دماء تحت راية واحدة... المواجهة "الفكرية" تحتدم بين "داعش" و"القاعدة" في أفريقيا

تحولت إلى حرب استنزاف مستمرة حول الحدود الثلاثية بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مقاتلون من "حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا" في باحة مركز الشرطة الإسلامية بمدينة غاو شمال شرق مالي، 16 يوليو 2012

دماء تحت راية واحدة... المواجهة "الفكرية" تحتدم بين "داعش" و"القاعدة" في أفريقيا

تحول صراع النفوذ بين "داعش" و"القاعدة"، وتضارب المصالح التنظيمية والشخصية، والتنافس على فرض البيعة، واحتكار تمثيل المشروع الجهادي، والسيطرة على طرق الإمداد ومناطق التجنيد والموارد المالية، إلى معارك منهجية وفكرية دموية يسقط فيها المئات من القتلى، وبرز هذا بصورة واضحة في منطقة الساحل الأفريقي، خصوصًا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. ثم القرن الأفريقي الذي شهد مواجهات محتدمة بين الطرفين.

ومؤخرا تحدثت تقارير محلية نشرت في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن معارك شهدها قطاع تيسيت المالي يوم 9 أكتوبر، قرب الحدود البوركينية. وادعى تنظيم الدولة قتل 400 من مقاتلي "النصرة"، بينهم قياديون، وتدمير 300 دراجة نارية، والاستيلاء على مركبة وأكثر من 460 سلاحا رشاشا و13 قاذفة صواريخ و104 دراجات. وفي المقابل، هناك رواية مضادة عن مقتل أكثر من 200 على يد "نصرة الإسلام"، بينهم خمسة قياديين.

الحرب أولا ثم الفكر

اتخذ الصراع في أفريقيا أشكالا متعددة، تتداخل فيها الانقسامات الفكرية مع حسابات البقاء والتوسع وإعادة توزيع القوة داخل التنظيمات المسلحة. وتوالى طرح المعالم الأيديولوجية بين الطرفين في المنتديات وصفحات التواصل والوكالات الإعلامية، وتم نشر التباينات وكتابات التكفير بين الطرفين.

لا يمر أسبوع تقريبا إلا وتتحدث وسيلة إعلامية من منصات "داعش" المركزية، أو الفرعية عن تكفير من لم يبايع التنظيم، وتكفير من يستخرج جواز سفر أو يحمل هوية، وإخراج الموظفين بالعموم من الإسلام بغير تفصيل، وتكفير من يطلب الشفاعة من الاستشهادي ونعت الاستشهادي الذي تطلب منه الشفاعة بالطاغوت، بل وإخراج جملة من علماء المسلمين من الأموات والأحياء من الملة، وكل هذا بسبب عدم مبايعتهم لتنظيم "داعش".

ابتداءً فإن هناك قاعدة انطلقوا منها جميعاً أن الشريعة الإسلامية غير مطبقة، وأن استبدالها بقوانين وضعية معناه اختيار الكفر على الإيمان، وإنزال هذا الحكم على رؤساء هذه الدول، التي يطلقون عليها: الديار، وهنا يتباين التيار الداعشي في ذلك أيضاً، فمنهم من يكفّر الحكام وأعوانهم، وبعضهم يتوسع فيضع كل الهيئات التابعة للسلطة، أو من يتوسع ليشمل ذلك الشعب كله، وهنا تظهر الطائفة التي تعذر الشعب بالجهل أو التأويل ومن لا يعذر، ومن يحكم على أعوان الحاكم بالكفر والردة ومن يحكم عليه بمفرده، ومن يكفّر الطوائف كالشيعة على العموم ومن يكفر رؤساءهم فقط، ومن يقبل توبة المرتد ومن لا يقبلها.

بالاطلاع على التغريدات الأخيرة، وصفحات نشرة "النبأ" الأسبوعية، يتبين أن كلا من الفريقين "القاعدة" و"داعش" مستغرقان في فكرة السيطرة على مدينة نائية وإعلانها إمارة إسلامية بحجة الحفاظ على ثمرة "الجهاد"، وتنفيذ التفجيرات العشوائية بحجة عالمية "الجهاد"، وإلغاء ضوابط التترس والعمليات الانتحارية، لكن الأهم هو عدم الحصانة لمجرد الانتماء لـ"القاعدة" والتعصب للأسماء والولاء لها، بل وتكفير القادة مثل سيف العدل أو زعيم "حركة الشباب" و"النصرة" أو غيرهم لأنهم حاربوا التنظيم.

أ.ف.ب
دخان يتصاعد فوق مبانٍ في العاصمة المالية باماكو، قرب نصب برج أفريقيا، غداة هجمات منسقة شنها متمردو الطوارق وجماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" واستهدفت مناطق في مالي، 26 أبريل 2026

حرب تكفيرية بلا هوادة

بدأ التمايز الأيديولوجي بين الطرفين عام 2014 حين أصدرت "مؤسسة الفرقان" الإعلامية كلمة صوتية للناطق أبو محمد العدناني حدد فيها إطار المنهج الفكري، وبعدها وقعت المناظرة الشهيرة بين أبي بكر القحطاني وأبي مسلم المصري من جهة، وأبي يزن الشامي القيادي السابق في حركة "أحرار الشام"، وفيها بانت كيفية الحكم على الناس بالولاء والبراء، ومسألة العذر بالجهل والتأويل، وكيف وصفوا بالردة كل من لم ينتم لتنظيمهم. وهنا بدأت علناً تطرح تلك المسائل وهي: العذر بالجهل في مسائل الكفر والشرك، وتكفير العاذر (المتوقف في التكفير)، وحكم المتوقف في تكفير المشركين، وأحكام القاطنين في ديار الكفر الطارئ، وطلب الشفاعة من البشر (أحياء أو أمواتا) هل هو شرك بذاته أم بدعة مفضية للشرك؟

في الفترة التي أعقبت اندلاع الثورة السورية وحتى إعلان الخلافة المكانية لتنظيم "داعش" عام 2014، لم يكن هناك طرح كبير للمسائل الخلافية

وفي الفترة التي أعقبت اندلاع الثورة السورية وحتى إعلان الخلافة المكانية لتنظيم "داعش" عام 2014، لم يكن هناك طرح كبير للمسائل الخلافية، وأهمها بالطبع هي مسألة تكفير العاذر بالجهل، وإطلاق التكفير على عموم الصوفية والشيعة، واعتبار أن الأصل هو الكفر وليس الإيمان. وكان هناك مدرستان، واحدة يمثلها أبو حمزة المهاجر وهي امتداد لقادة "القاعدة" الأوائل، والثانية يمثلها أبو مصعب الزرقاوي، وجاء الحطاب والتونسي، وحسين رضا لاري، وأبو أحمد الداغستاني، وأبو مسلم المصري، وأبو الحوراء الجزائري، وأبو خالد الشرقي، وغيرهم ليكونوا امتداداً لمدرسة أبو مصعب الزرقاوي بكل تفصيلاتها، بل وأفرطوا في المسائل التي طرحها من سبقهم حتى إنهم كفّروا الظواهري لأنه بايع طالبان، وأبو عطية الليبي، وكل الفصائل المتقاتلة بسوريا، ثم أفرطوا بشكل أكبر لأنهم طبّقوا قاعدة الكفر بالتتابع واللوازم، وحكموا بالردة على أبو بكر البغدادي، ومتحدثه الإعلامي أبو محمد العدناني.

وبدأت المعارك والمذابح إذ أمر البغدادي، بقتل أبو أحمد الكويتي، وأيضاً أبو مسلم المصري، وأبو عمر الحطاب، والأخير صاحب كتب "الكواشف الجلية على أن العذر بالجهل عقيدة الأشاعرة والجهمية"، و"الثمر الداني في الرد على الحدوشي والكتاني"، و"مذهب بن تيمية في التكفير"، و"بيعة الأمصار للإمام المختار".

من المهم أن نشير إلى أن "القاعدة" على اعتبار أن مؤسسيه الأوائل مصريون ومنهم أبو عبيدة البنشيرى، وأبو حفص، إضافة إلى بن لادن وسليمان أبو الغيث، فقد كانت أيديولوجيتهم لا تتجاوز تكفير الحاكم وأعوانه على العموم دون تعيين، حتى خرج سيد إمام بتنظيراته التي تجاوزت هذه الحدود، وجاء أعضاء السلفية الجهادية المنتمون لـ"داعش" بتبني نفس الأطروحات التي أهم قاعدة فيها هي أنه لا يجوز الحكم بتعيين الكفر على معين إلا بثبوت شروط وانتفاء موانع، وأن الأصل في القاطنين في ديار الكفر الإيمان، والتوقف في الحكم بالكفر بسبب الموالاة، وعدم التسلسل في أحكام الردة.

بينما أصر "داعش" على تغليف قتاله بالأيديولوجيا، كان "القاعدة" ينتهج طريقا آخر أكثر برغماتية، وهي سياسة استرضاء المجتمعات المحلية، وتكوين الجبهات والتحالفات الداخلية

وبدءاً من عام 2016 جرت أمور داخلية أدت إلى سيطرة تيار تلاميذ المصري حلمي هاشم المكني بـ"شاكر نعم الله" على اللجنة المفوضة، المشكلة من 15 عضواً يديرون التنظيم، وهم أعلى هيئة فيه. وهم يرون أن العذر بالجهل لا يجوز في المعلوم بالدين بالضرورة، وأن الشيعة على العموم مرتدون، كما أن الديمقراطية كفر إلا أن ممارسيها لا يكفرون على العموم، كما يكفرون أعوان الحاكم، والمتوقف في التكفير في المعلوم بالدين بالضرورة.

واتفقت اللجنة المفوضة على تعميم هذه الأفكار وتشكيل لجنة أطلقوا عليها، لجنة الرقابة والتقييم المنهجية، يقودها أمير الإعلام بالتنظيم وهو أبو محمد الفرقان، والغريب أن هذه اللجنة كانت تمتحن عناصر التنظيم في أفكارها كما كان الخوارج الأوائل يفعلون، وقد قتلوا نحو 3 آلاف، وفق ما ورد في كتاب "مذبحة المستتابين".

رويترز
أعضاء "جبهة تحرير أزواد" يشاركون في عرض عسكري بعد يومين من إعلان الجبهة السيطرة على مدينة كيدال شمالي مالي، في 27 أبريل 2026

في هذه الحقبة انفجرت قضية أيديولوجية حول حكم من يتحاكم في بلاد الردة للمحاكم، وأدت القضية إلى صدع كبير، ولم تنه جلسة النقاش بين البنعلي والقحطاني المسألة، وهنا أصدرت اللجنة المفوضة بياناً جاء فيه أنه بعد فترة من متابعة الملف الشرعي بالشام، من قبل الحاج فيصل (أبو محمد الفرقان).

جرت لقاءات كثيرة بين الشرعيين للخلوص ببعض النتائج، في مسائل منها "تجويز التحاكم لمحاكم الطاغوت، والاستشفاع بالأموات"، وصدر البيان بمشاركة كل من أبو زيد العراقي أمير المكتب الشرعي للمعسكرات، وأبو بكر القحطاني، والمكتب المركزي للدواوين الشرعية والآن قاضي الموصل، أبو همام الأثري أمير مكتب البحوث، وأبو مسلم المصري أمير ديوان المظالم، وأبو وليد السيناوي، أمير المكتب الشرعي لديوان الجند، وأوس الجزاراوي، قاضي الأمنيين وقاضي الرقة، وأبو حسن الجزراوي أمير الدعوة والمساجد.

وقد خلصوا إلى اعتبار التكفير أصلا من أصول الدين الظاهرة، وتكفير المتوقف في تكفير المشركين (المنتسبين للإسلام)، وهو ما يعني تكفير كل من توقف في تكفير الجماعات الأخرى.

أما في أفريقيا وتحديدا في دول الساحل وغرب أفريقيا فقد أثاروا المسائل القديمة من جديد، لكي تضمن هذه التصورات والنظريات الفكرية المنهجية فصل الأعضاء المنتمين عن مجتمعاتهم التى يعيشون فيها، وتماسك التنظيم وتكوين عقيدته القتالية تمهيداً للمواجهة مع "القاعدة".

وبينما أصر "داعش" على تغليف قتاله بالأيديولوجيا، كان "القاعدة" ينتهج طريقا آخر أكثر برغماتية، وهي سياسة استرضاء المجتمعات المحلية، وتكوين الجبهات والتحالفات الداخلية، وهي أفكار يؤمن بها عدد كبير من القيادات الآن، وهو ما أوجد صراعاً عميقاً مع جناح "القاعدة" المعولم، بقيادة سيف العدل، ومشايخ التنظيم، مثل أبو قتادة وأبو محمد المقدسي، حول "المظلة القاعدية المعولمة" و"المظلة المحلية".

وحتى عام 2019، تعايش التنظيمان نسبياً في الساحل الأفريقي، لكن بدءاً من عام 2020 وحتى عام 2026 انفجر القتال المسلح بينهما، وتحول إلى حرب استنزاف شاملة ومستمرة، حول الحدود الثلاثية بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وحول الموارد والتمويل وطرق التهريب، ومناطق تعدين الذهب التقليدي، وفرض "الجبايات" والفديات على السكان المحليين والقوافل التجارية لتأمين البقاء المالي، وقد تم تغليف كل ذلك بالأيديولوجيا التكفيرية.

font change

مقالات ذات صلة