واشنطن تُحيي «محاكم غنائم الحرب»... هل تصادر ناقلات النفط الإيرانية؟

سلاح من زمن الأشرعة

"المجلة"
"المجلة"

واشنطن تُحيي «محاكم غنائم الحرب»... هل تصادر ناقلات النفط الإيرانية؟

أعلنت وزارة العدل الأميركية خلال شهر أغسطس/آب 2026 استعدادها لإحياء وإعادة تطبيق منظومة محاكم "غنائم الحرب البحرية (Prize Courts)"، وهي آلية قانونية موغلة في القدم في التاريخ القانوني الأميركي، منسية منذ عقود طويلة، إذ لم تستخدم فعلياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويرجع الهدف من هذه الخطوة إلى مصادرة ناقلات النفط الإيرانية أو المرتبطة بطهران، التي تُصادَر ضمن الحصار البحري المفروض على إيران، وتحويلها إلى "غنائم حرب" تُباع حمولاتها وسفنها، على أن تُحوَّل العائدات مباشرة إلى الخزانة الأميركية.

ويأتي هذا التوجه في إطار سعي واشنطن إلى تسريع الإجراءات الموازية لمسار المصادرة القضائية المدنية التقليدية (Civil Forfeiture) والتي تقوم بها المحاكم الأميركية حال إصدار أحكامها، وذلك بهدف تعزيز فاعلية الحصار، والمساهمة في تعويض جزء من تكاليف العملية العسكرية التي تقوم بها القوات الأميركية.

وفي هذا الصدد، أكد المدعي العام للمنطقة الجنوبية لولاية تكساس الأميركية، آرون رايتز، أنه فور إنتهاء وزارة العدل من هذا الإجراء ستتمكن محاكم مدينة هيوستن، والتي تضم أحد أكبر مجمعات البتروكيماويات في البلاد وميناءً قادراً على استيعاب كميات هائلة من النفط الخام، أنها ستكون جاهزة لنظر قضايا غنائم الحرب.

(أسوشييتد برس)
ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية في ظل الحصار الأميركي، 18 أبريل 2026

وهو ما يطرح سؤالاً جوهريا معقدا: هل يُعد هذا الإجراء دستوريا ومشروعا وفقا للنظام القانوني الأميركي؟ وما مدى توافقه أو تعارضه مع قواعد القانون الدولي؟ وهل يستند إلى سوابق قانونية وقضائية تاريخية راسخة، أم إنه يفتح الباب أمام تحديات قانونية جديدة لم تُختبر في العصر الحديث؟

محاكم "غنائم الحرب الأميركية"

تعود جذور قانون الغنائم البحرية إلى التقاليد الأوروبية الحربية القديمة في عصر السفن ما قبل السفن البخارية، حيث كان الاستيلاء على سفن العدو وحمولاتها يُعد حقاً مشروعا للدول المتحاربة، ويخضع لمحاكم خاصة تُسمى محاكم الغنائم. وقد تبنت الولايات المتحدة هذا النظام منذ بداياتها، فاستخدمته بعد قيام الثورة الأميركية وإعلان استقلالها مباشرة عام 1776 خلال أحداث حرب الاستقلال الأميركية ضد بريطانيا.

وقد حرصت الولايات المتحدة على تقنين هذا المبدأ وجعله يستند إلى أسس دستورية وتشريعية واضحة في النظام الأميركي، فوفقاً لنص المادة الأولى، فقرة 8 من الدستور الأميركي يكون للكونغرس سلطة "إعلان الحرب، ووضع القواعد المنظمة للأسر والاستيلاء على الغنائم في البر والبحر"، بينما أسندت المادة الثالثة فقرة 2 إلى المحاكم الفيدرالية الولاية القضائية لنظر القضايا المتعلقة بالقوات البحرية وسائر منازعات قانون البحار، بما في ذلك قضايا الغنائم، كما حرص الكونغرس على وضع إطار قانوني وقضائي واضح لهذه المحاكم، فنظم قانون القوات المسلحة الأميركية الحالي الصادر عام 1956 وفقاً لأحدث تعديلاته في الفصل 883 منه على تنظيم إجراءات الاستيلاء على غنائم الحرب، حيث منح المحاكم الفيدرالية الابتدائية اختصاصا حصريا على هذه القضايا إذا أُدخلت السفينة إلى ميناء أميركي أو مناطق معينة تحت السيطرة الأميركية.

وكانت عائدات الغنائم تُوزَّع سابقا على طاقم السفينة التي قامت بعملية الأسر وفقا لنظام "أموال الغنائم" (Prize Money)، لكن الكونغرس ألغى هذا التوزيع عام 1899، وأصبح العائد يذهب مباشرة إلى الخزانة العامة للولايات المتحدة.

تعيد أميركا إحياء محاكم "غنائم الحرب" لتصادر ناقلات إيران وتبيع حمولاتها وسفنها لصالح الخزانة، في مسار أسرع من المصادرة المدنية وأقل عرضة لتدخل أطراف ثالثة

وقد استخدمت الولايات المتحدة هذا المبدأ في أغلب حروبها ونزاعاتها المسلحة، وقد بلغ ذروة تطبيقه خلال الحرب الأهلية الأميركية بين عامي (1861-1865)، حين فرضت إدارة الرئيس أبراهام لينكولن حصاراً بحريا على موانئ جيش الكونفدرالية الانفصالي في الولايات الجنوبية، حيث صادرت مئات السفن كغنائم حرب.

واستمر الاستخدام بشكل محدود خلال الحرب الإسبانية-الأميركية عام 1898، قبل أن يتراجع تدريجيا مع تطور أساليب الحرب البحرية، وظهور الغواصات والطيران في الحربين العالميتين، وعلى الرغم من استمرار وجود الآلية تشريعيا، فإنها ظلت خاملة عمليا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث لم تُرفع قضايا غنائم تقريبا خاصة بعد إقرار القانون الجديد عام 1956، وظل النظام خاملا منذ ذلك الحين.

واعتمدت الولايات المتحدة في العقود الأخيرة على المصادرة المدنية بموجب قوانين العقوبات بدلاً منها.

(أ.ف.ب/البحرية الأميركية)
حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس جورج إتش دبليو بوش" من فئة "نيميتز" تبحر في بحر العرب بعد إعلان واشنطن إنهاء عملياتها الهجومية ضد إيران، 3 مايو 2026

واليوم، ومع فرض الحصار البحري على إيران منذ أبريل/نيسان 2026، ومصادرة عدة ناقلات مرتبطة بطهران أو بفنزويلا، ترى الإدارة الأميركية في إحياء قانون الغنائم مساراً أسرع وأقل عرضة لتدخل أطراف ثالثة، مثل ضحايا الإرهاب الإيراني الذين يطالبون بأصول إيرانية في قضايا المصادرة المدنية.

وتعتمد واشنطن في ذلك على وجود حالة من "العدائيات" أو حصار فعلي، دون الحاجة بالضرورة إلى إعلان حرب رسمي من الكونغرس، مستندة إلى سوابق تاريخية سمحت بمثل هذا التطبيق في ظروف مشابهة.

شرعية لينكولن والقيود القانونية المعاصرة

تشكل السوابق القضائية للمحكمة العليا الأميركية ركيزة أساسية في تقييم مدى مشروعية إحياء محاكم الغنائم اليوم، ففي "قضايا الغنائم الكبرى" (Prize Cases) عام 1863، أيدت المحكمة سلطة الرئيس أبراهام لينكولن في فرض حصار بحري على موانئ ولايات الجنوب الكونفدرالي خلال الحرب الأهلية الأميركية ومصادرة السفن حتى دون إعلان حرب رسمي من الكونغرس، وقد اعتبرت المحكمة أن حالة الحرب الفعلية (De Facto)، كافية لتبرير الإجراءات، مؤكدة أن الرئيس مُلزم بمواجهة التمرد "كما يقدمه الواقع"، دون انتظار تسمية رسمية لطبيعة النزاع المسلح من السلطة التشريعية.

أما في قضية "باكيتي هافانا" (The Paquete Habana) عام 1900، فقد قضت المحكمة بأن القانون الدولي العرفي يُعد جزءا من القانون الأميركي، وألغت مصادرة سفن صيد ساحلية إسبانية كغنائم خلال الحرب الإسبانية-الأميركية، لأنها محمية بموجب عرف دولي راسخ.

وأكدت سوابق أخرى الولاية القضائية الحصرية للمحاكم الفيدرالية على قضايا الغنائم، مع الالتزام بتطبيق قواعد القانون الدولي ما لم يعدلها الكونغرس أو السلطة التنفيذية صراحة.

تستند واشنطن إلى سابقة لينكولن 1863 التي أجازت الحصار والمصادرة دون إعلان حرب، لكن غياب تفويض الكونغرس اليوم يُضعف موقفها ويفتح الباب أمام طعون دستورية

عند تحليل مدى انطباق هذه السوابق على الوضع الراهن، ضمن المبررات التي تذكرها الإدارة الأميركية لإعادة تفعيل محاكم غنائم الحرب، تبرز مسألة وجود "حالة حرب" أو عدائيات كافية، فالإدارة تعتمد على وجود حصار فعلي ونزاع مسلح مع إيران منذ أوائل 2026، دون تفويض صريح من الكونغرس، مستندة في ذلك إلى سابقة لينكولن.

غير أن غياب إعلان حرب رسمي قد يُضعف المصادرات ويفتح الباب أمام طعون قانونية، وتتمثل الحجج المؤيدة في أن السلطة الدستورية موجودة بوضوح، والتشريع ساري المفعول، والسوابق تسمح بالحصار والمصادرة في حالات العدائيات الفعلية، أما التحديات المتوقعة فتشمل التساؤل حول ما إذا كان الصراع الحالي يرقى إلى مستوى يبرر تفعيل قانون الغنائم، وإمكانية نجاح أصحاب السفن أو أطراف ثالثة مثل ضحايا المتضررين من النظام الإيراني وشركات الشحن في الطعن، فضلاً عن العقبات التشغيلية الناتجة عن غياب الخبرة المعاصرة لدى القضاء والبحرية في إدارة مثل هذه الإجراءات.

وبالمقارنة مع المصادرة القضائية المدنية التقليدية، توفر محاكم الغنائم مسارا أسرع وأقل تعقيدا في نقل الملكية إلى الحكومة، لكنها قد تثير طعونا دستورية أوسع نطاقا. ويدعم عدد من الخبراء الفكرة، معتبرين أنها قد تساعد في تعويض تكاليف الحرب وترسل رسالة جدية لإيران.

رويترز
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث حول فرض عقوبات جديدة على إيران في مقر الوزارة بواشنطن، 24 أغسطس 2026

في المقابل، يحذر خبراء آخرون من ردود فعل دولية محتملة، مثل إمكانية لجوء دول أخرى كالصين إلى تطبيق مماثل ضد المصالح الأميركية، ومن ثم، تبقى الدستورية والمشروعية داخل النظام الأميركي قائمة من حيث المبدأ، لكنها مرهونة بإثبات وجود عدائيات كافية وقدرة الإدارة على تجاوز التحديات القانونية والعملية المتوقعة.

دليل سان ريمو والغنائم البحرية 

يُعد قانون الغنائم جزءاً تقليديا أصيلا من قانون الحرب البحرية العرفي، والذي يختلف اختلافا جوهريا عن القواعد المنظمة لإدارة البحار في زمن السلم والتي كانت تنظمها اتفاقيات جنيف لعام 1958 المتعلقة بقانون البحار، والتي تنظمها الآن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. فبينما تنظم اتفاقيات قانون البحار حرية الملاحة والاستخدامات السلمية، تخضع النزاعات المسلحة في البحار لقواعد عرفية خاصة واتفاقيات متأثرة بالقانون الدولي الإنساني.

يجيز دليل سان ريمو مصادرة سفن العدو بشرط حصار معلن وفعّال وغير تمييزي لا يهدف لتجويع المدنيين، ما يثير شكوكا عن شرعية الحصار "العالمي" على إيران

ويُعتبر دليل سان ريمو للقانون الدولي المنطبق على النزاعات المسلحة في البحر (San Remo Manual on International Law Applicable to Armed Conflicts at Sea) الصادر عام 1994، الوثيقة الأشمل في العصر الحديث حول هذه القواعد، إذ يمثل تقنينا للقانون الدولي العرفي مع دمج معايير من اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وبروتوكولها الإضافي الأول، ويسمح الدليل بمصادرة سفن العدو التجارية خارج المياه المحايدة، كما يجيز الاستيلاء على السفن المحايدة في حالات محددة مثل حمل بضائع محظورة أو محاولة اختراق الحصار أو مقاومة الزيارة والتفتيش، ويشترط أن يكون الحصار معلناً وفعالاً وغير تمييزي، وأن لا يهدف إلى تجويع السكان المدنيين.

أ.ف.ب
صورة التُقطت بالأقمار الاصطناعية تُظهر جزيرة خرج الإيرانية، التي تضم المحطة الرئيسية لتصدير النفط الخام في إيران وتتولى الغالبية العظمى من شحنات النفط الإيرانية للعالم، في 22 فبراير 2026

من حيث المبدأ، إذا اعتُبر الحصار الأميركي على إيران قانونياً بموجب قانون الحرب، فإن المصادرة كغنيمة تبقى مقبولة دولياً، غير أن التعارض المحتمل يبرز في تساؤلات حول ما إذا كان الحصار "العالمي" يتوافق مع متطلبات الحصار الجغرافي الفعال، ومدى احترام حقوق الدول المحايدة، وإمكانية ردود فعل مماثلة من دول أخرى مثل الصين.

كما أن تطورات ما بعد ميثاق الأمم المتحدة قيدت بعض الممارسات القديمة. وهكذا، فإن القانون الدولي العرفي لا يزال يعترف بمبدأ الغنائم، لكن تطبيقه الحديث نادر ويخضع لتحديات قانونية وسياسية معقدة.

"محاكم الغنائم" في مواجهة الطعون

تبدو آلية محاكم غنائم الحرب دستورية من حيث الأساس التاريخي والتشريعي داخل النظام الأميركي، ومدعومة بسوابق مهمة من المحكمة العليا، ومتوافقة جزئياً مع قواعد القانون الدولي العرفي كما يلخصها دليل سان ريمو، غير أنها تواجه تحديات حديثة معقدة تتعلق بتعريف "العدائيات" أو حالة الحرب الفعلية في الصراع مع إيران، وغياب أي خبرة فعلية عملية لدى القضاء والبحرية الأميركية في إدارة مثل هذه الإجراءات منذ عقود طويلة، فضلاً عن احتمال طعون داخلية من أصحاب السفن وشركات الشحن وشركات التأمين وأطراف ثالثة، وطعون دولية تشكك في شرعية الحصار ذاته.

قد يفتح غياب تفويض الكونغرس الباب أمام طعون دستورية من ملاك السفن وشركات الشحن، مع افتقار القضاء والبحرية لخبرة حديثة، واحتمال ردّ دول كالصين بالمثل

يعتمد نجاح هذه الخطوة إلى حد كبير على كيفية تطبيق الإجراءات عمليا في المحاكم الفيدرالية الأميركية، بداية من تطبيق محكمة المنطقة الجنوبية لولاية تكساس، وعلى قدرة الإدارة الأميركية على إثبات مشروعية كل مصادرة أمام القضاء، بعيدا عن الشكوك الدستورية والدولية.

وفي المحصلة، قد يساهم إحياء هذا المبدأ القديم في تعزيز الضغط الاقتصادي على إيران وتعويض جزء من تكاليف الصراع، لكنه في الوقت نفسه يعيد فتح نقاش عميق حول حدود سلطات الحرب في النظام الدستوري الأميركي المعاصر، ومدى انسجامها مع تطورات القانون الدولي في عصر ما بعد ميثاق الأمم المتحدة.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت واشنطن قادرة على تحويل أداة تاريخية منسية إلى أداة فاعلة في صراع القرن الحادي والعشرين دون أن تفتح على نفسها جبهات قانونية جديدة.

font change

مقالات ذات صلة