جديدة" (رؤية 2040-2035)، مع تطوير المناطق الشمالية وربط البلاد بالمسارات التجارية العالمية عبر مشاريع مثل مدينة الحرير والمنافذ اللوجستية، إلى جانب تمكين القطاع الخاص عبر إصلاحات تشريعية تهدف إلى زيادة جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر وتقليل الاعتماد على القطاع العام. وفي عام 2025، سجل النمو الاقتصادي غير النفطي نسبة 2,6 في المئة، مع توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3 في المئة، واستمرار الجهود لجذب استثمارات أجنبية تزيد على 200 مليار دولار في حلول 2035، مدعومة بقوانين جديدة لتسهيل الاستثمار وإصلاحات ضريبية مثل ضريبة الحد الأدنى المحلي.

البحرين نموذج للتنوع

وحافظت مملكة البحرين على موقعها كنموذج في التنوع الاقتصادي ومصادر الدخل والخدمات المالية، والريادة المستمرة في التكنولوجيا المالية والصيرفة الإسلامية، كما عززت استثمارات المملكة في الحوسبة السحابية والتحول الرقمي مكانتها كمركز إقليمي لبيانات الشركات الكبرى. 

تظل الأخطار والتحديات قائمة، من قيود إنتاج "أوبك+" إلى حالة عدم اليقين الجيوسياسي. غير أن الفارق في 2026 يكمن في قدرة دول الخليج على مواجهة هذه التحديات، مدعومة باحتياطيات مالية، وأنظمة مصرفية الأكثر استقرارا وملاءة في المنطقة

وفي العام المنصرم، واصل القطاع المالي، بما في ذلك التكنولوجيا المالية (Fintech)، ترسيخ دوره كأحد محركات النمو، مساهما بنسبة 17,2 في المئة من الناتج المحلي في 2024 (مع استمرار النمو)، وتجاوزت قيمة سوق الخدمات السحابية 335 مليون دولار، مع توقعات بمساهمة الاقتصاد الرقمي بنسبة 3,5 في المئة من الناتج المحلي، وصعود أكثر من 100 شركة ناشئة في التكنولوجيا المالية، إلى جانب شراكات كبرى مثل تجربة "غوغل كلاود" (Google Cloud) للمدفوعات الفورية.

سلطنة عمان النمو الهادئ

أما سلطنة عمان، فتستثمر في تعزيز مرونتها المالية وتوسيع دورها اللوجستي ضمن رؤية "عمان 2040"، عبر موانئ استراتيجية مثل الدقم وصلالة، كبوابة عالمية للتجارة، فضلا عن التفوق في قطاعات الطاقة، لا سيما الهيدروجين الأخضر، مما يضع السلطنة على خريطة الطاقة النظيفة العالمية. وشهدت موانئ السلطنة نموا كبيرا في الحمولات عام 2025 (137 مليون طن، بزيادة 15 في المئة)، مع نمو ميناء الدقم بنسبة 152 في المئة، وتقدم مشاريع الهيدروجين الأخضر نحو هدف إنتاج مليون طن سنويا في حلول 2031-2030، باستثمارات تصل إلى مليارات الدولارات في الدقم وصلالة، وتصدير صناعي يصل إلى 4,2 مليارات دولار في الربع الأول من العام.

واقع جديد لاقتصادات خليجية مرنة

يشكل عام 2026 نقطة فارقة في مسار ازدهار دول الخليج، حيث تتكامل محركات النمو لبيئة اقتصادية أكثر تماسكا واستدامة. وسينتقل العديد من المشاريع العملاقة، سواء السياحية أو اللوجستية، من مرحلة البناء إلى التشغيل، مما يتوقع أن يحدث أثرا مضاعفا على سلاسل التوريد المحلية وتوفير فرص عمل جديدة، وزيادة النشاط التجاري على مستوى المنطقة.

.أ.ف.ب
اجتماع وزراء المالية لدول مجلس التعاون الخليجي، في الكويت 2 أكتوبر 2025

وعلى الرغم من هذه الديناميات الإيجابية، تظل الأخطار والتحديات قائمة، من قيود إنتاج "أوبك+" إلى حالة عدم اليقين الجيوسياسي العالمي. غير أن الفارق في عام 2026 يكمن في قدرة دول الخليج على مواجهة هذه التحديات من موقف قوة، مدعومة باحتياطيات مالية ضخمة، وأنظمة مصرفية تعد الأكثر استقرارا وملاءة في المنطقة. سيثبت عام 2026 أن دول مجلس التعاون الخليجي نجحت في بناء اقتصاد صامد، قادر على مواجهة تقلبات أسواق النفط من دون أن يفقد زخمه أو مرونته. ويعد هذا العام بحق "العصر الذهبي" للاستثمار في القطاعات غير النفطية، حيث تتركز الفرص الكبرى في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة مع توجه الدول لتوطين الابتكارات، إلى جانب الطاقة المتجددة والسياحة والترفيه.

في 2026، لم يعد "ما بعد النفط" مجرد شعار للمستقبل، بل أصبح محركا للحاضر. دول مجلس التعاون الخليجي تعيد تعريف مفهوم "الدولة النفطية" لتصبح "قوى اقتصادية متنوعة"، قادرة على الازدهار حتى عندما تهدأ أسواق الطاقة. بالنسبة للأعمال والمستثمرين، الرسالة واضحة: النفط لم يعد القصة الوحيدة، ولا حتى القصة الرئيسة في الخليج، أما المستقبل فترسمه الابتكارات والسياسات المرنة والسوق الموحدة.

font change