الاقتصاد الرقمي في الخليج... البنية التحتية أنجزت المهمة والمهارات أمام الاختبار

المرحلة المقبلة تتطلب الاستثمار في الكفاءات والابتكار والأمن السيبراني

المجلة
المجلة

الاقتصاد الرقمي في الخليج... البنية التحتية أنجزت المهمة والمهارات أمام الاختبار

مكّن التواصل عبر الانترنت تطوير شبكات للتعامل بين البشر وبين المؤسسات وبين الدول بما وفر جهودا كبيرة وفعّل كفاءة العلاقات التجارية والاستثمارية بشكل سلس.

وتشير أحدث إحصاءات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن نحو ثلاثة أرباع سكان العالم باتوا يستخدمون الإنترنت، مما أتاح لمليارات الأشخاص التواصل عبر الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والحواسيب بمختلف أنواعها. كما أن أكثر من 80 في المئة من الأشخاص (بعمر 10 سنوات فأكثر) يمتلكون هاتفا محمولا.

أما في الدول المتقدمة، ولا سيما دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فقد أصبحت خدمات الإنترنت شبه شاملة، إذ يستخدمها أكثر من 90 في المئة من السكان البالغين.

وأتاح هذا الانتشار إنجاز طيف واسع من المعاملات الرقمية، بما في ذلك التسوق والدفع الإلكتروني وطلب السلع والخدمات، دون الحاجة إلى زيارة المتاجر، بينما تُسلَّم السلع المادية عبر شبكات التوصيل، في حين يمكن تقديم الخدمات والمنتجات الرقمية مباشرة عبر الإنترنت.

79 في المئة من البالغين حول العالم يمتلكون حسابا ماليا، بينما يمتلك 86 في المئة هاتفا محمولا و68 في المئة هاتفا ذكيا، وهو ما عزز انتشار الخدمات المالية الرقمية وأسهم في توسيع الشمول المالي

لكن التحول إلى الاقتصاد الرقمي لا يقتصر على رقمنة الخدمات، بل يتطلب استراتيجيا متكاملة تشمل الاستثمار في البنية التحتية، وتحديث التشريعات، وتعزيز الأمن السيبراني، وتنمية المهارات، ودعم الابتكار والشمول المالي. كما يتطلب التحول الرقمي تسريع تبني القطاع الخاص للتقنيات الحديثة، ضمن استراتيجيا وطنية متكاملة تربط الرقمنة برفع الإنتاجية وتعزيز التنافسية وتحقيق التنويع الاقتصادي.

ووفق قاعدة بيانات "غلوبال فيندكس 2025" للبنك الدولي، يمتلك 79 في المئة من البالغين حول العالم حسابا ماليا، بينما يمتلك 86 في المئة هاتفا محمولا و68 في المئة هاتفا ذكيا، وهو ما عزز انتشار الخدمات المالية الرقمية وأسهم في توسيع الشمول المالي. كما ارتفعت المدفوعات الرقمية في الاقتصادات المنخفضة والمتوسطة الدخل، إذ استخدم 42 في المئة من البالغين هواتفهم أو بطاقاتهم لإجراء مدفوعات لدى التجار في المتاجر أو عبر الإنترنت خلال عام 2024، مقارنة بـ35 في المئة في عام 2021.

أين يقف الخليج في زمن التعامل الرقمي؟

تُعدّ دول مجلس التعاون الخليجي من أكثر المناطق تقدما في التحول الرقمي، وقد اعتمدته في صلب الاستراتيجيات الوطنية التحولية خاصة في مساعيها لتنويع اقتصاداتها.

أ.ف.ب.
موظف سعودي يراقب تفويج الحجاج من خلال خريطة رقمية، مكة 3 يونيو 2025

ويرى صندوق النقد الدولي أن أكبر المستفيدين من التحول الرقمي في دول الخليج هي القطاع الحكومي، والقطاع المالي، وقطاع الأعمال، والتجارة الإلكترونية، والصحة، والتعليم. وأسهمت الرقمنة في رفع كفاءة الخدمات الحكومية، وتعزيز الشمول المالي، وتسريع المدفوعات الرقمية، وزيادة إنتاجية الشركات، إلى جانب توسيع خدمات الطب والتعليم عن بعد.

وحسب تقريره "التحول الرقمي في اقتصادات مجلس التعاون الخليجي" الصادر في أبريل/نيسان 2025، يشير صندوق النقد إلى أن دول الخليج أغلقت إلى حد كبير الفجوة مع الاقتصادات المتقدمة في مؤشرات الوصول الرقمي والبنية التحتية.

في السعودية، بلغ مؤشر نضج التجربة الرقمية الحكومية 86.7 في المئة في تقييم 2025. أما الإمارات فاستهدفت رقمنة 100 في المئة من خدماتها الحكومية في حلول 2025

ففي السعودية، بلغ مؤشر نضج التجربة الرقمية الحكومية 86.7 في المئة في تقييم 2025. أما الإمارات فاستهدفت رقمنة 100 في المئة من خدماتها الحكومية في حلول 2025.

وأصبح في إمكان المواطنين في العديد من دول مجلس التعاون إنجاز طيف واسع من الخدمات الحكومية عبر المنصات الرقمية، مثل تجديد بطاقات الهوية الوطنية، وجوازات السفر، ورخص القيادة، وتراخيص المركبات، إضافة إلى سداد الرسوم وتقديم الطلبات ومتابعة المعاملات، دون الحاجة إلى زيارة المكاتب الحكومية إلا في الحالات التي تستلزم التحقق من الهوية أو استلام الوثائق.

وعلى الرغم من عدم وجود تقدير موحد لإجمالي استثمارات دول الخليج في التحول الرقمي، فإن المؤشرات تعكس حجما كبيرا من الإنفاق. ففي السعودية وحدها، ارتفع حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات المحلي إلى أكثر من 180 مليار ريال (48 مليار دولار)، لتصبح السوق الأسرع نموا في الشرق الأوسط لعام 2024، بينما بلغ الإنفاق الحكومي على خدمات الاتصالات وتقنية المعلومات لعام 2025، 31.9 مليار ريال (8.51 مليار دولار).

رويترز
صورة جوية لمركز دبي المالي العالمي (DIFC) وسط الأبراج الشاهقة في دبي، الإمارات العربية المتحدة، بتاريخ 18 يونيو 2019. التُقطت الصورة في 18 يونيو 2019

وعلى مستوى القطاع الخاص، تخصص الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي، في المتوسط، نحو 9.8 في المئة من إيراداتها للاستثمار في التحول الرقمي خلال الفترة 2025-2030، وهي من بين أعلى المعدلات عالميا، وفق تقرير "جي أس أم أيه إنتليجانس" (GSMA Intelligence). كما يضع التقرير السعودية وقطر والإمارات ضمن أكبر سبعة منفقين عالميا على التحول الرقمي للشركات، مدفوعا بالاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، وشبكات الجيل الخامس، والحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء.

المدفوعات والخدمات المصرفية في رأس الاهتمامات

أسهمت التقنيات المصرفية الحديثة في تسريع المدفوعات وتبسيط المعاملات، إذ أصبح في إمكان العملاء إدارة حساباتهم وإجراء التحويلات وسداد الفواتير، وفي بعض الدول إيداع الشيكات إلكترونيا، عبر التطبيقات المصرفية، بينما عززت الحوسبة السحابية كفاءة الخدمات وخفضت تكاليفها.

دعمت البنوك المركزية هذا التحول من خلال تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية التي أتاحت إطلاق البنوك الرقمية وتقديم الخدمات المصرفية عن بعد. وأسهم هذا التحول في رفع الكفاءة التشغيلية، وخفض تكاليف تقديم الخدمات

وتجلت هذه الخدمات بشكل بارز في منطقة الخليج. وفي عام 2021، أظهر مسح أجرته "فنتك السعودية" (Fintech Saudi) أن 93 في المئة من العملاء في السعودية يجرون تعاملاتهم المصرفية الأساسية إلكترونيا عبر تطبيقات الهاتف أو الإنترنت، بينما يعتمد 5 في المئة فقط على الفروع كقناتهم الرئيسة. وأعلن البنك المركزي السعودي (ساما) أن 79 في المئة من إجمالي مدفوعات التجزئة للأفراد في المملكة أصبحت مدفوعات إلكترونية في نهاية عام 2024، مقارنة بـ70 في المئة في 2023، مع تنفيذ 12.6 مليار عملية دفع إلكترونية خلال عام 2024.

واستجابة للتحول في سلوك العملاء، ولا سيما فئة الشباب، كثفت البنوك الخليجية استثماراتها في الخدمات المصرفية الرقمية، وأطلقت بنوكا ومنصات رقمية تتيح فتح الحسابات وإدارة المعاملات والحصول على التمويل عبر التطبيقات الذكية دون الحاجة إلى زيارة الفروع.

أ.ف.ب.
برج الحمراء (يمين)، المقر الرئيسي لـ بنك الكويت الوطني (NBK) (وسط)، وبرج الراية (يسار)، 25 يناير 2022

ففي الكويت، أطلق "بنك الكويت الوطني" عام 2021 بنك "ويّاي" (Weyay) كأول بنك رقمي، بينما شهدت السعودية إطلاق بنك "دي 360" (D360) كأول بنك رقمي مرخص له، في حين أطلقت مجموعة "بنك الإمارات دبي الوطني" (Emirates NBD) في عام 2017 منصة "ليف" (Liv) المصرفية الرقمية في الإمارات. وتعكس هذه المبادرات توجها إقليميا نحو توسيع الخدمات المصرفية الرقمية، مدفوعا بارتفاع استخدام الهواتف الذكية وتزايد الطلب على الخدمات المالية السريعة والمرنة.

ودعمت البنوك المركزية هذا التحول من خلال تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية التي أتاحت إطلاق البنوك الرقمية وتقديم الخدمات المصرفية عن بعد. وأسهم هذا التحول في رفع الكفاءة التشغيلية، وخفض تكاليف تقديم الخدمات، وتسريع إنجاز المعاملات، وتحسين تجربة العملاء، وهو ما انعكس في ارتفاع الاعتماد على القنوات الرقمية.

ماذا عن الأمن السيبراني؟

مع اتساع الاعتماد على الخدمات المالية الرقمية، تتزايد مخاطر الهجمات السيبرانية والاحتيال الإلكتروني، بما في ذلك اختراق الأنظمة، وسرقة البيانات، والتصيد الاحتيالي، والاستيلاء غير المشروع على الحسابات. 

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن عدد الهجمات السيبرانية على القطاع المالي تضاعف تقريبا مقارنة بما قبل جائحة كوفيد-19، وأن نحو 20 في المئة من جميع الحوادث السيبرانية المبلغ عنها عالميا تستهدف المؤسسات المالية، فيما بلغت الخسائر المباشرة المعلنة الناجمة عن الهجمات التي استهدفت القطاع المالي نحو 2.5 مليار دولار خلال الفترة 2020-2023، مع ترجيح أن تكون الخسائر الفعلية أعلى بكثير بسبب نقص الإبلاغ.

يشير تقرير التنمية المستدامة العربي 2024 الصادر عن الأمم المتحدة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تتصدر المنطقة في تطوير منصات التعلم الرقمي

وفي المقابل، تواصل البنوك والجهات التنظيمية الاستثمار في الأمن السيبراني، وتعزيز الأطر الرقابية، وتطوير أنظمة كشف الاحتيال والاستجابة للهجمات لحماية العملاء والحفاظ على استقرار النظام المالي.

وبالنسبة لدول الخليج، تؤكد "ستاندر آند بورز" في تقرير نشر عام 2024 أنه لم تُسجل خلال 2023 و2022 أي هجمات سيبرانية ذات أثر مالي جوهري على البنوك الخليجية، مرجعة ذلك إلى الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية للأمن السيبراني والرقابة التنظيمية، مع الإشارة إلى أن بعض الحوادث الصغيرة قد لا يعلن عنها. ومن المتوقع أن يتجاوز الإنفاق على الأمن السيبراني في دول مجلس التعاون الخليجي نحو 32.9 مليار دولار في حلول عام 2030، أي ما يقارب ضعف مستواه في عام 2024، مدفوعا بتوسع مراكز البيانات، واعتماد الذكاء الاصطناعي، وتسارع التحول الرقمي، وفق تقديرات "غراند فيو ريسرش" (Grand View Research). كما أصبحت مجالس إدارات البنوك تتابع مخاطر الأمن السيبراني بصورة مباشرة، بدعم من أطر تنظيمية فرضتها البنوك المركزية الخليجية.

الصحة والتعليم والخدمات في قلب التحول الرقمي

كان القطاع الصحي أحد أبرز المستفيدين من التحول الرقمي في دول الخليج، مع انتشار السجلات الصحية الإلكترونية، والطب عن بعد، والمستشفيات الافتراضية، وتطبيقات الهواتف الذكية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التشخيص وإدارة المستشفيات. وأسهمت هذه التقنيات في تحسين جودة الرعاية الصحية، وتسريع الوصول إلى الخدمات، ورفع كفاءة الإنفاق، فيما تؤكد المؤسسات الدولية أن القطاع الصحي الخليجي بات من أكثر القطاعات استعدادا للاستفادة من الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي. وتقدر "بي دبليو سي" (PwC) أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن تضيف نحو 23.5 مليار دولار سنويا إلى اقتصادات دول الخليج في حلول عام 2030، مع استفادة قطاعات رئيسة، من بينها الرعاية الصحية، من مكاسب الكفاءة وتحسين جودة الخدمات.

أ.ف.ب.
قوارب بحرية تقلدية قبالة ساحل العاصمة القطرية الدوحة، 4 أغسطس 2023

وعلى مستوى التعليم، يشير تقرير التنمية المستدامة العربي 2024 الصادر عن الأمم المتحدة إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تتصدر المنطقة في تطوير منصات التعلم الرقمي، مستشهدا بمنصة "مدرستي" السعودية التي تخدم  أكثر من 6 ملايين طالب و500 ألف معلم، ومنصتي "المدرسة الرقمية" التي استفاد منها أكثر من 800 ألف طالب، و"مدرسة" في الإمارات التي وفرت أكثر من 7,800 درس، كنماذج لهذا التقدم.

وسخّرت السعودية التحول الرقمي لتيسير إجراءات الحج والعمرة، عبر منصات رقمية مثل "نسك" و"مسار نسك"، التي تتيح للمستخدمين حجز تصاريح العمرة والزيارة، واستكمال إجراءات الحج، وإصدار التأشيرات، وحجز الفنادق ووسائل النقل، وإدارة مختلف مراحل الرحلة إلكترونيا. وقد تجاوز تطبيق "نسك" 30 مليون عملية تنزيل في عام 2025، مقدّما أكثر من 100 خدمة رقمية لمستخدمين من أكثر من 190 دولة، فيما أصدرت منصة "مسار نسك" أكثر من 12.4 مليون تأشيرة عمرة خلال عام 2025.

بين التحديات والفرص

على الرغم من التقدم الكبير الذي حققته دول الخليج، فإن تحديات هيكلية لا تزال تعوق الانتقال الكامل إلى الاقتصاد الرقمي. صحيح أنه لا توجد بيانات موثقة تفيد بأن الرقمنة خفضت "الوظائف غير الضرورية" في دول الخليج، مع العلم أن أسواق الخليج اعتمدت لعقود على القطاع الحكومي بوصفه جهة التوظيف الرئيسة للمواطنين. فنحو 80 في المئة من المواطنين الكويتيين يعملون في وظائف حكومية حسب منظمة العمل الدولية، و83 في المئة من القطريين، و78 في المئة من الإماراتيين.

برزت فجوة المهارات كأحد أكبر تحديات التحول الرقمي، إذ يرى أكثر من 70 في المئة من الشركات في السعودية أن المهارات التقنية أصبحت الأكثر طلبا، بينما تتجه 38 في المئة منها إلى تخفيف اشتراط المؤهل الجامعي لبعض الوظائف، مقابل 19 في المئة عالميا 

ويؤكد صندوق النقد الدولي أن أثر الرقمنة مزدوج بالنسبة للوظائف؛ فهي تؤتمت المهام الروتينية في بعض المهن، لكنها في المقابل تخلق وظائف جديدة في مجالات التكنولوجيا والبيانات والأمن السيبراني، مع رفع الإنتاجية وزيادة الحاجة إلى إعادة تأهيل وتطوير مهارات القوى العاملة لمواكبة الاقتصاد الرقمي.

إلا أن نقص المهارات الرقمية يعتبر من أكبر التحديات أمام التحول الرقمي. ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن دول الخليج لا تزال متأخرة عن الاقتصادات المتقدمة في توافر الكفاءات الرقمية، إذ يبلغ متوسط المتخصصين في الذكاء الاصطناعي 1.7 في المئة من القوى العاملة في دول الخليج، مقابل 5.4 في المئة في الاتحاد الأوروبي و6.9 في المئة في سنغافورة. كما لا يتجاوز متوسط حاملي الدكتوراه في الذكاء الاصطناعي شخصين لكل مليون نسمة، مقارنة بـ 25 شخصا في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وحسب تقرير "مستقبل الوظائف لعام 2025" الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، من المتوقع أن يشهد 46 في المئة من المهارات المستخدمة في الوظائف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تغيرا في حلول 2030 نتيجة الرقمنة والذكاء الاصطناعي، مقابل 39 في المئة عالميا.

غيتي
القمة الثالثة والأربعين لمجلس التعاون الخليجي في مركز الملك عبد العزيز الدولي للمؤتمرات في الرياض، المملكة العربية السعودية في 9 ديسمبر 2022

ويتمثل أحد أبرز التحديات في اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فمع تسارع التحول الرقمي، يرى أكثر من 70 في المئة من الشركات في السعودية أن الإلمام بالتكنولوجيا أصبح من أكثر المهارات طلبا، إلى جانب مهارات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. وفي الوقت نفسه، تتجه الشركات إلى التركيز على المهارات العملية بدلا من المؤهلات الأكاديمية، إذ تتوقع 38 في المئة من الشركات إلغاء اشتراط الشهادة الجامعية لبعض الوظائف، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 19 في المئة، في محاولة لتوسيع قاعدة المواهب وسد النقص في الكفاءات الرقمية.

ويستدعي ذلك إعادة مواءمة منظومات التعليم والتدريب مع احتياجات الاقتصاد الرقمي، من خلال تحديث المناهج، وتعزيز المهارات الرقمية، وإتقان اللغات الأجنبية بوصفها أداة أساسية للوصول إلى المعرفة والتقنيات الحديثة. كما يتطلب التحول الرقمي تطوير الأطر القانونية والتنظيمية، ولا سيما في مجالات التجارة الإلكترونية، وحماية البيانات، والملكية الفكرية، إلى جانب تعزيز التكامل التشريعي بين دول مجلس التعاون. ويبقى تحديث الإدارة الحكومية وتقليص البيروقراطية وتسريع تبني الخدمات الرقمية من أبرز التحديات، بما يضمن انتقالا أكثر كفاءة إلى اقتصاد رقمي قادر على دعم النمو والابتكار.

يمثل القطاع الخاص ركيزة أساسية في بناء الاقتصاد الرقمي، إذ تقود الشركات الكبرى والمنصات الرقمية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والتجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا المالية. وبالتالي، تبرز الحاجة إلى تمكين الشركات الوطنية والشركات الناشئة من المنافسة عبر تسهيل الوصول إلى التمويل، وتعزيز الابتكار، وتوسيع الشراكات مع المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.

كما يبرز دور الصناديق السيادية ورؤوس الأموال الاستثمارية في تمويل منظومة الابتكار، وتسريع نمو الشركات التقنية، وتطوير حلول الأمن السيبراني والبنية التحتية الرقمية. وتدير الصناديق السيادية الخليجية مجتمعة أصولا تتجاوز 4 تريليونات دولار، مما يمنحها قدرة كبيرة على توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الرقمية ذات القيمة المضافة. ويؤكد صندوق النقد الدولي أن تسريع التحول الرقمي يتطلب بيئة تنظيمية حديثة، ومهارات رقمية متقدمة، ونظاما متكاملا لدعم الابتكار وريادة الأعمال، إلى جانب تعاون وثيق بين الحكومات والقطاع الخاص ومراكز البحث، لضمان تحويل الاستثمارات الرقمية إلى نمو اقتصادي مستدام وزيادة في الإنتاجية.

font change