حرب واشنطن ورهان طهران على الانتظار

كيف أزاح هرمز الملف النووي من الأولويات الأميركية؟

"المجلة"
"المجلة"

حرب واشنطن ورهان طهران على الانتظار

في 9 أغسطس/آب، أجرى دونالد ترمب مقابلة مع موقع "أكسيوس"، وغيّر عبر بضع جمل نبرة الأسبوع السابق بالكامل. وقال: "نتحرك بهدوء شديد". وبدلا من إصدار أوامر بتنفيذ الضربات الجديدة الواسعة التي هدد بها قبل أيام، قال الرئيس إنه يفضل ترك العقوبات والحصار البحري يؤديان المهمة: "نكتفي بمراقبتهم، في ظل التضخم الهائل لديهم، وحقيقة أنهم لا يملكون المال". وعندما سئل عن التقلبات المتواصلة في هذه المواجهة، تعامل معها باعتبارها أمرا مألوفا. وقال: "سينتهي الأمر على خير. يحدث ذلك دائما. الأمر أشبه بلعبة شطرنج". وأضاف على منصة "تروث سوشيال" خلال الأسبوع نفسه أن إيران لا تملك المال، وأن الجمهورية الإسلامية "أساءت التصرف طوال 51 عاما".

لكن وراء هذه التصريحات حقيقة أكثر صلابة. فقد أكدت القيادة المركزية الأميركية نشر أكثر من عشرين سفينة حربية أميركية لفرض حصار بحري ثان على الموانئ الإيرانية. وقالت القيادة المركزية إنه بحلول 9 أغسطس/آب أعادت توجيه 55 سفينة تجارية، وعطلت اثنتين، واحتجزت اثنتين أخريين "لضمان الامتثال". وفي اليوم التالي، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي عدم وجود محادثات مباشرة بين طهران وواشنطن، واقتصار التواصل على رسائل ينقلها الوسطاء، لكنه قال إن إيران وعمان اتفقتا على "خريطة عبور" لمضيق هرمز، وإن المحادثات لا تزال "بناءة للغاية". وجاء ذلك كله بعد أسبوع واحد فقط من اقتراب الولايات المتحدة من استئناف الضربات واسعة النطاق على إيران بسبب استمرار إغلاق المضيق.

يجسد هذا التحول الحاد الوضع الذي وصلت إليه الحرب الآن. فقد خلصت الحكومتان، في الوقت الراهن، إلى أن مواصلة القتال تكلف أكثر مما تحقق، ونقلتا المواجهة إلى ساحة يعتقد كل منهما أن الوقت يعمل فيها لمصلحته: تراهن واشنطن على انهيار الاقتصاد الإيراني أولا، فيما تراهن طهران على نفاد الصبر السياسي في واشنطن أولا. ولا يملك أي منهما دليلا على صحة رهانه. ويعود جانب من حذر واشنطن إلى اعتبارات عملية إلى جانب الاعتبارات السياسية، إذ ربطت تقارير التوقف عن الضربات بمخاوف داخل البنتاغون من تراجع مخزونات صواريخ الاعتراض المخصصة للدفاع الجوي، وهو قيد يجعل خوض جولة ثالثة من الضربات واسعة النطاق والاستمرار فيها أعلى كلفة بكثير من الجولتين الأوليين.

حرب أقل كلفة في الوقت الراهن

بدأت الحرب في 28 فبراير/شباط بأهداف أكبر بكثير: القضاء على البرنامج النووي الإيراني، والحد من صواريخها الباليستية، وتقليص نفوذ حلفائها الإقليميين، والسعي في مراحل مختلفة إلى تغيير النظام نفسه. لكن كل واحد من هذه الأهداف تقلص منذ ذلك الحين أو جرى التخلي عنه بهدوء. وأحدث هذه المؤشرات هو أوضحها دلالة على إعادة حسابات واشنطن. فقد أبلغ مسؤولون صحيفة "وول ستريت جورنال" أن ترمب أصبح مستعدا لإنهاء الحرب من دون تسوية نووية شاملة، شرط أن تضمن طهران إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

لا يمثل كثير مما تطالب به طهران الآن أمرا جديدا. فهو قريب مما قبله ترمب نفسه ووصفه علنا بالنجاح عندما وقع مذكرة يونيو، قبل أن تنهار خلال أيام بسبب الخلاف على كيفية إدارة المضيق


ويرى تقييم الإدارة نفسها، بحسب ما نقلته الصحيفة، أن التفوق الاستخباراتي الأميركي واستمرار التهديد باستئناف الضربات يجعلان الاتفاق النووي الرسمي غير ضروري، إذ لن تستطيع إيران، وفق هذا التصور، إعادة بناء برنامجها عمليا بغض النظر عما ينص عليه أي اتفاق على الورق. وهكذا أزاح هرمز فعليا الملف النووي عن موقعه بوصفه الهدف المركزي الذي ينبغي أن تحققه الحرب، مدفوعا إلى حد كبير باعتبارات السياسة الداخلية، إذ تؤثر أسعار البنزين وإغلاق المضيق في تقييم الناخبين الأميركيين للاقتصاد قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني.

وتبقى العقبة الأخيرة هي المال. تريد إيران رفع العقوبات وتعويضها عن أضرار الحرب، فيما يرفض البيت الأبيض الموافقة على أي منهما. وترى إيران في هرمز أكثر أدواتها فاعلية لإجبار واشنطن على تنفيذ تعهدات سبق أن قدمتها في المذكرة التي وقعها الطرفان في 17 يونيو/حزيران، وتشمل تخفيف العقوبات على النفط والبتروكيماويات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وإنهاء الحصار البحري، وسحب القوات من محيط إيران، بدلا من إعادة فتح المضيق أولا ثم الثقة في أن تفي واشنطن بتعهداتها لاحقا.

وبعبارة أخرى، لا يمثل كثير مما تطالب به طهران الآن أمرا جديدا. فهو قريب مما قبله ترمب نفسه ووصفه علنا بالنجاح عندما وقع مذكرة يونيو/حزيران، قبل أن تنهار خلال أيام بسبب الخلاف على كيفية إدارة المضيق. وقد شارفت المحادثات بين إيران وعمان بشأن آلية عبور السفن في هرمز بعد إعادة فتحه على الانتهاء. لكن ما لا يزال عالقا هو إصرار طهران على ربط تفعيل ذلك الترتيب بإحياء مذكرة يونيو/حزيران كاملة، بما يشمل المحادثات النووية. وقال نائب الرئيس جيه دي فانس علنا إن واشنطن لا تثق في التأكيدات الإيرانية بأنها لا تعتزم فرض رسوم على الملاحة عبر هرمز، وإن أي تعهد من هذا النوع يجب التحقق منه بدلا من قبوله على أساس الثقة. ويختزل هذا التفصيل الصغير مقدار ما يفتقر إليه الطرفان من حسن النية تجاه بعضهما، حتى مع تقدم العمل الفني مع عمان.

ما المطروح فعليا

إذا توصل الطرفان إلى اتفاق، فقد أصبح شكله العام واضحا بالفعل، لأنهما صاغا جزءا كبيرا منه من قبل. فقد دعت مذكرة يونيو/حزيران إلى تخصيص ما لا يقل عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية. وأفادت "رويترز" آنذاك بأن الآلية التي كان يجري إعدادها عبارة عن "صندوق لإعادة الإعمار والتنمية" تقوده جهات خاصة، وأن شركات من الولايات المتحدة ودول الخليج وآسيا ومناطق أخرى تعهدت بالفعل بأكثر من نصف رأس المال المقترح للاستثمار في قطاعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والتصنيع.

أ.ف.ب
صورة التُقطت بالأقمار الاصطناعية تُظهر جزيرة خرج الإيرانية، التي تضم المحطة الرئيسية لتصدير النفط الخام في إيران وتتولى الغالبية العظمى من شحنات النفط الإيرانية إلى العالم، في 22 فبراير 2026

وقال فانس إن إيران لن تحصل على تلك الأموال إلا بعد تفكيك برنامجها النووي، وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، وقبول نظام تفتيش صارم. لكن هذه الشروط تكشف أيضا نقطة ضعف العرض. فقد أشارت طهران مرارا إلى أنها قد تقبل تعليقا طويل الأمد لعمليات التخصيب، والتخلي عن مخزونها الأعلى تخصيبا أو خفض مستوى تخصيبه، لكنها لن تتخلى نهائيا عما تعتبره حقها في تخصيب اليورانيوم.

لذلك، قد يكون الصندوق أكبر حافز اقتصادي تقدمه واشنطن، لكن بشروط فانس قد يبدو أقرب إلى مكافأة على الاستسلام منه إلى حافز. وتقع مساحة التفاوض الحقيقية في مكان ما بين الموقفين: هل تستطيع واشنطن قبول تجميد قابل للتحقق يمتد سنوات بدلا من التفكيك الدائم، وهل تستطيع طهران قبول قيود متوغلة بما يكفي لإقناع الولايات المتحدة بإمكان فرض الالتزام بأي اتفاق والتحقق منه. وهي المشكلة نفسها التي تخيم الآن على هرمز، إذ تتردد واشنطن في تقديم تنازلات ملموسة مقابل وعود إيرانية تخشى أن لا يكون في وسعها التحقق منها بصورة موثوقة.

صعود المتشددين

تشدد موقف طهران بالتوازي مع تغييرات في المناصب. فقد حدد محمد باقر ذو القدر، الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، ستة شروط لإعادة فتح هرمز في بيان صدر في أغسطس/آب، وهي إنهاء أي تهديدات ضد إيران، والوقف الدائم للهجمات على إيران وحلفائها الإقليميين، ورفع الحصار والعقوبات، ودفع تعويضات عن الحرب، والإفراج غير المشروط عن الأصول المجمدة. وأعلن أن المجلس "لن يتراجع أبدا، سواء في الحرب أو في المفاوضات".

استمرار القتال قد يساعد الحكومة الإيرانية فعليا بمنحها ذريعة لإلقاء مسؤولية إخفاقات اقتصادية كانت ستضطر، لولا الحرب، إلى تحمل مسؤوليتها


وغادر ذو القدر المنصب منذ ذلك الحين، فيما تولاه محسن رضائي، القائد السابق في "الحرس الثوري" والمرشح للرئاسة مرتين، وصاحب السجل الطويل في المواقف المتشددة. وأفادت "وول ستريت جورنال" بأن الأسابيع الأخيرة شهدت تعديلات أوسع رفعت شخصيات مخضرمة من التيار المتشدد إلى مواقع متقدمة في المؤسسة الأمنية الإيرانية، في حين تراجع نفوذ التكنوقراط والبرغماتيين الذين يرون أن المفاوضات ضرورية للحفاظ على ما تبقى من الاقتصاد.

كما تحمل التغييرات في المناصب رسالة واضحة: فتعيين شخصية مخضرمة من "الحرس الثوري" لإدارة الهيئة التي ستمنح في نهاية المطاف موافقتها على أي اتفاق بشأن هرمز يعني أن الشروط التي وضعتها إيران في أغسطس/آب لن تصبح أكثر مرونة على الأرجح من دون صراع داخل النظام أولا.

رويترز
عضو مجلس خبراء القيادة محسن قمي، ومستشار المرشد الإيراني محسن رضائي، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يحضرون مراسم تأبين المرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي بمصلى الإمام الخميني الكبير، طهران، 3 يوليو 2026

لكن هذه ليست الصورة كاملة. فقد قال الرئيس مسعود بيزشكيان مرارا إن على إيران تجاوز حالة "لا حرب ولا سلام"، وأفادت وسائل الإعلام الرسمية بأنه التقى "المرشد الأعلى" مجتبى خامنئي أواخر يوليو/تموز لبحث سبل المعيشة والعملات الأجنبية وإدارة الطاقة على وجه التحديد. ولم يختف المعسكر البرغماتي. لكن السقف المرتفع للمطالب الإيرانية المعلنة، من التعويضات إلى الانسحاب الأميركي الدائم من محيط إيران وضمانات لحلفائها الإقليميين، يكشف أي المعسكرين هو الأعلى صوتا حاليا، وهو صوت أعلى مما كان عليه في طهران حتى قبل شهرين فقط.

ويعود جزء مما شجع هذا المعسكر إلى ترمب نفسه. فقد كان معظم ما تطالب به إيران الآن مطروحا بالفعل في يونيو/حزيران، باستثناء التعويضات. وما تغير منذ ذلك الحين لا يتعلق بمضمون المطالب الإيرانية بقدر ما يتعلق بقراءة طهران للرجل الجالس على الجانب الآخر من الطاولة: رئيس هدد مرارا بتنفيذ "أشد الضربات تدميرا منذ الحرب العالمية الثانية"، ثم تراجع في كل مرة. ويقرأ المتشددون في طهران هذا النمط لا بوصفه ضبطا للنفس، بل دليلا على أن ترمب لا يمثل التهديد الوجودي الذي توحي به تصريحاته، ومن ثم لا يرون سببا لمنحه مخرجا يحفظ ماء الوجه، ولا يرون كلفة في اختبار مدى ما يمكن أن يحتمله من ضغط إضافي.

اقتصاد للبقاء

قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن الضغوط الاقتصادية التي فرضتها الإدارة دفعت العملة الإيرانية إلى انهيار حاد ورفعت التضخم إلى مستويات مكونة من ثلاثة أرقام. وتدعم الأرقام كلامه جزئيا: إذ يتجاوز التضخم السنوي 80 في المئة، فيما ارتفعت أسعار الدجاج 190 في المئة والحليب 150 في المئة خلال العام الماضي. وتعرضت صادرات النفط الإيرانية، التي كانت تبلغ قبل الحرب نحو 1.5 مليون برميل يوميا وتشكل مصدرا حيويا لإيرادات الدولة والعملات الأجنبية، لضربة شديدة على نحو خاص. وتقدر "كابيتال إيكونوميكس" أن إيرادات صادرات النفط اقتربت من الصفر في يوليو/تموز، بعدما بلغت 4.5 مليار دولار في يونيو/حزيران. كما تظهر بيانات تتبع السفن أنه لم تُحمّل أي ناقلة بالنفط في جزيرة خرج، وهي محطة التصدير الرئيسة في إيران، منذ نهاية يوليو/تموز. وتملك إيران كذلك هامشا احتياطيا أقل بكثير مما ساعدها على تجاوز الحصار الأول، إذ تراجعت كميات النفط المخزنة في البحر خارج نطاق الأسطول البحري الأميركي من نحو 180 مليون برميل إلى قرابة 60 مليونا بحلول أوائل يوليو/تموز. ويضع أحد التقديرات التي أوردتها "وول ستريت جورنال" الكلفة الأوسع للحصار عند نحو 435 مليون دولار يوميا من خسائر النشاط الاقتصادي.

ولم يكن رد إيران تعافيا بقدر ما كان تكيفا مع الندرة. فقد فرضت طهران انقطاعات دورية للكهرباء، ونقلت بعض عمليات الإنتاج في المصانع إلى أيام الجمعة لتعويض الإنتاج المفقود، وأنشأت سعرا مدعوما للصرف لتغطية واردات أساسية تصل قيمتها إلى 3.5 مليار دولار مثل القمح والأدوية وحليب الأطفال، وسمحت لمتلقي الإعانات بشراء السلع الأساسية بالدين على حساب مدفوعاتهم المستقبلية.

أ.ف.ب
سيدة إيرانية تسير أمام كشك لصرافة العملات في العاصمة طهران، في 22 فبراير 2026

ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد بنسبة 5.4 في المئة هذا العام. وتسحب الأسر من مدخراتها وتشتري المواد الأساسية بكميات محدودة في كل مرة، فيما تفقد الأجور قيمتها بوتيرة أسرع من قدرة أصحابها على إنفاقها. ولا يؤدي التدهور الاقتصادي تلقائيا إلى استسلام سياسي، إذ نجت دول أخرى خاضعة لعقوبات شديدة، من كوبا بعد عام 1959 إلى فنزويلا خلال العقود الأخيرة، من أزمات طويلة عبر مزيج من التقنين والمحسوبية والقمع. ولا تهدف استراتيجية طهران إلى إعادة الحياة الاقتصادية الطبيعية، بل إلى مواصلة الصمود والعمل بما يكفي لتجاوز الضغوط الحالية.

واشنطن وسباق الوقت

لواشنطن حساباتها الزمنية الخاصة، ولا يرضى الجميع في العاصمة عن المسار الحالي. فقد قال السيناتور كريس مورفي، الديمقراطي عن ولاية كونيتيكت وعضو لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ والمنتقد المتكرر لسياسة ترمب تجاه إيران، في برنامج "ميت ذا برس" على شبكة "إن بي سي" إن ترمب "خسر هذه الحرب»، وترك الولايات المتحدة أضعف وإيران أقوى. وقال إن كل يوم يبقى فيه هرمز مغلقا يرفع الثمن الذي ستدفعه واشنطن في نهاية المطاف لإعادة فتحه، وقدر قيمة أي اتفاق نهائي لطهران بما يصل إلى 100 مليار دولار سنويا، ورأى أن حتى "اتفاقا سيئا" ينهي الحرب ويعيد فتح المضيق أفضل من إطالة أمد المواجهة. وربطت تقارير أيضا تحول ترمب نحو الضغوط الاقتصادية الأكثر هدوءا بتوصية من الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، بأن تجد الإدارة مخرجا من الحرب بدلا من مواصلة التصعيد.

ويشكل الرأي العام جزءا من هذه الحسابات. فلا يؤيد سوى نحو 28 في المئة من الأميركيين طريقة إدارة الحرب، وفقا لاستطلاعات "سي إن إن"، فيما قتل حتى الآن 18 عسكريا أميركيا. وتقوم حسابات الإدارة نفسها، بحسب ما نقله "أكسيوس"، على أن استمرار القتال قد يساعد الحكومة الإيرانية فعليا بمنحها ذريعة لإلقاء مسؤولية إخفاقات اقتصادية كانت ستضطر، لولا الحرب، إلى تحمل مسؤوليتها. أما فترة الهدوء النسبي، فتجبر طهران على مواجهة تبعات وضعها الاقتصادي مباشرة.

وقد يعتمد نجاح هذا المنطق على ما إذا كان صبر واشنطن سيطول أكثر من صبر طهران. فقد وصل الاحتياطي البترولي الاستراتيجي الأميركي، الذي أمر ترمب بالسحب منه بمقدار 172 مليون برميل في مارس/آذار للتخفيف من صدمة أسعار النفط في المراحل الأولى من الحرب، إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من أربعة عقود. كما بقي متوسط سعر البنزين على المستوى الوطني فوق 4 دولارات للغالون لأسابيع، ويحد العاملان من المدة التي تستطيع فيها واشنطن مواصلة هذه اللعبة الهادئة، فيما يدافع الجمهوريون عن أغلبيتهم الضئيلة في الكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني. وحذر جيمس ستافريديس، الأدميرال المتقاعد والقائد الأعلى السابق لقوات حلف شمال الأطلسي، من أن المخاطر تسير في الاتجاهين: فتشدد الشروط الإيرانية يضيق هامش المناورة المتاح أمام ترمب، لكن طهران قد تبالغ أيضا في تقدير حجم النفوذ الذي تملكه فعليا.

هوة الخلاف تتسع

لا تقتصر الضغوط على المسار الأميركي-الإيراني. ففي عطلة نهاية الأسبوع نفسها التي أجرى فيها ترمب مقابلته مع "أكسيوس"، رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطة تدعمها الولايات المتحدة لنزع سلاح "حماس" في غزة، إذ تريد "حماس" انسحابا إسرائيليا أولا، فيما تريد إسرائيل نزع السلاح أولا. ويكشف ذلك حجم التباعد الذي أحدثته الحرب بين واشنطن وأقرب حلفائها الإقليميين، وليس فقط بينها وبين شركائها الخليجيين.

تبدو عمان وقطر، وإلى حد ما السعودية، أكثر اقتناعا بأن الضغط وحده لن يجبر إيران على التراجع، وأن الاستقرار الإقليمي بات أهم من إجبار طهران على الهزيمة


وينقسم الخليج نفسه. إذ تبدو عمان وقطر، وإلى حد ما السعودية، أكثر اقتناعا بأن الضغط وحده لن يجبر إيران على التراجع، وأن الاستقرار الإقليمي بات أهم من إجبار طهران على الهزيمة، فيما لا تزال الإمارات والبحرين أقرب إلى نهج واشنطن الأكثر تشددا. ويشكل اتفاق الدفاع الجديد الذي وقعته السعودية مع تركيا وباكستان في مكة في 7 أغسطس/آب إحدى علامات هذا التحوط. فهو لا يمثل قطيعة مع واشنطن، لكنه يثبت أن دول الخليج لم تعد تعتمد على الضمانات الأميركية وحدها. وربما يضيق ذلك خيارات واشنطن بقدر ما فعلته أي خطوة من جانب طهران: فبدلا من الحفاظ على جبهة إقليمية موحدة، يشاهد البيت الأبيض بعض أقرب شركائه يخلصون إلى أن التفاهم مع طهران، أو ببساطة بناء ترتيبات خاصة بهم، يخدم أمنهم أكثر من المواجهة.

رويترز
أحد البحارة يراقب هبوط طائرة "إي-2دي هوكآي" على متن حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر. فورد" أثناء عملها في إطار دعم هجوم "عملية إيبيك فيوري" على إيران في شرق البحر الأبيض المتوسط، في 2 مارس 2026

ولا يضمن أي من ذلك نتيجة ترضي أيا من الحكومتين. ولا تزال هناك ثلاثة مسارات محتملة. فقد يستمر الجمود ببساطة لأشهر، فيما يتحمل الطرفان الكلفة من دون أن ينكسر أي منهما. وقد ينتهي إلى صفقة ضيقة من النوع الذي رسم الطرفان ملامحه في يونيو/حزيران، أي فتح هرمز مقابل تخفيف العقوبات، على مراحل وبآليات تحقق بدلا من الاعتماد على الثقة، إذا استطاعا هذه المرة حل مشكلة ترتيب الخطوات. أو قد يفشل الوسطاء مجددا، فتعود واشنطن إلى الضربات واسعة النطاق التي كانت تستعد لها قبل أيام فقط من مقابلة ترمب مع "أكسيوس". وتراهن طهران على أن دولة صممت لتحمل الألم تستطيع الصمود أمام الحصار قبل أن يجبرها على تقديم تنازلات لا تزال قيادتها الأكثر تشددا غير مستعدة لتقديمها. وتراهن واشنطن على أن قائمة أهداف الحرب، التي تقلصت بهدوء من دون إعلان صريح، لا تزال قابلة للتسويق في الداخل على أنها نصر بمجرد إعادة فتح هرمز. ويقوم الرهانان على افتراض أن الطرف الآخر سينكسر أولا. ولم يكشف أي منهما بعد ما سيفعله إذا لم يحدث ذلك.

font change