رغم أن فتيل النزاع في إيران ومضيق هرمز لم ينطفئ بعد، سارع المحللون إلى تفكيك مساره بحثا عن دروس استراتيجية يمكن البناء عليها مستقبلا. وفي أوساط السياسات الأمنية، أخذت تتكاثر القراءات التي ترصد الثغرات اللوجستية والتكتيكية التي شابت العمليات الأميركية، من ضعف الاستعداد لاضطراب إمدادات النفط والأسمدة، إلى نقص مخزونات الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية. ويضاف إلى ذلك قصور الجاهزية في مواجهة المسيّرات الهجومية منخفضة التكلفة، فضلا عن النقص في كاسحات الألغام وغيره من أوجه الخلل العملياتي.
وعلى الرغم من أن هذه الدروس قد تمنح الولايات المتحدة خبرة مهمة في الاستعداد لصراعاتها المقبلة، فإنها لا تقترب من جوهر الإخفاق في مضيق هرمز، فحتى لو عالجت واشنطن جميع تلك الثغرات قبل اندلاع الحرب، لما كان ذلك كافيا لتمكين إدارة ترمب من تحقيق أهدافها الأساسية، سواء تمثلت في إسقاط النظام، أو شل قدرة طهران على تنفيذ ضربات بعيدة المدى، أو حملها على إحداث تغيير جوهري في سياساتها المتعلقة بالبرنامج النووي ووكلائها الإقليميين.
وقد كان من الممكن أن تتيح مخزونات أكبر من الذخائر، إلى جانب استعداد أفضل لمواجهة نقص إمدادات النفط، مواصلة حملة القصف فترة أطول أو فرض ضغوط اقتصادية أشد، لكن من الصعب القول إن بضعة أشهر إضافية من القصف أو الحصار كانت ستغير مسار حرب أخفقت طوال قرابة ستة أشهر في تحقيق أهدافها الأساسية. ومع اتضاح حدود ما يمكن للقوة العسكرية إنجازه، بات الفشل الاستراتيجي النتيجة الأكثر ترجيحا لهذه الحرب، بما يفسح أمام إيران مجالا أوسع لمواصلة طموحاتها النووية، ويعزز موقعها في مضيق هرمز، ويمنحها بالتالي نفوذا أكبر على دول الخليج.
ومع ذلك، لا يزال الجيش الأميركي يمتلك قدرات استثنائية، فحتى في حرب افتقرت منذ بدايتها إلى تصور واضح، أظهر تفوقا تقنيا لا يضاهيه فيه أي جيش آخر حاليا، فقد تمكن من حشد قوة عسكرية ضخمة ونشرها على بعد يزيد على سبعة آلاف ميل من السواحل الأميركية، ثم فرض سيطرته على الأجواء الإيرانية بقدر لافت من السهولة، في مشهد بات العالم يألفه مع الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة.

أما الخسائر، فتكشف عن تفاوت هائل بين الجانبين، فقد قُتل ما لا يقل عن 18 جنديا أميركيا وأصيب أكثر من 600 آخرين، في حين يرجح أن الخسائر الإيرانية بلغت عدة آلاف، رغم غياب حصيلة دقيقة. وباختصار، أثبت الجيش الأميركي، رغم أوجه القصور في التخطيط والإمداد، أنه لا يزال قوة عسكرية شديدة الفاعلية والخطورة.
لكن التفوق التقني، مهما بلغ، لا يستطيع أن يعوض خللا استراتيجيا أساسه تكليف الجيش بما يتجاوز حدود الممكن، وهذا ما فعله الرئيس الأميركي دونالد ترمب حين حمّل قواته ثلاث مهام يستحيل تحقيقها، ثم قابل إخفاقها بالغضب والاستغراب.


