المسلحون البلوش في إيران... الحقوق القومية والمظالم الطائفية

تتهم طهران إسلام آباد بتقديم الدعم العسكري واللوجستي لهم

أ ف ب
أ ف ب
رجل ينتمي إلى الشعب البلوشي في إيران يقود دراجة هوائية في زاهدان، الواقعة في محافظة سيستان وبلوشستان (جنوب شرق إيران) والمتاخمة لأفغانستان، وذلك في 18 ديسمبر 2025

المسلحون البلوش في إيران... الحقوق القومية والمظالم الطائفية

شنت الفصائل المسلحة البلوشية خلال الأسابيع القليلة الماضية أكثر من 15 هجوماً ضد قوات الجيش و"الحرس الثوري" الإيراني، نُفذت في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي البلاد، تبنتها "جبهة المقاومة الشعبية"، وهو تحالف تشكل في أواخر العام المنصرم، من عدد من الجماعات والفصائل البلوشية المسلحة، مثل "جيش العدل" و"حركة بادا بلوش" و"جيش النصر".

الأحداث الساخنة دفعت المتابعين والمهتمين بالشأن الإيراني للاعتقاد بأن المناطق ذات الأغلبية البلوشية من البلاد قد تشهد توترات شديدة خلال الأشهر المقبلة. فمناطق البلوش، الذين تقدر التخمينات غير الرسمية تعدادهم بين 3-5 ملايين نسمة، ويدينون بالإسلام وفق المذهب السُني، تُعتبر الأكثر تعرضاً للضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية والإدارية على مستوى البلاد. إذ تلفت منشورات الأحزاب السياسية وكتابات النُخب البلوشية المعارضة إلى سياسات تمييزية "قاسية للغاية" تُمارس ضدهم، لأسباب قومية ومذهبية وأيديولوجية، حتى دفع اليأس الكثير من أبنائهم للانخراط في التنظيمات المسلحة المناهضة للنظام الحاكم جذرياً.

كفاح مسلح وتنظيمات متعددة

تعود جذور المعارضة البلوشية في إيران إلى سنوات تأسيس الدولة الإيرانية الحديثة، فأبناء الشعب البلوشي كانوا يعبرون عن استيائهم من هيكل الدولة المركزية، عبر أنظمة سياسية كانت تتناوب في تبني العقائد القومية والطائفية. لكن المعارضة البلوشية خلال العقود الماضية كانت مبلورة على شكل أحزاب سياسية وفعاليات ثقافية، تشيّد أيديولوجيتها على أسس مدنية وسلمية ذات بُعد مناطقي، ولم تتحول إلى معارضة مسلحة بشكل واضح إلا في أوائل القرن الحادي والعشرين. وبعضها التي كانت موجودة كانت قبائلية ومناطقية بداية القرن، أو يسارية ثورية مؤقتة في أواسط القرن العشرين.

في العام 2003، ظهرت جماعة "جند الله"، كتنظيم بلوشي مسلح، بزعامة عبد الملك ريجي. كان خطاب التنظيم يستند إلى المظلومية القومية والاجتماعية والمناطقية البلوشية بشكل غير مباشر، إذ كانت دعايته العسكرية تركز على "مطالب أبناء الطائفة السُنية"، في المناطق البلوشية وعموم إيران. كان المراقبون قد ربطوا ظهور التنظيم وقتئذ بتصاعد الصراعات الطائفية في عموم المنطقة، عقب حربي أفغانستان والعراق.

تشبه القضية البلوشية في إيران نظيرتها الكردية، فهي ذات أبعاد قومية وطائفية ومناطقية وثقافية، وتتقاسمها عدة دول على المستوى الأوسع

وتمكن التنظيم من جذب المئات من الشبان البلوش، لكن التقديرات بشأن تحديد هوية الجماعة تراوحت بين تصنيفها كجماعة مناضلة في سبيل حقوق قومية وطائفية ومناطقية مسلوبة، وبين اعتباره تنظيماً متطرفاً، ينفذ أعمالاً بحق المدنيين على أسس طائفية. فالجماعة فجرت "مسجد أمير المؤمنين" (الشيعي) في محافظة زاهدان، وأوقعت عشرات الضحايا المدنيين، ثم تبنت هجمات انتحارية في منطقة بيشين. ومثلها الكثير من الهجمات الأخرى.

باعتقال الأجهزة الأمنية الإيرانية لزعيم الجماعة، عبد الملك ريجي، في أوائل العام 2010، وإعدامه بعد شهور قليلة، تلقى التنظيم "ضربة قاصمة"، قالت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية وقتئذ إنها إعلان لـ"نهاية التنظيم". حيث إن ريجي كان الزعيم المؤسس، الذي يجمع "القوة التنظيمية" بـ"الكاريزما" و"العلاقات المحلية والإقليمية"، كما تؤكد نشرات الجماعة الدعائية عنه.  

رويترز
عناصر من الشرطة الإيرانية لمكافحة المخدرات يستعرضون مهاراتهم في استخدام الأسلحة خلال حفل اختتام مناورات لمكافحة المخدرات في زاهدان، الواقعة على بعد 1605 كيلومترات (1003 أميال) جنوب شرق طهران، في 20 مايو 2009

لكن تنظيماً جديداً تحت اسم "جيش العدل" ظهر كخليفة للتنظيم الأول، بعد شهور قليلة من إعدام ريجي، وكانت نزعاته الطائفية والمناطقية أكثر وضوحاً. يُرجعها المراقبون إلى الفرق بين ريجي وزعيم الفصيل الجديد، صلاح الدين فاروقي، القادم من بيئة بلوشية شعبية مغمورة. كما أن نوعية الهجمات المتتالية التي شنها عناصر التنظيم الجديد أثبتت تلقيهم لتدريب نوعي أكثر حرفية مما كان عليه "جند الله". فالتقارير الأمنية الإيرانية تقول إن علاقة هذا التنظيم بالأجهزة الاستخبارية الباكستانية واضحة للغاية، وهو يتخذ المناطق الحدودية مع باكستان كملجأ لهم عقب شن الهجمات في الداخل الإيراني.

وفي أوائل العام 2014 تعرض "جيش العدل" لانشقاق داخلي، قاده شقيق زعيم "جند الله"، عبد الرؤوف ريجي، الذي اغتيل في باكستان بعد شهور قليلة، لكن تنظيمه بقي محافظاً على بعض عناصره، واستمر في شن الهجمات على النقاط الحدودية للجيش و"الحرس الثوري" الإيراني. في وقت بقي "جيش العدل" ينشر بيانات عن عودة مقاتلي التنظيم المنشق إلى صفوفه. 

أ ف ب
جندي باكستاني يقف حارساً عند معبر تفتان الحدودي بين باكستان وإيران، في مقاطعة بلوشستان، 1 مارس 2026، وذلك في أعقاب وفاة المرشد الإيراني علي خامنئي، وفي ظل ضربات أميركية-إسرائيلية

بسبب الانتقادات الشديدة التي وُجهت للتنظيمات البلوشية المسلحة، حتى من ضمن البيئة الاجتماعية والثقافية البلوشية، التي أعلنت بوضوح مناهضتها للأعمال التي تستهدف المدنيين على أسس طائفية، تشكلت "حركة بادا بلوش" في العام 2017، لكنها لم تتبنَ أي أعمال مسلحة، وإن كانت ذات علاقة وثيقة مع مختلف التنظيمات المسلحة، حتى إنها شكلت معهم "جبهة المقاومة الشعبية" أواخر العام المنصرم. الجبهة لم تعد تستهدف المدنيين، وتركز على مواجهة "الحرس الثوري" ومراكز الجيش الإيراني، ولا تطالب بالانفصال عن إيران بشكل واضح. 

تعقيد جيوسياسي

تشبه القضية البلوشية في إيران نظيرتها الكردية، فهي ذات أبعاد قومية وطائفية ومناطقية وثقافية، وتتقاسمها عدة دول على المستوى الأوسع. فإيران تتهم باكستان بتقديم الدعم العسكري واللوجستي للفصائل المسلحة البلوشية الإيرانية. لكن باكستان بدورها تتهم إيران بإيواء قيادات ومركز التحكم والدعم المالي لحركات بلوشية/باكستانية، مثل "جيش تحرير بلوشستان" و"جبهة تحرير بلوشستان"، اللتين وإن كانتا ذات هوية أيديولوجية "علمانية"، لكنها تطالب بإقرار الحقوق القومية والمناطقية لقرابة 8-10 ملايين بلوشي باكستاني. التنظيمان البلوشيان الباكستانيان يتهمان الجماعات البلوشية الإيرانية بالتبعية للأجهزة الاستخباراتية والنظام السياسي الباكستاني، والعكس صحيح. ما يخلق صراعات شديدة ضمن البيئة البلوشية المتداخلة في البلدين.

النشاطات المسلحة للتنظيمات البلوشية في إيران تتداخل مع أعمال تنظيمات أكثر تطرفاً، مثل "تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان" و"حركة طالبان باكستان"


كذلك فإن النشاطات المسلحة للتنظيمات البلوشية في إيران تتداخل مع أعمال تنظيمات أكثر تطرفاً، مثل "تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان" و"حركة طالبان باكستان"، التي تجمع الأجهزة الأمنية الإيرانية والباكستانية على وجود صلات تنظيمية بينها وبين الجماعات البلوشية الأخرى، مثلما كانت التنظيمات المسلحة السابقة كـ"حرس تحرير بلوشستان"، و"الجيش الجمهوري البلوشي"، و"الجيش القومي البلوشي"، تستفيد من دعم الحركات الثورية اليسارية في أواسط القرن المنصرم. تتوسع الدعاية الباكستانية والإيرانية المضادة للتنظيمات البلوشية لتتهمها بالتبعية للأجهزة الاستخبارية العالمية، بسبب تركيز عملياتها على المصالح والشركات الصينية الناشطة في باكستان وإيران، لإعاقة مشاريع مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، لصالح مراكز عالمية أخرى.

رويترز
أسلحة صودرت من جماعة "جند الله" السنیة المسلحة المعارضة للنظام الإيراني تُعرض في زاهدان، على بعد 1076 كيلومتراً جنوب شرق طهران، في 25 آب 2009

متطلبات مستقبلية

منذ بداية أحداث الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن عدداً من المثقفين والكتاب والساسة والشخصيات البلوشية الإيرانية، خصوصاً من المنفيين خارج البلاد، صاروا يطلقون نداءات إلى الأحزاب والتنظيمات المسلحة البلوشية، تطالبها بالاستعداد لإمكانية دخول إيران مرحلة من التحولات الدراماتيكية، التي قد تصل درجة إعادة صياغة النظام السياسي في البلاد كاملاً، ما قد يسمح بظهور البلوش سياسياً في البلاد. 

تتمركز تلك الدعوات حول ضرورة الاستفادة من تجارب القوميات الإيرانية المشابهة، الكردية والأذرية والعربية واللورية، وتجنب أخطاءها. فهذه الشعوب خاضت مواجهات تاريخية دامية ضد الدولة، ولأنها كانت ذات طابع جذري/انفصالي، ولم تحظَ بأي قبول من القواعد الاجتماعية الأوسع في البلاد.

في سبيل ذلك، تدعو النداءات التنظيمات المسلحة لرفض استهداف المدنيين أو تبني أيديولوجيا متطرفة وعدمية، متأتية من المشاعر والحساسيات الطائفية، وإعادة موضعة القضية البلوشية ضمن السياق الكلي في إيران، وخلق تفاهمات مع القوى السياسية الإيرانية الأخرى، وعلى رأسها قوى الجماعات العرقية والدينية المضطهدة.

ثمة من يُريد إقناع الملايين من البلوش الإيرانيين بأن المسألة من جهة هي التهميش الاقتصادي وقلة الخدمات وفرط المركزية الإدارية في البلاد، ومن جهة أخرى التنظيمات المسلحة البلوشية المتطرفة


في نفس السياق، فإن مثقفين ومنظمات بلوشية في الخارج تدعو إلى الحذر من أي برامج سياسية وعسكرية أميركية غير موثوقة، قائمة على أساس تسليح الجماعات البلوشية لخوض حرب ضد النظام الإيراني، لأن ذلك سيدفع النظام لخلق شرخ وطني عميق، على أساس الصراع القومي. ويذكرون بأحداث السنوات الماضية، حينما قتل النظام المئات من المحتجين المدنيين البلوش عقب مظاهرات العام 2022، لكن الدعاية الرسمية كانت توحي بأن الأمر دفاع عن وحدة الدولة الإيرانية وهويتها، القومية الفارسية والمذهبية الشيعية. 

أ ف ب
تُظهر هذه اللقطة، المأخوذة من مقطع فيديو صوره مستخدمون ونُشر في 25 نوفمبر 2022، نساء بلوش خلال مسيرة حاملاتٍ لافتاتٍ مناهضة للنظام في مدينة زاهدان بمحافظة سيستان وبلوشستان في إيران

جذر المسألة

يرفض الناشط المدني البلوشي سعدي كوهرام ما يسميه التشخيص الملطف للقضية البلوشية، الذي تشترك فيه الأطراف المعتدلة من النظام الحاكم مع قوى المعارضة الإيرانية، وتحاول تصديره للبلوش في الداخل، ويضيف كوهرام في حديث مع "المجلة": "ثمة من يُريد إقناع الملايين من البلوش الإيرانيين بأن المسألة من جهة هي التهميش الاقتصادي وقلة الخدمات وفرط المركزية الإدارية في البلاد، ومن جهة أخرى التنظيمات المسلحة البلوشية المتطرفة، التي تنشط على أسس طائفية، وتستخدم العنف ضد المدنيين. هذان الطرحان، وإن كانا صحيحين من حيث الوقائع، فإنهما نتيجتان لسبب أولي ودائم، متعلق بجذر المسألة البلوشية في إيران، الذي هو نكران الدولة الإيرانية لوجود شعب عريق على أرضه التاريخية". 

يتابع كوهرام حديثه مع "المجلة" مضيفاً: "بغض النظر عن بعض خطابات الأخوّة والوحدة الوطنية التي يطلقها الحكام المحليون، فإن الدستور والقانون العام والأنظمة التنفيذية تتصرف وكأنه ليس من شعب ذي خصوصية قومية ودينية ومناطقية اسمه الشعب البلوشي، بل تحاول جاهدة تفكيك ما يجمعه من أواصر، وتمنعه من التعبير عن هويته وخصوصيته، وممارسة أقصى درجات الضغوط الأمنية والاقتصادية عليه. ببساطة لأن الأنظمة الحاكمة بقيت تشكك به، وتعتبره مادة أولية ودائمة لمعارضة الدولة القائمة على المركزية القومية والدينية الطائفية. كان ذلك هو الأساس الذي نشأت منه كل القضايا الأخرى، التهميش الاقتصادي وتطرف الجماعات المسلحة والتدهور البيئي والإهمال التنموي والإقصاء السياسي، وكل شيء آخر. ومن دون حل ذلك وفق نظام سياسي جديد، فإن المسألة البلوشية ستبقى حية في البلاد".

font change