فاطمة الزهراء المنصوري... الوجه الجديد للسلطة التنفيذية في المغرب

ملفات ثقيلة تنتظرها

أ.ب
أ.ب
فاطمة الزهراء المنصوري في تجمع انتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة قبيل الانتخابات التشريعية وذلك في مدينة طنجة بالمغرب، 16 سبتمبر 2026

فاطمة الزهراء المنصوري... الوجه الجديد للسلطة التنفيذية في المغرب

انطلقت المشاورات السياسية لتشكيل حكومة جديدة في المغرب، عقب تعيين الملك محمد السادس وفق الفصل 47 من الدستور، المحامية فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المقبلة، لأول مرة في تاريخ المغرب المعاصر، وللمرة الثانية في بلد مغاربي وعربي، بعد نجلاء بودن في تونس، إذ ظل هذا المنصب حكرا على الرجال منذ الاستقلال.

واعتبره مراقبون تطورا عميقا، يحمل دلالات سياسية ورمزية في التعاطي مع التحولات المجتمعية، بتمكين النساء من الارتقاء إلى سلم المسؤولية المباشرة في إدارة الشأن العام الوطني، في مجتمع لا تزال فيه النظرة إلى مكانة المرأة، تحكمها مرجعيات ثقافية وعُرفية وحتى دينية.

مما يجعل التكليف في حد ذاته ثورة هادئة، لتغيير صور نمطية تجاوزها الزمن، بحكم التقدم الذي تحقق في المجتمع، والمكانة التي أصبحت تحتلها المرأة في جل القطاعات والمجالات والميادين.

وقادت فاطمة الزهراء المنصوري حزب "الأصالة والمعاصرة" إلى احتلال المرتبة الأولى في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في 23 سبتمبر/أيلول، بحصول حزبها على 97 مقعدا من أصل 395 مقعداً يتكون منها مجلس النواب، الذي يعود إليه دستوريا منح الثقة للحكومة. واعتبر إعلاميون حاورتهم "المجلة" أن "النساء والشباب بشكل عام صوتوا لصالح حزب فاطمة الزهراء المنصوري، لأنها كانت أكثر دفاعا عن قضاياهم". وهي تفاوض حاليا رجالا أكبر منها سنا وتجربة، لإقناعهم بالانضمام إلى حكومتها التي تحتاج دعما نيابيا إضافيا لا يقل عن 101 صوت.

وتبدو المهمة سهلة وصعبة في آن واحد: من جهة هناك تهافت بعض الأحزاب الكبرى والمتوسطة من اليمين واليسار للمشاركة في الحكومة الجديدة، ومن جهة أخرى يتمسك حزب "الأصالة والمعاصرة" برئاسة مجلس النواب، والاحتفاظ بأهم الحقائب الوزارية وأكبرها، وانبثاق حكومة منسجمة، مُتوافق على برامجها، ولها أولويات اجتماعية واقتصادية تلبي تطلعات المواطنين، وتحظى بدعم الملك.

تملك المنصوري تجربة مهنية في "إدارة الأعمال وفض النزاعات القانونية"، مما قد يجعلها قادرة على استخدام مرجعية مغربية عريقة تقوم على شعار "قوة في غير شدة، ولين من غير ضعف"

وتملك المنصوري تجربة مهنية في "إدارة الأعمال وفض النزاعات القانونية"، مما قد يجعلها قادرة على استخدام مرجعية مغربية عريقة تقوم على شعار "قوة في غير شدة، ولين من غير ضعف". ولا تُعد فاطمة الزهراء المنصوري أول رئيسة حكومة في المغرب فحسب، بل أصغر رؤساء الحكومات سنا أيضا، على الأقل خلال عهد حكم الملك محمد السادس منذ 1999. ولدت "بنت الباشا"، كما يُطلق عليها، في مراكش عام 1976 داخل عائلة من الأعيان.

كالة المغرب العربي للأنباء/أ ف ب
العاهل المغربي الملك محمد السادس جالساً إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري خلال لقاء عيّنها فيه رئيسةً للحكومة، في الرباط في 29 سبتمبر/أيلول 2026.

حصلت على شهادات جامعية من المغرب وفرنسا والولايات المتحدة في تخصص "القانون وإدارة الأعمال، وقضايا العقود والنزاعات القانونية". عملت محامية، وانخرطت مبكرا في العمل الحزبي والمدني، وهي تُعرف بشخصيتها القوية وقدرتها على إدارة الخلافات، انطلاقا من تجربتها المهنية ورصيدها الجامعي. وراكمت تجربة ميدانية عمدةً لمدينة مراكش بين 2009 و2015، ثم منذ 2021، منحتها فرصة الاحتكاك بالناس ومعرفة كيفية إدارة تحديات الشأن المحلي.

دعم مطالب "جيل زد"

لذلك خلّف اختيارها، من بين قادة سياسيين رجال كانوا مرشحين للمنصب نفسه، ارتياحا واسعا في الشارع المغربي الذي يتطلع إلى انبثاق "حكومة قوية" قادرة على تحقيق تطلعات الشباب الذي قاطع أغلبه الانتخابات الأخيرة، عقابا على حصيلة الحكومة. وكانت فاطمة الزهراء المنصوري التي تشغل منصب وزيرة "إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة" في حكومة عزيز أخنوش المنتهية ولايتها، أيدت في اجتماع سابق لمجلس الحكومة مطالب "جيل زد" أثناء الاحتجاجات الشبابية التي شهدها المغرب خريف العام الماضي. ورأت في خروج آلاف الشباب في سن العشرين للمطالبة بالحق في العمل والتعليم والصحة والتنمية المحلية وتقليص الفوارق بين المدن والأرياف "تعبيرا ديمقراطيا عن مطالب مشروعة لم تحققها الحكومة بالشكل المطلوب". يومها اعتبر حزب "التجمع الوطني للأحرار" تلك الاحتجاجات مؤامرة مدبرة ضد رئيس الحكومة أخنوش، ومحاولة للإضرار بصورة الحزب داخل معقله الانتخابي في مدينة أغادير، التي توفيت فيها ثماني نساء في قسم الولادة بالمستشفى الجهوي الحسن الثاني. وقد تم تحميل وزارة الصحة والحماية الاجتماعية التي يديرها الحزب المسؤولية غير المباشرة في الفاجعة، التي كادت أن تتحول إلى أزمة تهز الاستقرار الاجتماعي.

أ.ف.ب
نساء يمررن أمام رموز انتخابية -تستخدمها الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية مرسومة على جدار في الرباط، 14 سبتمبر 2026

المشاورات التمهيدية

حرصت رئيسة الحكومة المكلفة فاطمة الزهراء المنصوري على بدء مشاوراتها السياسية مباشرة، لتشكيل أغلبية جديدة، باستقبال وفد حزب "التجمع الوطني للأحرار" الذي حل ثانيا بـ66 مقعدا. ولم تتسرب معلومات عن نتائج الاجتماع وتفاصيله. وقال رئيسه محمد شوكي للصحافيين: "لقد ناقشنا واستشرفنا معا التحديات المستقبلية التي تعرفها البلاد"، لافتا إلى أن حزبه "سيساهم في المستقبل بما تقتضيه المصلحة العليا للوطن". وهي إشارة فسّرها محللون بأن "الحزب يفكر في الخروج إلى المعارضة أكثر مما يفكر في البقاء داخل الحكومة".

وكان الحزبان قد خاضا حروبا كلامية وتراشقا بالألفاظ النابية وتبادلا الاتهامات حول عدد من القضايا طوال فترة الحملة الانتخابية، كانت كافية في رأي المحللين لظهور انشقاق داخل جدار التكتل السياسي، ما لبث أن اتسع حول مواضيع وقضايا خلافية لم تكن في أغلبها تُنقل إلى الجمهور، حفاظا على تماسك البيت الداخلي. ولعل ما أثير خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة تجاوز البرامج إلى مفهوم العمل السياسي برمته، وعلاقة المنتخب بالناخبين، وطريقة استمالتهم لهذا الحزب أو ذاك، ومسؤولية المنتخب وحقوق الناخب. وتميل بعض التحليلات إلى احتمال وجود ثلاث معارضات في البرلمان المغربي المقبل: واحدة ليبرالية قد يقودها "التجمع الوطني للأحرار" وأخرى إسلامية يقودها "العدالة والتنمية" الذي يكاد خطابه يرتبط بأحداث الشرق الأوسط. وثالثة يسارية أكثر انتقادا لأسلوب الحكم لها مرجعية ماركسية. وكان الحزبان الأخيران قد رفضا أي مشاركة لهما في الحكومة المقبلة. وقال "الحزب الإسلامي" إن "بعض قياديي (الأصالة والمعاصرة) علمانيون". وقال الأمين العام عبد الإله بن كيران: "إن المجلس الوطني الاستثنائي حسم بالإجماع قرار عدم المشاركة والتوجه إلى المعارضة".

لا تُعد فاطمة الزهراء المنصوري أول رئيسة حكومة في المغرب فحسب، بل أصغر رؤساء الحكومات سنا أيضا، على الأقل خلال عهد حكم الملك محمد السادس منذ 1999. ولدت "بنت الباشا"، كما يُطلق عليها، في مراكش عام 1976 داخل عائلة من الأعيان

شكلت "حركة لكل الديمقراطيين" النواة الأولى لميلاد حزب "الأصالة والمعاصرة" صيف عام 2008، وكانت الحركة التي أسسها فؤاد عالي الهمة تضم في مكوناتها شخصيات سياسية وحقوقية وفكرية وإعلامية واقتصادية واجتماعية من تيارات متعددة، يجمعها شعار "خدمة الوطن والمصلحة العليا"، بغض النظر عن الانتماءات السياسية، والتخلي عن الارتباط بأي عقيدة أيديولوجية. بما يجعل من الحزب اليوم مدرسة تستند إلى هذا التراث المؤسس، دون أن تكون مرتبطة بفكر جامد. وربما وفق هذا التصور تتجه مشاورات التشكيل الحكومي: أي خلع البذلة الأيديولوجية والعقائدية عن كل حزب سياسي يريد المشاركة مستقبلا في الجهاز التنفيذي، والانخراط في المشروع الكبير للنموذج التنموي الجديد والوحدة الوطنية، بالاستناد إلى شعار "المغرب أولا" الذي حمله بعض شباب "الأصالة والمعاصرة" خلال مظاهرات الحملة الانتخابية. وهذه المدرسة تستمد مرجعيتها من الرياضة التي تجعل البطل يلعب للقميص الوطني وليس للفريق المحلي أو الأجنبي الذي يتبع له.

سيناريوهات تشكيل الحكومة

لن تواجه الحكومة المقبلة إشكالية الحصول على أغلبية مريحة في مجلس النواب، تضمن لها تمرير مشاريع القوانين المختلفة، وعلى رأسها الميزانية العامة. لكن تركيبتها بشكل متجانس قد يكون عنصرا حاسما في كسب رهان تحقيق الأهداف المنتظرة، وفي مقدمتها معالجة اختلالات التنمية، ومحاربة الفساد، وتحسين أداء الدولة الاجتماعية، وتسريع النمو الاقتصادي، وتحقيق عدالة اجتماعية في توزيع الثروة بين الأفراد والمناطق. ويتقدم سوق العمل وإصلاح التعليم والصحة والإدارة وتحسين الأجور والمعاشات ومعالجة غلاء الأسعار أولوية في ترتيب الأهداف المنتظرة. ولا يبدو الوضع الدولي مساعدا في الوقت الراهن، إذ يعاني الاقتصاد المغربي من ارتفاع فاتورة النفط وتأثيرها على أسعار الوقود. وتضغط التوترات الجيوسياسية على قطاعات استراتيجية، لها تأثير مباشر على الأداء الاقتصادي برمته.

أ.ب
فاطمة الزهراء المنصوري في تجمع انتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة قبيل الانتخابات التشريعية وذلك في مدينة طنجة بالمغرب، 16 سبتمبر 2026

وقد تباطأ النمو الاقتصادي إلى 4 في المئة خلال الربع الثاني من العام الجاري، مقابل 5.8 في المئة في الفترة نفسها من العام الماضي. وانخفض أداء الأنشطة غير الزراعية من 4.9 إلى 1.5 في المئة، وتراجع قطاع الخدمات من 4.5 إلى 4 في المئة رغم استمرار انتعاش القطاع السياحي والنقل الجوي. لذلك تبرز وزارة المالية كأهم قطاع سوف يتولاه حزب "الأصالة والمعاصرة" في الحكومة المقبلة، بالنظر إلى حجم الملفات والخيارات الاقتصادية والاجتماعية التي يتوقف عليها عمل الحكومة برمته. كما قد تسند جل مشاريع البنى التحتية لاستضافة كأس العالم 2030 المشترك مع إسبانيا والبرتغال إلى إشراف الحزب الحاكم، بما فيها القطاعات الاستراتيجية مثل الزراعة والصناعة والطاقة والإسكان والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والشباب والرياضة. في حين ستبقى "وزارات السيادة" خارج الحصص الحزبية، وهي الداخلية والخارجية والأوقاف والشؤون الإسلامية والأمانة العامة للحكومة وإدارة الدفاع الوطني، فيما تظل القوات المسلحة الملكية، ومنها الدرك الملكي، تحت القيادة المباشرة للملك.

بداية مشجعة وشروط غير معلنة

بداية مشاورات تشكيل الحكومة تمضي قدما وتبدو نتائجها مشجعة، وتفسح المجال أمام نجاح مفاوضات المرحلة الثانية حول المناصب، في أقصر وقت ممكن، عكس ما حدث في تجارب سابقة، عندما قاد الحكومة حزب "العدالة والتنمية" في العقد الذي أعقب الربيع العربي. لكن رسالة "الأصالة والمعاصرة" هذه المرة لا تخفي وجود خيارات متعددة لديها، بين التموضع في يسار الوسط أو يمين الوسط، أو الجمع بينهما أو بين بعضهما، ذلك أن "الاتحاد الاشتراكي" و"التقدم والاشتراكية"، من اليسار، يسعيان للدخول إلى الحكومة المقبلة، والرغبة نفسها تحدو حزبَي "الحركة الشعبية" و"الاتحاد الدستوري" من اليمين. وفي النهاية قد تتشكل الحكومة من تلاقي البرامج والأفكار والغايات، وليس من حساب عدد مقاعد الأغلبية النيابية التي ستتراوح بين 207 و228 مقعدا حسب توزيع المقاعد الحكومية وعدد الوزراء. وهذا عدد كافٍ لقيادة حكومة سيكون فيها عدد أكبر من النساء الوزيرات قياسا بالماضي. والرسالة تفيد بإيلاء الاهتمام بحقوق المرأة وتعليم الطفلة والفتاة، وزيادة اندماج النساء في سوق العمل، وتحسين شروط التمكين الاقتصادي. وهو ما يدعو له النموذج التنموي لرفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 16 ألف دولار بحلول عام 2035.

font change