الانسحاب الأميركي والتمدد الإيراني... بوابة عودة "داعش"

قد يؤدي إخفاق واشنطن في مواجهة إيران وانسحابها من المنطقة إلى توسع نفوذ طهران، وإحياء التوترات الطائفية، وتهيئة الظروف لعودة "داعش" إلى العراق وسوريا مجدداً

رويترز
رويترز
مدرعة تابعة لـ "قوات سوريا الديمقراطية" خلال المعارك ضد مقاتلي تنظيم "داعش" في الرقة، سوريا، 14 أغسطس 2017

الانسحاب الأميركي والتمدد الإيراني... بوابة عودة "داعش"

مُني تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالهزيمة في معاقله الأساسية في سوريا والعراق. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة سحبت قواتها من البلدين، فإنها، ومعها التحالف الدولي لهزيمة "داعش" وحكومتا العراق وسوريا، لا تزال تمتلك قدرات عسكرية وأمنية كبيرة تتيح لها إبقاء التنظيم تحت السيطرة.

غير أن كثيرا من الظروف التي مهدت لصعود "داعش" السريع قبل اثني عشر عاما لا تزال كامنة، وفي مقدمها وجود قدر من التأييد للحركات الأصولية العنيفة، ورفض العرب السنة الخضوع لسيطرة القوى الشيعية الإيرانية ووكلائها.

ويبدو أن العامل الوحيد المرجح لإحياء هذه الظروف، ومن ثم تنشيط "داعش" مجددا، هو موجة جديدة من التوسع الإيراني في المنطقة، تتزامن مع انسحاب الولايات المتحدة وغياب بديل أمني فعال. وعليه، فإن أي إخفاق للولايات المتحدة وشركائها في الحملة الحالية ضد إيران قد يطلق العنان لطهران ووكلائها، ويفضي، كرد فعل على ذلك، إلى تجدد خطر "داعش".

المشهد الراهن

إذا كان من الممكن إلحاق الهزيمة بحركة تمرد إرهابية تستند إلى عقيدة فكرية، فإن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قد هُزم بالفعل في معاقله الأساسية في سوريا والعراق.

وعلى الرغم من استمرار وجود فلول للتنظيم في البلدين، ولا سيما في سوريا التي يحتفظ فيها بعدد أكبر نسبيا من العناصر وبنية تنظيمية أكثر تماسكا، فإنه لا يشكل حاليا تهديدا كبيرا. ووفق تحليل نشره معهد واشنطن، انخفض عدد هجماته هذا العام في البلدين إلى أقل من خمسين هجوما، مقارنة بآلاف الهجمات سنويا قبل سنوات قليلة. أما نشاط "داعش" خارج العالم العربي، ولا سيما في أفغانستان وأفريقيا، فله ظروف مختلفة إلى حد ما.

ولم يؤد انسحاب القوات الأميركية من سوريا، ثم من العراق مؤخرا، إلى ارتفاع ملحوظ في نشاط التنظيم. ويمتلك البلدان اليوم قوات عسكرية ضخمة اكتسبت خبرة واسعة في محاربة "داعش" وإلحاق الهزيمة به.

ولا يزال التحالف العسكري متعدد الأطراف بقيادة الولايات المتحدة يواصل عملياته، بعد نقل مقر قيادة عملية "العزم الصلب" (OIR) من العراق إلى الأردن. كما يواصل التحالف الدولي الدبلوماسي لهزيمة "داعش"، الذي يضم أكثر من ثمانين دولة ومنظمة، نشاطه المكثف.

رويترز
مقاتلون من تنظيم "داعش" يفقون عند نقطة تفتيش في مدينة الموصل شمالي العراق، 11 يونيو 2014

ولا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بحضور قوي في بغداد في مجالات المساعدة العسكرية والتدريب والتجهيز، على الرغم من انسحابها العسكري. أما التعاون مع سوريا في إطار عملية "العزم الصلب"، فيتخذ طابعا أكثر رسمية. وتملك القوات الأميركية تفويضا من واشنطن لاستهداف العناصر والقيادات البارزة في "داعش" داخل الأراضي السورية، ويُرجح أنها تحظى بموافقة سورية ضمنية وغير رسمية على هذه العمليات.

وقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، التي تتبع لها قيادة عملية "العزم الصلب"، مؤخرا أن "تنظيم الدولة الإسلامية أُضعف إلى حد كبير". لكن هذه الصورة الإيجابية لا تستبعد احتمال عودة "داعش" إلى معاقله السابقة إذا تحققت أسوأ السيناريوهات.

ويكشف تاريخ التنظيم، الذي يشبه طائر الفينيق في نهوضه من الرماد، خطأ الاستهانة بإمكان عودته. فقد نشأ "داعش" من رحم تنظيم "القاعدة في العراق"، الذي كان يُعتقد أنه دُمر، فيما كان تنظيم "القاعدة في العراق" نفسه قد تفرع، خلال عامي 2003 و2004، عن تنظيم "القاعدة" الأم الذي تلقى ضربات قاصمة.

ولا تزال كثير من الظروف التي ساعدت "داعش" على الصعود قائمة حتى اليوم، في حين قد تتراجع قدرة القوى التي نجحت في هزيمته على التصدي له مجددا.

جذور "داعش"

يمثل تنظيم "داعش" وأسلافه أشكالا مشوهة من الحركات الإسلامية التي ظهرت أساسا في أوساط المسلمين السنة، وهذه القلة تؤيد استخدام العنف لفرض فهمها للإسلام، وأقل منها بكثير، وهي أقلية ضئيلة للغاية، من أبدت استعدادا لحمل السلاح من أجل هذه الغاية.

لكن هذه الأقلية الصغيرة، في مجتمعات يبلغ تعداد سكانها مئات الملايين، تستطيع في الظروف المواتية أن تنشئ حركات مسلحة كبيرة.

وفي حالة "داعش"، شملت تلك الظروف عداء متجذرا منذ زمن طويل للوجود الغربي في الشرق الأوسط، سواء تمثل في الأفكار الغربية أم في القوات العسكرية، إلى جانب العداء للدول والمجتمعات الإسلامية التي يُنظر إليها على أنها متساهلة في التزامها بالإسلام وممارسة شعائره.

تكشف الصعوبات التي واجهتها حتى الولايات المتحدة في هزيمة "داعش"، سواء في الموصل ومحيطها أو على امتداد نهر الفرات في سوريا، عن قدرة التنظيم الإرهابي على الصمود

وأعطى "داعش" أهمية خاصة لعامل آخر ورثه عن تنظيم "القاعدة في العراق"، هو العداء للمسلمين الشيعة. وكان هذا العداء غائبا إلى حد كبير عن توجهات أسامة بن لادن والجيل الأول من إرهابيي "القاعدة". والواقع أن إيران تعاونت، بأشكال مختلفة، مع أشخاص مرتبطين بـ"القاعدة"، وقدمت لهم تسهيلات ووفرت الملاذ لبعضهم.

غير أن التاريخ الإسلامي شهد منذ بداياته صراعات بين الجماعات التي تبلورت لاحقا في المذهبين السني والشيعي. وفي هذا السياق، بدأ أبو مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم "القاعدة في العراق"، منذ عام 2004، تحويل أهداف هجماته تدريجيا من القوات الأميركية والقوات الحكومية نحو الشيعة. وبلغ هذا المسار ذروته مع تفجير مسجد سامراء عام 2006، وما أعقبه من اقتتال طائفي بين السنة والشيعة اقترب من حد الحرب الأهلية.

رويترز
أحد أفراد قوات الأمن العراقية يقف في الحراسة بينما يعزف أمين مقداد، عازف الكمان الموصلي الذي عاش تحت حكم تنظيم "داعش" ودمر التنظيم خلالها آلاته الموسيقية، شرقي الموصل، العراق، 19 أبريل 2017

وقد تبنى "داعش"، بقيادة أبي بكر البغدادي، الذي سبق أن انخرط في تنظيم "القاعدة في العراق"، جانبا كبيرا من هذا العداء الحاد للشيعة، ووجد بيئة خصبة لانتشار أفكاره.

فبحلول عام 2012، كان نحو 25 إلى 30 مليون عربي سني يعيشون في المنطقة الممتدة بين بغداد ودمشق يخضعون لحكم رئيس وزراء عراقي شيعي من جهة، ورئيس سوري علوي من جهة أخرى. وكان كلاهما مرتبطا بإيران بدرجات متفاوتة، فيما كان الرئيس السوري بشار الأسد يخوض حربا أهلية ضد قطاعات واسعة من السكان العرب السنة في بلاده.

وتكشف الصعوبات التي واجهتها حتى الولايات المتحدة في هزيمة "داعش"، سواء في الموصل ومحيطها أو على امتداد نهر الفرات في سوريا، عن قدرة التنظيم الإرهابي على الصمود. فقد قادت واشنطن تحالفا دوليا قويا، وقاتلت إلى جانب مئات الآلاف من المقاتلين الأكراد في العراق وسوريا، ومع ذلك واجهت صعوبات كبيرة في إلحاق الهزيمة بالتنظيم.

(وكان "داعش" يخوض في الوقت نفسه معارك ضد الجيش التركي وفصائل مختلفة من المعارضة السورية، فضلا عن جيش الأسد المدعوم من إيران وروسيا ووكلاء طهران).

السيناريوهات المستقبلية

ومع ذلك، فقد مُني "داعش" بهزيمة حاسمة. ومن المستبعد أن تعود سوريا أو العراق أو التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة إلى تجاهل الخطر المحتمل الذي يمثله التنظيم، كما حدث بين عامي 2012 و2014.

لكن الظروف التي شكلت حاضنة للإرهاب في أوساط بعض السنة، والمشار إليها آنفا، لا تزال قائمة. فهناك ميل لدى بعض السنة إلى العنف المتطرف. وفي العراق، تهيمن القوى الشيعية على الدولة، وكثيرا ما تتجاهل مشاركة العرب السنة وشواغلهم. أما إيران، فلا تزال تسعى إلى توسيع نطاق السيطرة الإيرانية والشيعية في العالم العربي، رغم الهزائم الكبيرة التي منيت بها في المنطقة منذ عام 2023.

وفي الظروف الراهنة، ومع يقظة القوى التي تحارب "داعش" وضآلة التأييد الذي يحظى به، من المستبعد أن يتمكن التنظيم من استعادة قوته.

وستحدد القرارات التكتيكية التي يتخذها التنظيم من جهة، والقوى التي تحاربه من جهة أخرى، وفي مقدمتها بغداد ودمشق والقوات المشاركة في عملية "العزم الصلب"، مساره المستقبلي. فقد يبقى تهديدا أمنيا محدود النطاق، عند مستوياته الحالية تقريبا، أو يتحول، مثل تنظيم "القاعدة" في العالم العربي، إلى ذكرى سيئة من الماضي.

لكن "الظروف الراهنة" في الشرق الأوسط قلما تدوم طويلا، وقد تعزز تطورات مختلفة جاذبية "داعش" وتزيد فرص عودته.

رويترز
تجمّع نساء محتجزات في مخيم الهول عقب سيطرة الحكومة السورية عليه إثر انسحاب قوات سوريا الديمقراطية، في الحسكة، سوريا، 21 يناير 2026

ويبدأ السيناريو الأكثر احتمالا وخطورة بنجاح إيران في صراعها مع الولايات المتحدة وشركائها. فمجرد صمود إيران في مواجهة القصف الأميركي والإسرائيلي المكثف والحصار الأميركي كفيل بإعادة خلط أوراق الشرق الأوسط على نحو يبعث على القلق.

وقد يؤدي إخفاق الولايات المتحدة في صراع يفتقر أصلا إلى التأييد الشعبي إلى تصاعد الضغوط السياسية باتجاه انسحاب أميركي واسع النطاق من المنطقة، وتخلي واشنطن عن أي دور أمني فيها، باستثناء الرد على تهديدات وجودية تستهدف الأراضي الأميركية.

في غياب الولايات المتحدة، يُرجح أن تصبح إيران أكثر عدوانية في أنحاء المنطقة، على غرار ما كانت عليه خلال الفترة بين عامي 2000 و2023

وفي غياب الولايات المتحدة، يُرجح أن تصبح إيران أكثر عدوانية في أنحاء المنطقة، على غرار ما كانت عليه خلال الفترة بين عامي 2000 و2023.

ولأسباب متعددة لا يتسع المجال لمناقشتها هنا، من المستبعد أن تتمكن الدول العربية أو الأوروبية من الحلول محل الولايات المتحدة في احتواء إيران. فالمسألة تتجاوز القوة العسكرية إلى القدرة على القيادة و"جمع الأطراف وحشدها"، وهي قدرة لا تستطيع توفيرها سوى واشنطن.

ولدى تركيا تاريخ يمتد أربعمئة عام في حماية حدودها في مواجهة إيران، لكنها أبدت على مدى عقود اهتماما محدودا باحتواء النفوذ الإيراني خارج نطاق جوارها المباشر.

أما إسرائيل، فتتمتع بقدرات هائلة على ردع إيران عن مهاجمة أراضيها، لكن قدرتها محدودة على مد مظلتها الدفاعية لتشمل المنطقة بأسرها، أو تنظيم جهود الدول العربية لتمكينها من الدفاع عن نفسها. وفي ظل تفاقم مشكلاتها مع مختلف أطياف المشهد السياسي الأميركي، وتزايد نفور العالم العربي وتركيا منها بسبب معاملتها للفلسطينيين، تبدو إسرائيل اليوم في وضع غير ملائم لحشد جيرانها في مواجهة أي تهديد إقليمي.

رويترز
أفراد من القوات الخاصة العراقية يشاركون في عملية "الإرادة الصلبة" العسكرية ضد مسلحي تنظيم "داعش" في صحراء الأنبار، العراق، 23 أبريل 2022

وإذا رجحت كفة إيران في أنحاء المنطقة، فيما تقف سلطات الدول التقليدية عاجزة إلى حد كبير عن مواجهتها، فقد تتجه قطاعات من العرب السنة، كما حدث في عامي 2013 و2014، إلى جماعات متطرفة كرست نفسها لمحاربة الشيعة وأثبتت فاعليتها في ذلك، ومن ثم في مواجهة إيران.

وسيكون "داعش" الخيار الأبرز في هذه المنطقة، ولا سيما في العراق وسوريا.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يؤدي نجاح إيران في مواجهة الولايات المتحدة والقوى الإقليمية المعتدلة إلى فتح الباب أمام قوة متطرفة مضادة، تتمثل مرة أخرى في تنظيم "داعش".

ولا يمكن افتراض أن الولايات المتحدة ستعود بالضرورة إلى الانخراط في محاربة "داعش" إذا تحقق هذا السيناريو. فالتنظيم لم يُنظر إليه يوما باعتباره تهديدا وجوديا للولايات المتحدة، على غرار تنظيم "القاعدة". ولم ينخرط الرئيس باراك أوباما في مواجهته بحسم إلا بعدما اقتنع، على مضض، بأن العملية ستكون محدودة الكلفة بالنسبة إلى بلاده.

وفي الختام، لا تبدو عودة "داعش" مرجحة إلا في ظل فوضى إقليمية واسعة النطاق وتعاظم الهيمنة الإيرانية.

ويبدأ الطريق إلى هذا المشهد القاتم بإخفاق الولايات المتحدة وشركائها في ردع إيران خلال الصراع الحالي. وقد يطلق هذا الإخفاق العنان لإيران و"داعش" معا في منطقة تزداد هشاشة.

font change

مقالات ذات صلة