مأزق "الحوثيين" المزدوج... أداة ضغط إيرانية وسط إخفاق داخلي

إطالة معاناة اليمنيين لتثبيت الحكم

"المجلة"
"المجلة"

مأزق "الحوثيين" المزدوج... أداة ضغط إيرانية وسط إخفاق داخلي

في 20 يوليو/تموز، أعلن المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران فرض حظر بحري فوري على السعودية، في خطوة كرست انهيار الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022، وأعادت فتح جبهة الضغط في البحر الأحمر، وهددت مرة أخرى حركة التجارة الدولية العابرة لمضيق باب المندب.

وخلال الأيام الأربعة التالية، حذر مركز تنسيق العمليات الإنسانية التابع للحوثيين شركات الشحن من تحميل البضائع في الموانئ السعودية أو تفريغها فيها، ولوح باستهداف سفنها عسكريا إن لم تمتثل. كما أعلن الحوثيون تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة على منشآت تابعة لـ"أرامكو" على ساحل البحر الأحمر في جازان وينبع، قبل أن تستهدف ميليشيات عراقية المنطقة الشرقية والرياض.

وقبل بدء المرحلة الثانية من التصعيد، أعلن الحوثيون في 22 يوليو/تموز استهداف سفينتين: "ليلى"، وهي ناقلة نفط خام عملاقة تحمل مليوني برميل من الخام السعودي، و"إنسيليا"، وهي ناقلة تحمل 730 ألف برميل من الديزل.

وسارعت أسواق الطاقة والنقل البحري إلى تسعير المخاطر الجديدة. فقد تجاوز سعر خام برنت 99 دولارا للبرميل في 23 يوليو/تموز قبل أن يتراجع، وارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بأكثر من 200 في المئة، من نحو 0.3 في المئة إلى 1 في المئة. كما علقت بعض شركات التأمين البحري بيع وثائق التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن المرتبطة بالسعودية والعاملة في منطقة العمليات، فيما توقفت ناقلات عدة مؤقتا أو غيرت مسارها نحو قناة السويس.

وفي 26 يوليو/تموز، عبرت 11 سفينة فقط مضيق باب المندب، فيما اجتازت مضيق هرمز أقل من عشر سفن شحن. وعكست هذه الأرقام ضغطا متزامنا على اثنين من أهم الممرات البحرية ومضائق الطاقة في العالم.

أما تحويل مسار السفن المتجهة إلى آسيا حول أفريقيا لتجنب مخاطر العبور عبر باب المندب، فيضيف أكثر من 1.6 مليون دولار إلى كلفة الوقود في الرحلة الواحدة، ويحرم قناة السويس من نحو مليون دولار من رسوم المرور، فضلا عن تأخير وصول الشحنات أربعة أسابيع على الأقل.

يرمي هذا التحرك إلى إعادة توزيع كلفة الصراع على نحو يرفع الأعباء الاقتصادية والجيوسياسية على شريك استراتيجي للولايات المتحدة، ويضاعف الضغط على واشنطن نفسها

تحكم التحرك الحوثي دوافع خارجية وداخلية. فعلى الصعيد الخارجي، يسعى الحوثيون إلى تعزيز الموقع التفاوضي لـ"الحرس الثوري" الإيراني عبر تعطيل البديل الإقليمي الرئيس لمضيق هرمز، وإظهار أن طهران ما زالت تحتفظ بخيارات تصعيدية شديدة التأثير.

أما في الداخل، فيحاول الحوثيون استعادة أوراق الضغط على الرياض، وتصدير أزماتهم الداخلية عبر صرف الأنظار عن تصاعد الاحتقان الشعبي والحراك القبلي، في ظل القمع، والعجز عن دفع الرواتب، وتدهور الخدمات، واتساع رقعة الجوع والفقر. كما يسعون إلى انتزاع مزيد من التنازلات، رهانا على أن سياسة الاسترضاء في مواجهة الإكراه قد تنجح مرة أخرى.

ومن خلال محاولة تعطيل الموانئ السعودية على البحر الأحمر، بما فيها خط أنابيب شرق-غرب، وهو البديل الإقليمي الرئيس لمضيق هرمز وينقل أكثر من أربعة ملايين برميل يوميا، عند مستوى يزيد بنحو 400 في المئة على ما كان عليه قبل الأزمة، إلى جانب تهديد نحو 7.4 مليون برميل يوميا من التدفقات النفطية العابرة لباب المندب، يوسع الحوثيون الآثار البنيوية للتصعيد الإيراني الأفقي، وينقلونها بالوكالة من هرمز إلى باب المندب.

 أ.ف.ب
سفينة راسية عند مضيق باب المندب في البحر الأحمر قبالة الساحل اليمني، بعد أن أعلن الحوثيون حصارا بحريا على السعودية، جنوب غربي تعز، اليمن، في 24 يوليو 2026

ويرمي هذا التحرك إلى إعادة توزيع كلفة الصراع على نحو يرفع الأعباء الاقتصادية والجيوسياسية على شريك استراتيجي للولايات المتحدة، ويضاعف الضغط على واشنطن نفسها. كما يهدف إلى إنهاك الإرادة السياسية والعسكرية الأميركية لمواصلة الحرب، ودفع الولايات المتحدة إلى التعايش مع الهيمنة الإيرانية على مضيق هرمز، وإعادة النظر في نهجها القسري تجاه طهران.

التصعيد الذي كان آتيا

في تحليل نشره مركز ستيمسون مطلع مارس/آذار، رأى الكاتب أن دخول الحوثيين الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل كان "مسألة وقت"، وأشار إلى احتمال شنهم هجمات على الملاحة في البحر الأحمر ضمن مسار مرحلي، بالتنسيق مع "الحرس الثوري" الإيراني، و"استنادا إلى التطورات الإقليمية"، وفق ما صرح به عبد الملك الحوثي علنا.

وفي منتصف يونيو/حزيران 2026، قال قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الإيراني، إسماعيل قاآني، إن "المحور" سيفرض "حزاما أمنيا" يمتد من هرمز إلى باب المندب. ولإدراك منطق التصعيد الراهن على نحو أدق، لا بد من العودة إلى سلوك الحوثيين خلال العام السابق.

فقد نفذ الحوثيون، بالتنسيق مع إيران، ضربات صاروخية مشتركة ومحسوبة ضد إسرائيل خلال حرب الأيام الاثني عشر في منتصف يونيو/حزيران 2025، واتبعوا النهج نفسه خلال وقف إطلاق النار في يونيو/حزيران 2026. لكنهم أظهروا خلال حرب الأربعين يوما قدرا من ضبط النفس المنسق، واكتفوا منذ 28 مارس/آذار بعدد محدود جدا من الهجمات على إسرائيل. وحكم هذا السلوك ثلاثة اعتبارات.

أولا، كانت طهران تملك أوراق ضغط واضحة من خلال استراتيجيتها الرامية إلى تعظيم الكلفة وإعادة توزيعها عبر مضيق هرمز، إلى جانب هجمات عابرة للحدود استهدفت 12 دولة، وشملت منشآت حيوية للطاقة وبنية تحتية مدنية في الخليج.

ثانيا، تصدرت الميليشيات العراقية والقوات التابعة لـ"الحرس الثوري" والمتمركزة في المنطقة جبهة الإسناد التي أقامها المحور، وأطلقت أكثر من ألف طائرة مسيرة على أهداف في معظم أنحاء الخليج. ويختلف ذلك عن الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025، حين قاد الحوثيون التصعيد في البحر الأحمر.

لم تنشأ الحملة "الحوثية" فجأة أو من فراغ. فقد تعاقبت خطابات العداء للسعودية، والاستعدادات العسكرية، والدعم الإيراني العلني، والتوجيه الاستراتيجي الصادر عن "الحرس الثوري"، لتصوغ مسارا تصعيديا متدرجا ومدروسا

وفي هذا السياق، نفذت عناصر تابعة لـ"الحرس الثوري" في اليمن، بحسب مصدرين إقليميين، ضربات سرية على مواقع داخل السعودية في مارس/آذار 2025، من بينها ينبع وقاعدة الأمير سلطان الجوية.

ثالثا، كان استمرار أزمة تشمل مضيقي هرمز وباب المندب معا سيرفع خطر سوء التقدير الاستراتيجي، ويستدعي ردا دوليا أوسع، ويستهلك ورقة ضغط شديدة التأثير كان يمكن الاحتفاظ بها لجولة أشد من الحرب أو لبيئة استراتيجية متغيرة.

وسرعان ما ظهرت بوادر التصدع في مذكرة التفاهم التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران في يونيو/حزيران. ولم يكن ذلك مستغربا في ظل الخلافات حول تسلسل الخطوات، وتعارض الأولويات، وتناقض تفسيرات الاتفاق.

ولاستعادة قدرتها على الإكراه وتأكيد سيطرتها الفعلية على مضيق هرمز، عادت إيران إلى استهداف السفن التجارية وعدد من الدول العربية. وبعد أن أعادت واشنطن فرض حصارها ردا على الحصار الإيراني لمضيق هرمز، ومع اشتداد القيود على تجارة الطاقة الإيرانية وقدرة الأسواق على التكيف، تراجعت قدرة "الحرس الثوري" على الانفراد باستخدام هرمز ورقة ضغط. وعندئذ برزت الحاجة إلى تفعيل ورقة البحر الأحمر بحذر.

رويترز
سفن في مضيق هرمز، كما تبدو من محافظة مسندم في عُمان، في 3 أغسطس 2026

وبمعزل عن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، كان الحوثيون قد أثبتوا قدرتهم على إحداث اضطراب استراتيجي في 12 في المئة من تجارة النفط العالمية و20 في المئة من حركة الحاويات الدولية العابرة للبحر الأحمر. وقد فعلوا ذلك بين عامي 2023 و2025 تحت شعارات "دعم غزة".

وأدرك الحوثيون منذ زمن أن المجال البحري الجيوستراتيجي لليمن، المطل على البحرين الأحمر والعربي، يمنحهم ورقة قوية يمكن تسليحها واستخدامها للضغط على القوى الإقليمية والدولية.

وقد لا يملكون القدرة على إغلاق باب المندب إغلاقا كاملا، لكنهم لا يحتاجون إلى ذلك. فرفع مستوى الخطر والغموض وكلفة العبور يكفي لإرباك انتظام التجارة، من خلال هجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ والألغام والقوارب غير المأهولة.

وبعد مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الأزمة، لم تستعد حركة الملاحة في البحر الأحمر مستوياتها السابقة.

حدود السردية الحوثية

لم تنشأ الحملة الحوثية فجأة أو من فراغ. فقد تعاقبت خطابات العداء للسعودية، والاستعدادات العسكرية، والدعم الإيراني العلني، والتوجيه الاستراتيجي الصادر عن "الحرس الثوري"، لتصوغ مسارا تصعيديا متدرجا ومدروسا.

وفي 25 يونيو/حزيران، تعهد زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بـ"كسر الحصار"، وجدد حملة التعبئة الشعبية. وفي الوقت نفسه، ندد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، بمحاولة إيران استغلال رحلة شركة "ماهان إير" رقم (IRM-1199)، تحت ستار نقل وفد حوثي إلى طهران لحضور جنازة علي خامنئي، لتهريب خبراء تابعين للحرس الثوري في الصواريخ والطائرات المسيرة، إلى جانب أسلحة ومعدات للحرب الإلكترونية، وإنشاء جسر جوي بين طهران وصنعاء.

يمضي الحوثيون في تطبيق استراتيجية إكراه تدريجية توسع نطاق الضغط، خطوة تلو أخرى، ليشمل الخدمات اللوجستية البحرية وقطاع الطاقة والمجال العسكري

وحذر العليمي من اتخاذ إجراءات فورية إزاء أي انتهاك لحظر الأسلحة المفروض بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2216، أو أي مساس بالمجال الجوي اليمني وسيادة البلاد.

وبعد وقت قصير، ظهر محمد علي رضائي، مبعوث "الحرس الثوري" لدى الحوثيين، في صنعاء عقب رحلة 3 يوليو/تموز. وأفادت وكالة "رويترز" لاحقا بوصول ما بين عشرة وواحد وعشرين من قادة "الحرس الثوري" و"حزب الله" ومستشاريهما، إلى جانب دعم مالي في صورة ذهب، بعد تحويل مسار الرحلة من صنعاء إلى الحديدة.

وقبل ساعات من تهديد عبد الملك الحوثي، في 16 يوليو/تموز، بضرب الموانئ السعودية ومنشآت الطاقة، كانت طهران قد طلبت، بحسب تقارير، من الحوثيين الاستعداد لتعطيل التجارة في البحر الأحمر إذا استهدفت الولايات المتحدة البنية التحتية الإيرانية لتوليد الكهرباء. كما أعادت نشر تعزيزات عسكرية إضافية في اليمن للإشراف على العمليات.

ولـ"الحرس الثوري" تمثيل قائم بالفعل داخل المجلس الجهادي الحوثي، أعلى هيئة لصنع القرار في الجماعة. وتوفر الأدلة المتاحة، بدءا من التوافق الاستراتيجي ووصولا إلى عقيدة التصعيد الحوثية القائمة على شعار "مطار بمطار، وميناء بميناء، وحصار بحصار"، إطارا يفسر الحظر البحري اللاحق، والهجمات على إمدادات الطاقة البحرية المرتبطة بالسعودية، والضربات التي استهدفت منشآت "أرامكو" على امتداد ساحل البحر الأحمر.

ويكشف تسلسل التصعيد عن تفعيل حملة إكراه مرحلية يدعمها "الحرس الثوري"، وتربط جبهة الحوثيين في البحر الأحمر بالحرب الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران، وبمنظومة الردع الإقليمية التي بنتها طهران. وفي الوقت نفسه، يستدعي التهديد الحوثي للتجارة الدولية والسلم والأمن معالجة مستقلة واستراتيجية خاصة للتعامل معه.

ويمضي الحوثيون في تطبيق استراتيجية إكراه تدريجية توسع نطاق الضغط، خطوة تلو أخرى، ليشمل الخدمات اللوجستية البحرية وقطاع الطاقة والمجال العسكري. ويتسق هذا المسار مع سلوكهم السابق، ويخدم سعيهم إلى ترسيخ سردية حرب مباشرة بين السعودية والحوثيين، على حساب حقيقة الصراع اليمني القائم بين الحكومة وجماعة جهادية متمردة.

تفكيك ذريعة الحصار والاستجابات الأولية

تستند الذريعة الحوثية القائلة إن "الحصار" يبرر التصعيد ضد السعودية إلى أساس واقعي واهن. فبحسب البيانات المتاحة، دخلت أكثر من 300 سفينة تجارية موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، محملة بالوقود والغذاء ومواد البناء.

أما اضطراب الرحلات من مطار صنعاء وإليه، فيعود أساسا إلى ممارسات الحوثيين أنفسهم، بدءا من الاستيلاء على أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية، ووصولا إلى شن هجمات عابرة للحدود على إسرائيل، ردت عليها الأخيرة بضرب بنية تحتية يمنية حيوية ودمرت الطائرات الأربع في هجومين منفصلين.

يمكن فهم التهديد الحوثي على أنه تفعيل لجبهة البحر الأحمر بدعم من "الحرس الثوري"، وفي خدمة أهداف حوثية واضحة

وما كان ينبغي لإسرائيل أن تدمر البنية التحتية العائدة إلى الشعب اليمني. غير أن الحوثيين واصلوا استغلال الخسائر الناجمة عن أفعالهم في التعبئة والتحشيد والتجنيد، وتعميق التلقين العقائدي في صفوف مزيد من المقاتلين.

وفي أعقاب إعلان الحظر الحوثي، اتخذت سلسلة من الخطوات المتدرجة، بالتوازي مع تعزيز التنسيق اليمني السعودي. فعلى الصعيد الداخلي، أعلن الرئيس العليمي الاستئناف الفوري لصادرات النفط بعد قرابة أربعة أعوام من الحرب الاقتصادية الحوثية، وهي خطوة سبق للمتمردين أن عدوها إعلان حرب خلال محادثات غير معلنة.

وكانت هجمات الحوثيين بالطائرات المسيرة على ميناءي الضبة والنشيمة في أكتوبر/تشرين الأول 2022 قد أوقفت صادرات الحكومة من النفط الخام، وحرمتها أكثر من ستة مليارات دولار، بعد توقف تصدير نحو 70 ألف برميل يوميا كانت تدر أكثر من نصف إيرادات الدولة.

من جهتها، أعلنت القوات المشتركة للتحالف العربي اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية الملاحة السعودية وأمن البحر الأحمر، ونفذت ضربات على مواقع حوثية في الحديدة ومأرب وحجة والجوف والضالع، عقب الهجمات التي استهدفت أبها وينبع وجازان.

أرامكو السعودية / أ. ف.ب
صورة وزعتها عملاق الطاقة أرامكو السعودية، شركة النفط السعودية، تُظهر مشغلا في منطقة تثبيت المكثفات بمصنع حرض للغاز، في 29 يناير 2011

وجدد المجتمع الدولي دعمه للإجراءات التي اتخذتها الحكومتان السعودية واليمنية، وأدان التهديدات الحوثية للسعودية وحرية الملاحة وأمن البحر الأحمر. ثم استضافت السعودية اجتماعا لتشكيل تحالف بحري يتصدى للتهديدات الحوثية في البحر الأحمر، فيما عززت الحكومة اليمنية جاهزيتها العسكرية، وكشفت للمرة الأولى عن إدخال الطائرات المسيرة ضمن قدراتها.

حسابات الأطراف المعنية

تضع الحملة الراهنة المنطقة داخل قوس متسع من الضغوط، يمتد من الحوثيين جنوبا إلى الميليشيات العراقية شمالا، وصولا إلى النظام الذي يقوده "الحرس الثوري" في طهران شرقا. ولا يرقى هذا الوضع إلى تطويق جغرافي. لكنه قد يسعى، عبر التصعيد على جبهات متعددة، إلى تضييق هامش الخيارات الاستراتيجية أمام السعودية.

وتسعى إيران، على وجه الخصوص، إلى مد نفوذها القسري من هرمز إلى باب المندب، وتهديد ممر التصدير بين الشرق والغرب، وهو البديل الخليجي الرئيس لمضيق هرمز، وتقويض الثقة بالملاحة في البحر الأحمر، ورفع كلفة المواجهة مع واشنطن.

أما الحوثيون، فيلاحقون أهدافا خاصة تكمل أهداف إيران من دون أن تذوب فيها. فهم يسعون إلى محاصرة السعودية عبر الحظر البحري، وإعادة تأطير الصراع على أنه حرب سعودية-حوثية، بدلا من نزاع يمني مسلح بين حكومة وجماعة جهادية متمردة.

كما يطمحون إلى فرض قواعد اشتباك جديدة، وانتزاع تنازلات اقتصادية وسياسية إضافية، سواء عبر مفاوضات مباشرة أو ضمن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران. وتشمل أهدافهم أيضا ترسيخ الانطباع بأن دول الخليج عرضة للحرب غير المتكافئة، وصرف الأنظار عن الضغوط الداخلية المتصاعدة.

وهكذا تواجه الرياض معضلة أمنية غير متكافئة على جبهات عدة وعلى المدى البعيد، وينطبق الأمر نفسه على التجارة البحرية العابرة لباب المندب. فالتساهل مع حملة الضغط الثلاثية ينطوي على خطر تطبيع التهديد الحوثي لأمن التجارة البحرية السعودية، وحركة الملاحة في البحر الأحمر، وأمن اليمن.

أما التصعيد العسكري، فقد يعيد فتح أبواب حرب شاملة أمضت المملكة سنوات في محاولة الخروج منها، في وقت تتعرض فيه أصولها ومنشآتها في قطاع الطاقة، شرقا وغربا، لتهديدات استراتيجية.

وبات المجتمع الدولي يدرك بصورة متزايدة أن التحديات الأمنية في اليمن لم تعد محصورة داخل البلاد، ولا تقتصر إقليميا على أمن الخليج وحده

ويبدو أن النهج السابق بلغ مداه. فالتهديد الحوثي يضع السعودية أمام خيارات باهظة الكلفة. وكلما عالجت المملكة هذه المعضلة بجدية ومصداقية أكبر، ومن منظور طويل الأجل، ازدادت قدرتها على حماية طموحاتها الاستراتيجية ورؤيتها للازدهار الإقليمي.

من جهتها، رفعت الحكومة اليمنية مستوى استعدادها العسكري، وعززت التنسيق مع شريكها الاستراتيجي السعودي. وتنظر السعودية واليمن في جميع السيناريوهات، بما فيها احتمال اندلاع حرب جديدة بفعل عودة الحوثيين إلى استخدام التهديد الخارجي لمعالجة اختلالات موازين القوى في الداخل اليمني، وهي اختلالات امتدت آثارها إلى الأمن الإقليمي وحركة الملاحة عبر باب المندب.

وبات المجتمع الدولي يدرك بصورة متزايدة أن التحديات الأمنية في اليمن لم تعد محصورة داخل البلاد، ولا تقتصر إقليميا على أمن الخليج وحده. فقد غدت مرتبطة بأزمتين بحريتين في مضيقين استراتيجيين، بما يفاقم الضغوط البنيوية على أسواق الطاقة العالمية، وتمويل الصراعات غير المشروع، والتهديدات العابرة للحدود.

وقد سبقت هذه الأخطار الأزمة الراهنة في هرمز، ويمكن أن تتكرر حتى في غياب أزمة جديدة فيه.

وتعزز أربع آليات بعضها بعضا. أولها الغموض التجاري، الذي يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها ويرفع الكلفة الإجمالية للنقل البحري.

وثانيها المنع العسكري الانتقائي، الذي يزيد تعرض السفن للخطر عند اقترابها من الموانئ، ويكشف منشآت الطاقة أمام الهجمات.

وثالثها تقاطع أنشطة جماعات جهادية سنية وشيعية، من بينها الحوثيون و"حركة الشباب" و"تنظيم الدولة الإسلامية" في الصومال وشبكات القرصنة، بما يوسع نطاق الهجمات البحرية ويتيح لمن يقف وراءها قدرا من الإنكار المعقول.

أما الآلية الرابعة فهي الإكراه السياسي، الذي يحول الاضطراب الاستراتيجي إلى نفوذ تفاوضي وورقة ضغط.

المرحلة المقبلة

في ظل الاختناق القائم في مضيق هرمز، وتراجع قيمته كورقة إكراه استراتيجية لطهران تحت وطأة الحصار الأميركي، يمكن فهم التهديد الحوثي على أنه تفعيل لجبهة البحر الأحمر بدعم من "الحرس الثوري"، وفي خدمة أهداف حوثية واضحة.

وقد تتطور هذه الحملة على مراحل، على غرار اضطرابات البحر الأحمر بين عامي 2023 و2025، حين بدأ الحوثيون بالقول إنهم يستهدفون السفن "المرتبطة بإسرائيل" وحدها.

وبحسب الأولويات العملياتية، قد يسعون إلى إعادة فرض رسوم مرور، وإحياء ترتيبات ثنائية لتنسيق العبور مع دول من بينها الصين وروسيا، ومنح إعفاءات انتقائية لسفن بعينها، مع استهداف سفن أخرى بحسب مقتضيات العمليات.

في غياب مسار واضح لخفض التصعيد، يتوقع استمرار الهجمات الانتقائية، والإعفاءات الممنوحة لسفن محددة، وتسارع تحويل مسارات الشحن، بما في ذلك عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد

وقد أثبت الحوثيون مجددا قدرتهم على تهديد النظام والأمن في اليمن، كما فعلوا على مدى أكثر من عقدين، وتعطيل الخدمات اللوجستية البحرية ومنشآت الطاقة في السعودية، ورفع مستوى المخاطر التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر، وتهديد حرية العبور حول مضيق باب المندب.

ومع اتساع نطاق الهجمات، يرجح أن يواصل الحوثيون والميليشيات العراقية، بصورة تدريجية ومتبادلة، استهداف السفن والموانئ ومنشآت الطاقة السعودية، بهدف تعظيم الاضطراب وزيادة الضغط على الولايات المتحدة في المدى القصير.

وفي غياب مسار واضح لخفض التصعيد، يتوقع استمرار الهجمات الانتقائية، والإعفاءات الممنوحة لسفن محددة، وتسارع تحويل مسارات الشحن، بما في ذلك عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد.

وفي ضوء الخطاب "الحوثي" الراهن وطبيعة الانتشار العسكري، قد يختار "الحوثيون" إبقاء السعودية تحت ضغط متواصل لترسيخ سرديتهم عن حرب سعودية-حوثية، وتهميش حقيقة الصراع بين الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية، مع الاستناد إلى مطالب محلية مضطربة وغير متماسكة.

وإذا تجدد التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، فقد يزداد احتمال نشوء أزمة أشد اضطرابا تشمل مضيقين في آن واحد. ويقتضي ذلك وضع استراتيجية تتعامل مع التهديدات الحوثية في ذاتها، لا على أنها امتداد ثانوي للحرب بين واشنطن وطهران، لا سيما أن سجل الحوثيين يثبت قدرتهم على تهديد الملاحة الإقليمية بمعزل عن التطورات في هرمز.

ولم يعد السؤال المطروح يدور حول قدرة الحوثيين على إغلاق مضيق باب المندب. فالسؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الجماعة الجهادية ستواصل استخدام اليمن منصة لإطلاق الهجمات، وتحويل التهديدات العابرة للحدود إلى إحجام تجاري عن استخدام الممر، ودفع شركات الشحن إلى تقييد عملياتها، وتقويض الثقة بالممر السعودي البديل عبر البحر الأحمر، وفرض أكلاف طويلة الأمد على البنية التحتية والمسار البحري اللذين صمما لتجاوز أزمة في مضيق هرمز.

font change

مقالات ذات صلة