ممارسات الحوثيين... ليست مجرد اعتداء عابر

توقيت التصعيد يتجاوز حدود الحسابات المحلية

رويترز/المجلة
رويترز/المجلة

ممارسات الحوثيين... ليست مجرد اعتداء عابر

لا يمكن قراءة الاعتداءات التي تشنها جماعة الحوثي على الأراضي السعودية، وهي اعتداءات سافرة ومدانة عربيا وإسلاميا ودوليا، بوصفها حدثا يمنيا معزولا عن سياقه.

فتزامنها مع جملة ضغوط دولية تتعرض لها المملكة العربية السعودية يفتح الباب أمام قراءة أوسع لما يُحاك ضد دولة لم تزل تمثل الصخرة الصلبة في حماية ورعاية مختلف قضايا الشرق الأوسط، فهي الأقوى عربيا في المنطقة، وهي الأكثر وضوحا في تحديد شروط علاقتها بإسرائيل المدعومة بقوة من الإدارة الأميركية، إذ اعتذرت القيادة السعودية في أكثر من موقف عن الدخول في الاتفاقيات الإبراهيمية قبل إقرار الحكومة الإسرائيلية لحل الدولتين.

هذا الموقف لم يكن مُريحا ولا مقبولا في بعض أروقة السياسة اليمينية الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة، وحتما لم يكن مُرضيا لحكومة إسرائيل التي تعتقد أن في إمكانها تحقيق السلام مع كل المنطقة دون الحاجة إلى حل القضية الفلسطينية. ولعل ذلك كان ممكنا لولا وقوف المملكة في وجه هذا الحلم بشكل قانوني، ووفقا للحق العربي الذي نصت عليه المبادرة العربية للسلام الصادرة عن قمة بيروت عام 2002، وهي مرجعية تجعل الموقف السعودي التزاما مؤسسا على قرار عربي جماعي، لا مناورة تفاوضية قابلة للمساومة تحت الضغط.

من هنا يمكن قراءة ما يحدث حاليا من تجدد الحرب في اليمن، لا بوصفه امتدادا لصراع داخلي فحسب، بل باعتبار وظيفته الإقليمية أيضا: إشغال الحكومة السعودية ومحاولة فاشلة لوقف مشروعاتها التنموية. ولا يعني ذلك إغفال الدوافع الذاتية لجماعة الحوثي، من تثبيت سلطتها الواهية وتوسيع مواردها وإعادة إنتاج شرعيتها بالحرب، غير أن توقيت التصعيد واتجاهه نحو العمق السعودي يتجاوزان حدود الحسابات المحلية.

من هنا يمكن قراءة ما يحدث حاليا من تجدد الحرب في اليمن، لا بوصفه امتدادا لصراع داخلي فحسب، بل باعتبار وظيفته الإقليمية أيضا

ويزداد ذلك وضوحا في تريّث الإدارة الأميركية عن الانخراط ونأيها بنفسها عن الأمر، وكأنها تربط تفعيل الشراكة الأمنية مع الرياض بقبول المملكة للاتفاقيات الإبراهيمية، وهو مطلب إسرائيلي تريد تحقيقه بالتي واللّتيا، وتدرك أن موافقة السعودية عليه ستكون له نتائجه المهمة لها على الصعيدين المنظور والمستقبلي.

على أن إشكال المملكة لا ينتهي عند الموقف الإسرائيلي بغطاء أميركي، بل يمتد إلى بعض الدول الإقليمية التي تستفيد من إشغالها في حرب فوضوية مع جماعات غير رسمية، كما هو الحاصل مع جماعة الحوثي في اليمن، ومع عدد من فصائل "الحشد الشعبي" في العراق. ومردّ استفادة هذه الدول، عربية كانت أو أعجمية، إلى سببين: أولهما أن تنامي قوة المملكة ورجاحة ميزانها إقليميا ودوليا يُضيّقان هوامش النفوذ التقليدية لتلك الأطراف، وثانيهما أن إضعاف الاقتصاد السعودي وتعطيل مشاريعه التنموية يعيدان ترتيب موازين المنطقة لصالحها. وهي في جوهرها حسابات نفوذ قبل أن تكون خصومة معلنة، ولذلك يصعب التعاطي معها بمنطق حسن الجوار وحده.

أمام ما سبق، يمكن القول إن المملكة العربية السعودية تتعرض حاليا لاستهداف واسع، القصد منه إضعاف مقدراتها الاقتصادية، بهدف إدخالها في قائمة الدول الضعيفة والمستضعفة أسوة بكثير من الدول العربية، وهو استكمال لمخاض ما يُسمى "الشرق الأوسط الجديد".

أ.ف.ب
تُظهر صورة ملتقطة من الساحل اليمني جنوب غرب مدينة تعز سفنا راسية في مضيق باب المندب، بالبحر الأحمر، في 24 يوليو 2026.

وفي يقيني أن هدفهم سيخيب، لا استنادا إلى التمني، بل إلى معطيات ثلاثة: أن المملكة ليست من الدول الهشة أو الضعيفة اقتصاديا، وأن قدرتها العسكرية كافية لحماية أرضها وحدودها، وأنها قوية في جانبها الاجتماعي المرتبط بعلاقات وثيقة بقيادته السياسية، وهو أمر لم يحدث من قبل في إطار شبه الجزيرة العربية، حيث لم تتوحد أركانها كمثل ما هي عليه الآن، إذ يمتزج ساكن الهفوف والدمام وغيرهما من البلدات والقرى شرقا، بساكن جدة وينبع وغيرهما من البلدات والقرى غربا، وكذلك الحال شمالا وجنوبا، وكلها تنصهر في الوسط حيث الرياض عاصمة كل الوطن، ومستقر كل إرادة، وموئل كل قرار وطني وعربي وإقليمي.

وفي هذا السياق، وأمام ما تتعرض له السعودية من اعتداءات مرفوضة من قبل جماعة الحوثي تحديدا، برزت أصوات كثيرة في محيطنا مشككة ببنود ومرتكزات "اتفاق مكة" المنعقد بين السعودية وتركيا وباكستان، بحجة أن الدولتين الشريكتين في الاتفاق لم تُسرعا للدفاع عن المملكة.

وفي هذا التشكيك خلط بين وظيفتين مختلفتين: فالاتفاق لم يُعقد ليكون قوة رد فعل على كل خرق حدودي، وهو ما تنهض به القوة العسكرية السعودية القادرة على حماية أرضها ومواجهة هذه الاعتداءات وغيرها، بل استهدف موقفا أكبر من ذلك، يقوم على دعم دول الحلف وتأييدها لكل القرارات والعمليات الحربية التي تنفذها القوات السعودية في سبيل صد الهجمات وردع المعتدي، وعلى رفع كلفة أي مواجهة أوسع في حسابات من يفكر في خوضها.

الاتفاق لم يُعقد ليكون قوة رد فعل على كل خرق حدودي، وهو ما تنهض به القوة العسكرية السعودية القادرة على حماية أرضها ومواجهة هذه الاعتداءات وغيرها، بل استهدف موقفا أكبر من ذلك

ويبقى أن مآل هذا المسار سيتضح من ثلاثة مؤشرات: مدى التزام واشنطن بتفعيل شراكتها الأمنية مع الرياض بمعزل عن ملف التطبيع، ومدى قدرة جماعة الحوثي على تحمّل كلفة تصعيد مفتوح في الداخل اليمني، ومدى تحوّل "اتفاق مكة" من إطار سياسي إلى ترتيبات دفاعية عاملة. وإلى أن تتضح هذه المؤشرات، يظل الثابت أن المملكة تتعامل مع ضغط مركّب متعدد المصادر، لا مع اعتداء عابر على حدودها.

font change

مقالات ذات صلة