الجزائر تخوض معركة الانتقال إلى "اقتصاد القدرة"

هل ينجح اقتصادها في فك الارتباط بالنفط والتحول نحو الإنتاج؟

رويترز
رويترز
صورة جوية لحاويات البضائع في ميناء العاصمة الجزائر، 24 أغسطس 2022

الجزائر تخوض معركة الانتقال إلى "اقتصاد القدرة"

يسجل الاقتصاد الجزائري معدلات نمو قوية تقدر بنحو 3.8 في المائة لعام 2026، مدفوعا بديناميكية الاستثمار العام النشط والانتعاش الملموس في القطاعات غير النفطية، حسب أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي، الصادر في 21 سبتمبر/أيلول 2026. لكن هذه الواجهة الإيجابية للنمو تتقاطع مع تحذيرات موضوعية أثارها صندوق النقد الدولي، إذ يواجه النموذج الاقتصادي الحالي تحدي الاستدامة في ظل عجز مالي يناهز 9.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ومنحى تصاعدي للدين الحكومي الذي يتوقع أن ينتقل من 53.2 في المائة في 2026 ليصل إلى 79 في المائة عام 2031. في المقابل تشير التقديرات إلى تراجع احتياطات النقد الأجنبي من 46.5 مليار دولار إلى 19.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها وهو انخفاض يقارب 61 في المائة في غضون ست سنوات.

أمام هذه الأرقام المتقاطعة، تفرض التوازنات الهيكلية للاقتصاد الجزائري طرح مجموعة من التساؤلات المفصلية التي تبحث عن إجابات منها: هل تستطيع الجزائر شراء مزيد من الوقت بالاعتماد على الطفرات المؤقتة لأسعار المحروقات، أم أن هذه العائدات أصبحت تخفي خلف بريقها التكلفة الحقيقية لنموذج إنفاق عام أصبحت استدامته على المحك؟ وإلى أي مدى يتحرك قطار التنويع الاقتصادي بالسرعة اللازمة من أجل تعويض استنزاف المدخرات السيادية؟ وإلى أي مدى يستطيع القطاع الخاص غير النفطي أن يتحول من مستهلك للإنفاق العام إلى محرك للنمو؟

واشتمل تقرير مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 مع الجزائر على مجموعة من القضايا بما فيها من إيجابيات تستدعي التثمين، وتوصيات يمكن الاستفادة منها أو البناء على بدائلها في ترشيد الإصلاحات الجارية.

يكتمل المشهد الضاغط مع عودة التضخم إلى الارتفاع، بعدما انتقل مؤشر أسعار المستهلكين من انكماش سنوي بلغ 2 في المئة في سبتمبر/أيلول 2025 إلى تضخم بنسبة 5.2 في المئة في أبريل/نيسان 2026، قبل أن يصل إلى 8.6 في المئة في مايو/أيار، مدفوعا بانتهاء انكماش أسعار الغذاء والارتفاع الحاد في أسعار المجوهرات والذهب

صندوق النقد الدولي

وفي مقدمة هذه الجوانب الإيجابية، سجل الصندوق نموا حقيقيا في إجمالي الناتج المحلي من 3.7 في المئة لعام 2024 إلى 3.9 في المئة لعام 2025، وسط توقعات باستمرار هذا الزخم عند 3.8 لعام 2026، مدفوعا بحيوية لافتة للقطاع غير النفطي الذي نما إلى 4.3 في المئة في 2025 وتوقع بلوغه 4 في المئة في 2026.

في سياق متصل تتجه التوازنات المالية للبلاد نحو مزيد من الاستقرار بفضل طفرة أسعار الطاقة المؤقتة، حيث توقع التقرير ارتفاع ارتفاع متوسط سعر النفط الخام الجزائري إلى 92.6 دولارا للبرميل في 2026، مقارنة بنحو 69.4 دولارا في 2025. سيسهم ذلك بشكل مباشر في تقليص عجز الحساب الجاري بصورة حادة ليتراجع إلى 1.9 في المائة من الناتج المحلي، مقارنة بـ 8.9 في المائة المسجلة في عام 2025.

انكماش الاحتياطات الرسمية

في موازاة هذه الآفاق الإيجابية، تبرز في التقرير مؤشرات ضاغطة على التوازنات الخارجية والمالية، إذ عرفت الوضعية الخارجية تراجعا في عام 2025 انخفض على إثره الرصيد الخارجي والاحتياطات الدولية مدفوعا بزيادة الواردات وانكماش صادرات الطاقة.

في هذا السياق توقع صندوق النقد الدولي أن "تهوى احتياطات الجزائر من النقد الأجنبي خلال السنوات الست المقبلة، لتتراجع من 51 مليار دولار في 2025 إلى 19.8 مليار في 2031، ووفقا للتقديرات التفصيلية للصندوق، فإن هذا المسار التنازلي للاحتياطات سيتوزع تدريجيا ليبلغ 46.5 مليار دولار في 2026، ثم 41 مليار في 2027 و 33.4 مليار في 2028، لتواصل انخفاضها إلى 27.8 مليار في 2029 و23.5 مليار في 2030 قبل أن تستقر عند سقف 19.8 مليار دولار عام 2031 وهو ما يعد انخفاضا حادا يقارب 61 في المائة في غضون ست سنوات.

ويشير الصندوق في المقابل إلى أن العجز في الحساب التجاري اتسع بشكل ملحوظ سنة 2025 نتيجة ارتفاع الواردات وتراجع صادرات المحروقات، وهو ما انعكس مباشرة على الاحتياطات الخارجية، محذرا من أن استمرار العجوزات الخارجية يمكن أن يؤدي إلى مزيد من استنزاف هذه الاحتياطات على المدى المتوسط.

رويترز
حقل حاسي الرمل، أكبر حقل للغاز المسال في الجزائر، 16 أكتوبر 2018

وأمام هذه الضغوط، يدعو صندوق النقد الدولي إلى زيادة مرونة سعر صرف الدينار الجزائري، معتبرا أن ذلك من شأنه تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، والحد من اختلال سعر الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية. وتبرز أهمية هذه التوصية في ظل اتساع علاوة سعر الصرف في السوق الموازية إلى نحو 80 في المائة في أبريل/نيسان 2026، مقارنة بمتوسط بلغ 68 في المائة في عام 2024، و84 في المائة في نهاية 2025. ويعيد هذا التفاوت طرح تساؤلات حول استدامة نظام الصرف الحالي وقدرته على تلبية الطلب على العملات الأجنبية عبر القنوات الرسمية.

يكتمل المشهد الضاغط مع عودة التضخم إلى الارتفاع، بعدما انتقل مؤشر أسعار المستهلكين من انكماش سنوي بلغ 2 في المائة في سبتمبر/أيلول 2025 إلى تضخم بنسبة 5.2 في المائة في أبريل/نيسان 2026، قبل أن يصل إلى 8.6 في المائة في مايو/أيار، مدفوعا بانتهاء انكماش أسعار الغذاء والارتفاع الحاد في أسعار المجوهرات والذهب، وفق صندوق النقد الدولي.

فخ "الطفرة الريعية المؤقتة"

تتطلب الإجابة عن هذه التساؤلات الجوهرية تجاوز القراءة التقليدية للمؤشرات الإحصائية نحو تفكيك أعمق لبنية النموذج التنموي. ويؤكد في هذا السياق المهندس والسياسي الجزائري عبد العالي حساني شريف أن "امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة القدرة على تركيبها داخل منظومة اقتصادية منتجة للقوة، مستدامة وقابلة للتطور، وهنا تقع المعضلات الأساس للاقتصاد الجزائري التي تمنع الصعود نحو التحول المستدام".

لا تزال محركات النمو الراهنة رهينة قنوات الإنفاق الحكومي المتضخم والقطاع العمومي التقليدي، وهي قنوات تفتقر في طبيعتها إلى المُرونة الإنتاجية

عبد العالي حساني شريف، مهندس وسياسي جزائري

وفي قراءته للمؤشرات الحالية، يرى عبد العالي حساني أن "تسجيل نمو بنسبة 3.8 في المائة لعام 2026، مدفوعا بارتفاع أسعار برميل النفط لا يعكس تعافيا هيكليا بقدر ما يمثل طفرة ريعية مؤقتة". ويقول إن "فجوة القدرة تظهر بوضوح عندما يعجز هذا النمو النفطي القوي عن حماية موازنتنا من العجز المالي وهو دليل قاطع على أن كفاءة تحويل عوائد المحروقات المرتفعة إلى تراكم مالي مستدام لا تزال غائبة حاليا".

ومن هذه الزاوية التحليلية، يذهب المتحدث إلى تفكيك الاختلال الهيكلي الذي يعيب الاقتصاد الجزائري، إذ يرى أن "العبرة لم تعد تكمن في رصد مؤشرات النمو الكمية، بل في اختبار نوعية هذا النمو وقدرته الذاتية على الاستدامة وتوليد شروط بقائه". 

وفي سياق هذا التقييم، يشير شريف إلى أن "محركات النمو الراهنة لا تزال رهينة قنوات الإنفاق الحكومي المتضخم والقطاع العمومي التقليدي، وهي قنوات تفتقر في طبيعتها إلى المرونة الإنتاجية." ويشرح أنه "بناء على هذا المنظور، فإن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لأي تدفق استثماري لا تقاس بضخامة الأرقام المرصودة وإنما بمعايير الكفاءة التي يفرزها مثل حجم القيمة المُضافة والقدرة على توطين التكنولوجيا واختراق الأسواق التصديرية، وهي مقاربة تعيد تعريف التنويع الاقتصادي المنشود بحيث لا يصبح مجرد استنساخ صوري لأنشطة ومجالات متعددة، بل أداة بنيوية لتوسيع قاعدة الإنتاج وتأمين الدخل القومي، بما يضمن تقليص درجة انكشاف الدولة وهشاشتها أمام الصدمات الارتدادية لأسواق النفط والغاز العالمية".

التنويع الحتمي كمعادلة لتأمين الدخل

تتقاطع هذه المقاربة بشكل وثيق مع الأطروحة التي يقدمها الدكتور شين خثير الإبراهيمي، أستاذ جامعي جزائري وخبير إقتصادي، التي تسلط الضوء على عامل "الوقت" في المعادلة الريعية. ويقول في حديثه الى "المجلة" إن "ارتفاع أسعار المحروقات يمكن أن يمنح الجزائر هامشا زمنيا وماليا إضافيا، غير أنه لا يمثل حلا معزولا لمشكلة الاستدامة المالية".

رويترز
أنابيب تنقل الغاز الطبيعي من الجزائر إلى إسبانيا، في ألمريا، 10 يونيو 2022

ويحذر المتحدث من فخ "الإيرادات المؤقتة"، إذ يرى أنها "وإن كانت تسمح للدولة بتمويل جزء حيوي من الإنفاق والاستثمار والحفاظ على مستويات معينة من النشاط الاقتصادي، إلا أن طبيعتها المتقلبة تجعل من الخطورة بمكان تحويل الارتفاعات الظرفية في الأسواق إلى أساس دائم لتوسيع النفقات الثابتة".

ويوضح الإبراهيمي أن "المشكلة الأساس ليست في الإنفاق العمومي كأداة – بحكم أن الدولة تظل لاعبا رئيسا في صوغ الاقتصاد الجزائري- وإنما في بنية هذا الإنفاق ومردوديته. فعندما تتجه الموارد الاستثنائية نحو استثمارات ترفع الإنتاجية، وتطور البنية التحتية، وتحسن اللوجستيات، وتدعم الصناعة والرقمنة والتكوين، فإنها تتحول بالضرورة إلى استثمار حقيقي في القدرة المستقبلية للاقتصاد، أما عندما تستخدم الإيرادات الإضافية أساسا لتمويل نفقات جارية متزايدة، فإن الطفرة الارتدادية لأسعار المحروقات تتحول من فرصة بناء إلى مجرد وسيلة لتأجيل الضغوط الهيكلية عوضا من معالجتها".

إن الجزائر لن تستطيع بناء اقتصاد أقل اعتمادا على المحروقات إذا ظل قطاعها الخاص رهين الطلب العمومي والأنشطة التجارية ذات القيمة المضافة المحدودة. وبناء على هذا المنظور، يصبح المطلوب إجرائيا هو الانتقال من نمط "ملاحقة الإنفاق الحكومي" إلى "صناعة الأسواق والثروة"

شين خثير، دكتور وخبير اقتصادي

ويرى خثير أن "التنويع الاقتصادي" في الجزائر لم يعد مجرد خيار مؤجل، لكنه غدا ضرورة حتمية ترتبط مباشرة باستدامة النموذج التنموي. فرغم الحركية المرصودة لتطوير مجالات الصناعة، الفلاحة، التعدين، والسياحة، والخدمات الرقمية، يبقى المحك الحقيقي حسب خيثر كائنا في مدى قدرة هذه القطاعات على التحول إلى رافعات ذات وزن وازن في الناتج المحلي، وسوق التشغيل، ومعادلة التصدير.

ويؤكد الخبير أن التنويع المنشود ينبع من القدرة على خلق قيمة مضافة مستقلة تماما عن مظلة الإنفاق العمومي، لتصبح قادرة على توليد النقد الأجنبي، وتأمين سلاسل التوريد المحلية، واختراق الأسواق الدولية بمنتجات تنافسية لا تكتفي بحدود السوق الداخلية.

رويترز
موظف يعمل في مصنع رينو بمدينة وهران غرب العاصمة الجزائرية الجزائر، 10 نوفمبر 2024

وفي الاتجاه ذاته، ينتقل خيثر إلى تفكيك الحلقة الأكثر حساسية في عملية التحول الهيكلي، والمتعلقة بمدى قدرة القطاع الخاص غير النفطي على التحول من مستهلك للإنفاق العام إلى محرك حقيقي للنمو. ويرى أن الجزائر لن تستطيع بناء اقتصاد أقل اعتمادا على المحروقات إذا ظل قطاعها الخاص رهين الطلب العمومي والأنشطة التجارية ذات القيمة المضافة المحدودة. وبناء على هذا المنظور، يصبح المطلوب إجرائيا هو الانتقال من نمط "ملاحقة الإنفاق الحكومي" إلى "صناعة الأسواق والثروة"، عبر تحفيز المؤسسات على الاستثمار في الإنتاج، والتكنولوجيا، والبحث والتطوير، والتصدير، وربطها بسلاسل القيمة الوطنية والدولية، مع خلق بيئة تنظيمية تضمن توسع المؤسسات الناجحة واستدامتها.

وتفرض هذه الانعطافة، حسب خيثر، إعادة تعريف جذرية للعلاقة بين الدولة والقطاع الخاص. فالمسألة لا تتعلق بانسحاب الدولة من المشهد الاقتصادي، وإنما بتغيير طبيعة تدخلها من "ممول ومشتٍ رئيس" إلى "منظم للسوق"، ومطور للبنية التحتية، وميسر للتمويل، وضامن للمنافسة وتكافؤ الفرص، مقابل تحمل القطاع الخاص مسؤولياته في الابتكار والرفع من معدلات الإنتاجية والتصدير. ويشدد على أن العبرة لا تكمن في الحجم العددي للمؤسسات، بل بكفاءتها النوعية. فمؤسسة صناعية أو تكنولوجية أو فلاحية تصديرية مرتبطة بالتصنيع واللوجستيات تساهم في فك الارتباط بالريع النفطي بصورة أكبر بكثير من نشاط تجاري يقتصر على إعادة توزيع السلع المستوردة.

في نهاية المطاف، يتضح أن الرهان الجزائري يتجاوز وفرة الموارد ليرتبط بجذرية تحويلها إلى روافع إنتاجية للمستقبل. وفي وقت تؤمّن فيه طفرة المحروقات شبكة أمان وفترة انتقالية حاسمة، وتتولى الدولة قيادة مسار التحول، تبقى استدامة النمو معلقة على مدى نضوج قطاع خاص حقيقي، يصنع القيمة، ويحرك الصادرات، ويقود قاطرة النمو بعيدا من تقلبات السوق النفطية.

font change

مقالات ذات صلة