الحرب تخنق إيران وتصيب شظاياها الاقتصاد الأميركي

واشنطن تواجه فاتورة النفط والدين والتضخم... وطهران تدفع ثمن انهيار صادراتها النفطية وضغوط العملة والتجارة

المجلة
المجلة

الحرب تخنق إيران وتصيب شظاياها الاقتصاد الأميركي

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقترحا لمنح كل أميركي بالغ شيكا بقيمة 5,000 دولار، إذا حافظ الجمهوريون على غالبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. ويتطلب تنفيذ المقترح موافقة الكونغرس، فيما لم تُحسم بعد آلية تمويله وتفاصيل الأهلية للحصول على الدفعة.

ويأتي المقترح في وقت تشكل فيه تكلفة المعيشة مصدر قلق رئيسيا للأميركيين، في ظل استمرار الضغوط على أسعار السلع والطاقة. وأظهرت استطلاعات "رويترز/إيبسوس (Reuters/Ipsos) خلال 2026 تراجعا حادا في تقييم الأميركيين لأداء ترمب في ملف تكلفة المعيشة، إذ بلغت نسبة عدم الموافقة 73 في المئة في مايو/أيار، قبل أن تتراجع نسبة الموافقة إلى 17 في المئة في أحدث استطلاع أُجري في سبتمبر/أيلول. ويأتي ذلك قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني.

ودافع الرئيس الأميركي خلال المؤتمر الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي في دالاس بولاية تكساس، عن حربه ضد إيران، في وقت تتعرض فيه أسعار الوقود في السوق الأميركية لضغوط صعودية. وقال ترمب في خطاب أمام أنصاره إنه اضطر إلى استخدام القوة لمنع إيران من صنع قنبلة نووية، كما سلط الضوء على أهمية مضيق هرمز، أحد أهم ممرات نقل النفط في العالم، في ظل تعطل حركة الإمدادات عبره نتيجة الحرب والتوترات مع طهران.

وفرضت حرب الشرق الأوسط وتداعياتها الاقتصادية نفسها على أجندة مؤتمر الجمهوريين لانتخابات التجديد النصفي في دالاس، وسط تزايد المخاوف داخل الحزب من تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الناخبين.

وفق متتبع تكاليف حرب إيران التابع لمعهد واتسون في جامعة براون، بلغت الزيادة التراكمية في تكلفة الطاقة على الأسرة الأميركية نحو 857 دولارا منذ بدء الصراع في 28 شباط/فبراير 2026، (حتى تاريخ 21 سبتمبر/أيلول 2026)، بإجمالي عبء على المستهلكين منذ اندلاع الحرب يقدر بـ112 مليار دولار

وتزامن ذلك مع ارتفاع التكلفة التي يتحملها المستهلكون الأميركيون نتيجة اضطرابات أسواق الطاقة. ووفق متتبع تكاليف حرب إيران التابع لمعهد واتسون في جامعة براون، بلغت الزيادة التراكمية في تكلفة الطاقة على الأسرة الأميركية نحو 857 دولارا منذ بدء الصراع في 28 شباط/فبراير 2026، (حتى تاريخ 21 سبتمبر/أيلول 2026)، بإجمالي عبء على المستهلكين منذ اندلاع الحرب يقدر بـ112 مليار دولار.

وقدرت تقارير إعلامية تكلفة بعض الوعود المالية التي طرحها ترمب بأكثر من تريليون دولار، في وقت تجاوز فيه الدين الوطني الأميركي 40 تريليون دولار، بينما يُتوقع أن يبلغ صافي مدفوعات الفائدة على الدين نحو تريليون دولار خلال السنة المالية 2026، وفق مكتب الموازنة في الكونغرس. ويضيف ذلك ضغوطا جديدة على المالية العامة الأميركية في ظل عجز فيديرالي متوقع بنحو 1.9 تريليون دولار هذا العام.

رويترز
مركبة تتزود بالوقود في محطة ببلدة ويغينز، كولورادو، الولايات المتحدة الأميركية، 11 مايو/أيار 2026

وفي تكساس، الولاية الجمهورية الغنية بالنفط، بلغت تكلفة ارتفاع أسعار الوقود على المستهلكين نحو 11 مليار دولار، وفق تقديرات تستند إلى متتبع تكاليف حرب إيران التابع لجامعة براون. ويمثل هذا الرقم نحو عُشر الزيادة في تكاليف الوقود التي تحملها المستهلكون في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، والتي تجاوزت 100 مليار دولار منذ اندلاع الحرب.  

وتفاقمت تكلفة الوقود على المستهلكين الأميركيين مع استمرار اضطرابات أسواق الطاقة، فيما سجل الديزل سعرا قياسيا تجاوز 6.40 دولارا للغالون في 16 سبتمبر/أيلول الجاري، بينما ارتفع متوسط سعر البنزين إلى نحو 4.44 دولار. وفي أسواق النفط، تجاوز خام برنت مستوى 107 دولارات للبرميل خلال تعاملات الخميس 10 أيلول/سبتمبر، قبل أن يقلص مكاسبه لاحقا.

حرب كسر العظام الاقتصادي

منذ مطلع أيلول/سبتمبر، زادت الإدارة الأميركية حصارها الجوي والبحري في مضيق هرمز، لمنع شحن صادرات النفط الإيرانية، وقصف الناقلات المخالفة. ولاحظ المراقبون تصاعدا حادا في  العنف من الجانبين، مما يزيد مخاوف المتعاملين في منطقة حساسة في مجال إمدادات الطاقة العالمية.

بلغت التكلفة العسكرية للحرب نحو 43.6 مليار دولار حتى 3 أيلول/سبتمبر، وفق تقدير للقيادة المركزية الأميركية، بعدما كانت وزارة الدفاع قدرتها بنحو 37.5 مليار دولار في يوليو/تموز

وتوقع "غولدمان ساكس" أن يتجاوز سعر برميل النفط 120 دولارا في سيناريو تصاعدي، إذا استمرت اضطرابات الشحن في الشرق الأوسط وتفاقمت القيود على حركة الناقلات عبر مضيق هرمز. ولا يمثل هذا الرقم توقع البنك الأساسي، بل سيناريوا لصعود الأسعار في حال استمرار تعطل الإمدادات.

ويعزز هذا السيناريو إقرار ترمب، خلال المؤتمر الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي في دالاس، بأن الحرب مع إيران قد تستمر إلى ما بعد الانتخابات المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، بعدما كان قد توقع في وقت سابق انتهاءها خلال فترة أقصر. وقال ترمب إن الحرب ستنتهي "بعد الانتخابات بوقت قصير".

ومع تصاعد التكلفة العسكرية للحرب وتزايد المعارضة الداخلية لاستمرارها، كثفت واشنطن في الوقت نفسه ضغوطها الاقتصادية على إيران، ملوحة بخيارات تشمل تشديد الخناق الاقتصادي. وبلغت التكلفة العسكرية للحرب نحو 43.6 مليار دولار حتى 3 أيلول/سبتمبر، وفق تقدير للقيادة المركزية الأميركية، بعدما كانت وزارة الدفاع قدرتها بنحو 37.5 مليار دولار في يوليو/تموز. كما أظهرت تحركات الكونغرس تصاعد المعارضة لاستمرار الحرب، مع تصويت مجلس النواب مجددا لصالح قرار يدعو إلى إنهائها.

رويترز
ذخائر طائرات مجهزة، في حاملة الطائرات الأميركية جورج إتش. دبليو. بوش"، في بحر العرب، 13 سبتمبر/أيلول 2026

وبدورها، قُدرت تكاليف إصلاح الأضرار التي لحقت بالقواعد والمنشآت العسكرية الأميركية في منطقة الخليج بنحو 5 مليارات دولار، وفق مصادر نقلت عنها شبكة "أن بي سي نيوز" (NBC News)، من دون احتساب أضرار بعض أنظمة الرادار والأسلحة والطائرات والمعدات التي تضررت أو دُمّرت. 

أما الحرس الثوري، فاعتمد على تكتيكات الحرب غير المتكافئة والضربات الانتقامية في مضيق هرمز والمحيط الإقليمي، بما يسمح لطهران بإبقاء الضغط العسكري والاقتصادي على خصومها وإطالة أمد المواجهة. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، قد تتحول تداعيات هذه الاستراتيجيا، ولا سيما على أسعار الطاقة وأمن الملاحة، إلى عامل إضافي في المشهد السياسي الأميركي.

وترفض طهران التزام فتح مضيق هرمز بشكل كامل ما دامت الولايات المتحدة تواصل حصارها البحري والضغط على صادرات النفط الإيرانية

وتحولت حرب إيران على بعد أيام من شهرها الثامن إلى معركة كسر عظام، ليست فيها الغلبة للقوة اللوجستية، بل لمن يتسبب في إلحاق اكبر قدر من الضرر للبلد الخصم.

ويبدو أن شظايا عقوبات "المنبوذ الاقتصادي" بدأت تطال الطرفين ولو بدرجات متفاوتة، لكنها حقيقية، على الرغم من فارق الحجم بين اقتصاد هو الأول في العالم يُقدر بـ 32.4 تريليون دولار في 2026، وفق صندوق النقد الدولي، واقتصاد صاعد يواجه عقوبات ويصغره 100 مرة، بناتج إجمالي لا يتجاوز 362 مليار دولار ودخل فردي يقل عن 4,000 دولار سنويا. في حين يتخطى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة 90 ألف دولار وفق تقديرات البنك الدولي 2025.

هرمز رافعة التفاوض الإيرانية

يقول محللون غربيون إن طهران أدركت أن السيطرة على مضيق هرمز تمثل ورقة ضغط رئيسة في مواجهة الغرب، يمكن استخدامها لدفعه إلى التفاوض وتعزيز موقع إيران في أي ترتيبات إقليمية مقبلة. ويترافق ذلك مع سعي طهران إلى فرض رسوم على السفن المسموح لها بالعبور، في خطوة تعكس رغبتها في تحويل سيطرتها على الممر الاستراتيجي إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية.

أ.ف.ب
سفن وناقلات نفط تنتظر عبور مضيق هرمز، قبالة ميناء بندر عباس، 5 سبتمبر/أيلول 2026

وترفض طهران التزام فتح مضيق هرمز بشكل كامل ما دامت الولايات المتحدة تواصل حصارها البحري والضغط على صادرات النفط الإيرانية. ويعكس ذلك تشدد الحرس الثوري الذي يتمسك بأن تكون حركة السفن عبر المضيق وفق المسارات التي تحددها إيران، محذرا من أن عبور السفن من دون إذنها سيكون "غير مقبول وخطيرا للغاية".

واختارت إدارة ترمب الرد على الحصار بالحصار، في وقت تبنت فيه طهران استراتيجيا تقوم على تقييد الملاحة واستهداف السفن والناقلات في مضيق هرمز والمياه الإقليمية، بما أعاد إلى الواجهة نمط "حرب الناقلات" الذي شهدته المنطقة خلال الحرب العراقية الإيرانية قبل نحو أربعة عقود. وأدى التهديد المتبادل إلى خلق حالة مستمرة من عدم اليقين، دفعت شركات الشحن إلى تجنب بعض المسارات ورفعت تكاليف ومخاطر التأمين على السفن العابرة للمضيق.

 اختارت إدارة ترمب الرد على الحصار بالحصار، في وقت تبنت فيه طهران استراتيجيا تقوم على تقييد الملاحة واستهداف السفن والناقلات في مضيق هرمز والمياه الإقليمية، بما أعاد إلى الواجهة نمط "حرب الناقلات" الذي شهدته المنطقة خلال الحرب العراقية الإيرانية قبل نحو أربعة عقود

وقال روس مايفيلد، استراتيجي الاستثمار لدى مؤسسة "بايرد" (Baird): "يبدو من المرجح أن تخرج إيران من الحرب بموقف أقوى في ما يتعلق بالسيطرة على المضيق، وهو ما سيدفع الدول المعتمدة على النفط الخام من الشرق الأوسط إلى التكيف". وأضاف: "انتقل إغلاق مضيق هرمز من كونه خطرا افتراضيا منخفض الاحتمال إلى تكتيك مثبت وفعال".

إيران تدفع ثمنا باهظا

يكشف واقع الحال أن إيران تدفع ثمنا اقتصاديا متزايدا للحرب والحصار المرتبط بأزمة مضيق هرمز. فقد ألحقت الضربات أضرارا بالبنية التحتية الحيوية، وزادت البطالة بفقدان وظائف قدرت بين 2 إلى 4 مليون، وبلغ معدل التضخم السنوي 66 في المئة في يوليو/تموز 2026، وفق بيانات مركز الإحصاء الإيراني التي نقلتها "رويترز". وفي الفترة نفسها، ارتفعت أسعار المستهلكين 87.9 في المئة على أساس سنوي، بينما بلغ تضخم الغذاء 128 في المئة.

أ.ف.ب

وتكشف بيانات إيران المفتوحة (Iran Open Data)، استنادا إلى متوسط أسعار الغذاء الشهرية في المدن المنشورة من مركز الإحصاء الإيراني، عن قفزات هائلة في أسعار المواد الأساسية بين مايو/أيار 2017 ومايو/أيار 2026. وسجل زيت الطهي السائل أكبر ارتفاع، بأكثر من 70 ضعفا، يليه الدجاج بنحو 57 ضعفا، والبيض بأكثر من 51 ضعفا، ولحم العجل بنحو 46 ضعفا، والحليب بأكثر من 44 ضعفا، فيما ارتفع سعر الأرز الإيراني بنحو 42 ضعفا.

وتقر السلطات الإيرانية بحجم الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحرب والحصار، إذ أظهرت أحدث البيانات الرسمية انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 10.1 في المئة على أساس سنوي خلال الربع الأول من السنة الفارسية، الممتد من 21 مارس/آذار إلى 20 يونيو/حزيران 2026. وكان قطاع النفط والغاز الأكثر تضررا، بانكماش بلغ 26.4 في المئة، فيما تراجع الناتج غير النفطي بنسبة 4.6 في المئة.

يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4 في المئة خلال عام 2026 بأكمله. كما تُظهر بيانات الصندوق أن الناتج المحلي الإيراني بالأسعار الجارية يُقدّر بنحو 300.3 مليار دولار في 2026

ويأتي ذلك فوق اقتصاد كان يعاني أصلا من تضخم مرتفع وعقوبات أميركية، فيما يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4 في المئة خلال عام 2026 بأكمله. كما تُظهر بيانات الصندوق أن الناتج المحلي الإيراني بالأسعار الجارية يُقدّر بنحو 300.3 مليار دولار في 2026، في انعكاس للضغوط التي يواجهها الاقتصاد بفعل الحرب والعقوبات واضطراب صادرات النفط. ومع تشديد واشنطن عقوباتها واستمرار الحصار البحري واضطراب صادرات النفط والتجارة، تتزايد الضغوط على الإنتاج والدخل والقدرة الشرائية.

وحل الاقتصاد الإيراني في المرتبة السادسة بين أكبر اقتصادات الشرق الأوسط في عام 2026، وفق بيانات صندوق النقد الدولي، خلف تركيا والسعودية وإسرائيل والإمارات ومصر. ويُقدَّر الناتج المحلي الإجمالي التركي بنحو 1.6 تريليون دولار و1.4 تريليون دولار للسعودية، و720 مليار دولار لإسرائيل، و620 مليار دولار للإمارات، ونحو 400 مليار دولار لمصر.

ويكتسب هذا الترتيب أهمية خاصة عند وضعه في سياق الأداء الاقتصادي، إذ يتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني، في حين يتوقع نموا بنسبة 3.4 في المئة لتركيا، و3.1 في المئة للسعودية، و3.5 في المئة لإسرائيل، و3.1 في المئة للإمارات، و4.6 في المئة لمصر. وبذلك لا تعكس مكانة إيران بين أكبر اقتصادات المنطقة حجم اقتصادها فحسب، بل تكشف أيضا عن الضغوط التي يتعرض لها هذا الاقتصاد في ظل الحرب والعقوبات واضطرابات صادرات النفط.

أ.ف.ب
صورة جوية لجزيرة خرج الإيرانية، 2 مارس/آذار 2026

وتقدر مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) حجم الأضرار الاقتصادية التي لحقت بإيران منذ اندلاع الحرب بنحو 144 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب، في ظل خسائر واسعة طالت قطاعي الطاقة والبنية التحتية، إلى جانب تداعيات الحصار واضطراب صادرات النفط والتجارة.

وتعرضت جزيرة خرج التي تؤمن معظم صادرت الطاقة إلى قصف أميركي كثيف اضر بوحدات التخزين واللوجستيك. لكن إيران اعتمدت على المخزون البحري العائم لتلبية طلب الصين المستورد الأكبر للنفط الإيراني. وكثيرا ما تتحدث وسائل إعلام غربية عن وجود دعم ومساندة خفية من روسيا والصين لإيران، باعتبارها عضوا مهما في مجموعة "بريكس".

يقدّر مكتب الموازنة في الكونغرس نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للولايات المتحدة بنحو 2.2 في المئة في 2026. وفي المقابل، خفّضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها لنمو الاقتصاد الأميركي إلى 2 في المئة في 2026

وخلال الحرب، تراجعت صادرات النفط الإيرانية بصورة حادة تحت وطأة الحصار والقيود على حركة الناقلات. وبحسب بيانات حديثة، هبطت الصادرات إلى نحو 210 آلاف برميل يوميا في سبتمبر/أيلول، أي إلى قرابة عشر مستويات ما قبل الحرب، مما أدى إلى تقليص أحد أهم مصادر النقد الأجنبي والإيرادات الحكومية في إيران.

وعلى الصعيد النووي، تواجه طهران ضغوطا دولية إضافية مع رصد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعمال بناء وحركة جديدة في موقع "جبل الفأس" المحصّن قرب نطنز. وقال المدير العام للوكالة رافائيل غروسي إن الوكالة لم تتمكن بعد من تفقد مجمع الأنفاق من الداخل، وإنها لا تملك معلومات ملموسة عن طبيعة الأنشطة الجارية هناك، فيما تشير الصور الملتقطة عن بُعد إلى تحركات جديدة في الموقع. وأُحيل الملف النووي الإيراني على مجلس الأمن الدولي على خلفية عدم امتثال طهران لالتزاماتها المتعلقة بالأنشطة النووية.

إحاطة مجلس العموم

تزامنت الضغوط المعيشية مع تشديد القبضة الأمنية وتضييق المجال أمام الأصوات المعارضة، بما يعكس تنامي نفوذ الحرس الثوري في إدارة مسار الحرب وتعاطي طهران مع الضغوط الخارجية.

وجاء في إحاطة لمكتبة مجلس العموم البريطاني أن إيران، بعد ستة أشهر من اندلاع الصراع، تشهد "بعض الانقسامات داخل الجماعات الحاكمة"، فيما يواصل النظام اتخاذ إجراءات ضد المشاركين في احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026. وأشارت الإحاطة إلى أن دور الحرس الثوري الإيراني ازداد خلال الحرب، وسط تحليلات تتحدث عن انتقال إيران نحو نموذج قيادة أكثر تشاركا، بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الضربات الجوية في 29 فبراير/شباط 2026.

تراجع النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة

أما في الولايات المتحدة، فلا يبدو الاقتصاد في حالة أزمة أو انكماش في الوقت الراهن، إذ واصل النمو، فيما أظهرت المؤشرات استمرار قوة الطلب المحلي. لكن الاقتصاد يواجه ضغوطا متزايدة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم، وهي تداعيات تفاقمت بفعل الحرب مع إيران واضطرابات إمدادات النفط. لذلك، لا يبدو توقيت الحرب مواتيا للاقتصاد الأميركي، خصوصا مع ارتفاع تكلفة الوقود وتزايد أعباء الحرب على الموازنة.

خلال الربع الثاني من عام 2026، حقق الاقتصاد الأميركي نموا حقيقيا بمعدل سنوي قدره 1.5 في المئة، متباطئا من 2.1 في المئة في الربع الأول. ومع ذلك، لا يشير ذلك إلى دخول الاقتصاد في حالة انكماش، إذ ظل الناتج في مسار نمو، وإن بوتيرة أبطأ. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الاقتصاد الأميركي بنحو 2.3 في المئة خلال عام 2026، قبل أن يتباطأ النمو إلى نحو 2.2 في المئة في عام 2027.

رويترز
محطة تعرض ارتفاع أسعار الوقود، في إنسينيتاس، بولاية كالفورنيا، الولايات المتحدة الأميركية، 16 سبتمبر/أيلول 2026

ويقدّر مكتب الموازنة في الكونغرس نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للولايات المتحدة بنحو 2.2 في المئة في 2026. وفي المقابل، خفضت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها لنمو الاقتصاد الأميركي إلى 2 في المئة في 2026، على أن يتباطأ إلى 1.8 في المئة في 2027، في ظل تأثير ارتفاع أسعار الطاقة والضبابية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط على الاستهلاك والنشاط الاقتصادي.

 ارتفع متوسط فائدة الرهن العقاري الأميركي لأجل 30 عاما إلى نحو 6.85 في المئة منذ اندلاع الحرب مع إيران، قبل أن تقترب المعدلات من 7 في المئة في سبتمبر/أيلول، مما زاد الضغوط على القدرة على تحمل تكاليف شراء المنازل

ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة أصلا عبئاً ماليا مرتفعا. فقد تجاوز إجمالي الدين الفيديرالي الأميركي 40 تريليون دولار في أغسطس/آب 2026 كما سبق وأشرنا، بينما يُتوقع أن يبلغ الدين الفيديرالي المحتفظ به لدى الجمهور نحو 101 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية السنة المالية 2026. وبلغ العجز الفيديرالي في السنة المالية الأخيرة نحو 2.1 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويزيد الإنفاق العسكري المرتبط بالحرب مع إيران الضغوط على المالية العامة، في وقت ترتفع فيه أيضا تكلفة خدمة الدين.

وبدورها، تشير "مؤسسة بيترسون" إلى أن صافي تكلفة الفائدة على الدين الأميركي مرشح للارتفاع من 952 مليار دولار في 2025 إلى نحو 1.8 تريليون دولار في 2035، أي ما يقارب الضعف خلال العقد المقبل، وفق توقعات مكتب الموازنة في الكونغرس. كما يُتوقع أن تصل مدفوعات الفائدة التراكمية إلى نحو 13.8 تريليون دولار خلال السنوات العشر.

هل تلوح في الأفق أزمة رهن عقاري إذا تواصلت الحرب؟

خلال أغسطس/آب الماضي، ضاعفت وزارة الخزانة الأميركية، بقيادة سكوت بيسنت، حجم بعض عمليات إعادة شراء سندات الخزانة الطويلة الأجل إلى ما لا يقل عن 4 مليارات دولار للعملية الواحدة، في محاولة لدعم سيولة سوق السندات والحد من ضغوط ارتفاع العوائد، بعدما قفز عائد السندات لأجل 30 عاما إلى نحو 5.34 في المئة، وهو أعلى مستوى في 19 عاما. وتكتسب هذه الخطوة أهمية بالنسبة إلى سوق الإسكان، إذ ترتبط عوائد سندات الخزانة الطويلة الأجل ارتباطا وثيقا بتكلفة الاقتراض العقاري. وقد ارتفع متوسط فائدة الرهن العقاري الأميركي لأجل 30 عاما إلى نحو 6.85 في المئة منذ اندلاع الحرب مع إيران، قبل أن تقترب المعدلات من 7 في المئة في سبتمبر/أيلول، مما زاد الضغوط على القدرة على تحمل تكاليف شراء المنازل.

رويترز
جرافات تعمل قرب مركز بيانات تابع لشركة "أمازون" قيد الإنشاء في إنديانا، 23 مارس/آذار 2026

ووفق محللين، فإن التضخم والطاقة وسندات الخزانة وأسعار الفائدة المرتفعة عوامل تدفع نحو أزمة في الأفق تهدد قطاع العقار، قد لا تكون شبيهة بما حدث عام 2008، لكنها قد تجعل كثير من المقتنين مترددين في شراء منازلهم التي سترتفع تكلفتها بأسعار الفائدة المرتفعة.

وتشير بيانات حديثة إلى أن ارتفاع تكاليف الاقتراض يعرقل انتعاش سوق الإسكان الذي كان متوقعا في 2026. فقد خفضت منصة "زيلو" (Zillow) توقعاتها لنمو مبيعات المنازل خلال العام من 4.3 في المئة إلى 1.3 في المئة، فيما أظهرت استطلاعات "رويترز" أن أسعار الفائدة المرتفعة تحد من فرص حدوث انتعاش قوي في السوق. وفي المقابل، لا تزال المؤسسات الدولية تتعامل مع تداعيات اضطرابات الطاقة باعتبارها ضغطا على التضخم والنشاط الاقتصادي، لا باعتبارها سببا مؤكدا لدخول الاقتصاد الأميركي في حالة انكماش.

font change