العراق بعد التحالف... عودة "داعش" عبر المناطق الهشةhttps://www.majalla.com/node/333687/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D9%84%D9%81-%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D8%B9%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%B7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%B4%D8%A9
العراق بعد التحالف... عودة "داعش" عبر المناطق الهشة
خاصرة العراق الأمنية
أ.ف.ب
عناصر من "الحشد الشعبي" يقفون للحراسة خلال مراسم تشييع رمزية تكريماً لمن قُتلوا في هجمات أمريكية-إسرائيلية، واحتفاء بانسحاب التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة من العراق، بغداد في 1 أكتوبر 2026
العراق بعد التحالف... عودة "داعش" عبر المناطق الهشة
مع انسحاب قوات التحالف الدولي رسمياً من العراق أواخر شهر سبتمبر/أيلول المنصرم، تصاعدت عمليات تنظيم "داعش" بشكل استثنائي، وقاربت في أسبوعين فقط نصف مجموع عملياته في العام المنصرم. المثير أن أغلب العمليات نُفذت في المساحات الفاصلة بين إقليم كردستان وباقي مناطق العراق، في قوس ممتد على طول شمال محافظات ديالى وكركوك ونينوى "الموصل" العراقية، التي تُسمى في الأدبيات الأمنية والسياسية العراقية بـ"المناطق الهشة". فيما قال مصدر عسكري كردي-عراقي رفيع لـ"المجلة" إن التنسيق بين قوات البيشمركة وباقي أقسام منظومة الأمن العراقية في أعلى مستوياته، بغية التأسيس لنموذج في حفظ الأمن اعتماداً على القدرات الوطنية.
هجمات متتالية
أولى الهجمات حدثت في بلدة بردي "التون كوبري"، على الطريق الواصل بين مدينتي كركوك وأربيل. إذ أعلن جهاز مكافحة الإرهاب العراقي قتل "إرهابي مشتبه به واعتُقل آخر"، كان أحدهما يرتدي حزاماً ناسفاً، ويسعى إلى تفجيره في منطقة مكتظة بالسكان. العملية التي راح ضحيتها عدد من المدنيين، تُعتبر الأولى من نوعها منذ سنوات، من حيث تسرب عناصر التنظيم إلى المدن واستخدامهم أسلوب العمليات الانتحارية.
المناطق "الهشة" هي بالأساس الأراضي المتنازع عليها سياسياً ودستورياً بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، التي حددت المادة 140 من الدستور العراقي آلية تحديد تابعيتها المستقبلية
بعد العملية بأيام قليلة، أعلن جهاز أمن إقليم كردستان "الأسايش" تفكيكه خلية مسلحة مؤلفة من 22 متهماً، مزودين بمئات القطع من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، كانوا يشكلون وحدة محلية تابعة لتنظيم "داعش"، منتشرين في مناطق حلبجة وخورمال وسيروان الحدودية، بين محافظتي السليمانية وديالى، ويسعون لتأسيس "ولاية كردستان" في المناطق الجبلية الوعرة بين المحافظتين. بعد الحادثة بأقل من أسبوع، تعرض فوج للشرطة الاتحادية بالقرب من بلدة الحويجة في محافظة كركوك لهجوم مركّز، استخدم المهاجمون خلاله رشاشات آلية وقناصة. في اليوم التالي، قُتل جندي وضابط في الجيش العراقي برتبة عميد بالقرب من مدينة كركوك، وقعا ضحيتين لعبوة ناسفة زُرعت بالقرب من الطريق، فيما استهدف مهاجمون آخرون دورية أمنية بقنبلة يدوية جنوب المدينة. في اليوم التالي، تعرض اللواء 61 التابع لـ"الحشد الشعبي" لهجوم مكثف بالقرب من قرية البرغلية في قضاء الحويجة.
يُعد ذلك تحولاً نوعياً وعددياً في هجمات التنظيم، التي كانت قد انحسرت بشكل كبير خلال العامين الماضيين. فإحصاءات جهاز مكافحة الإرهاب العراقي تُشير إلى أن التنظيم نفذ 1459 هجوماً في عام 2020، لكنه لم يتمكن في عام 2025 إلا من تنفيذ 16 تفجيراً فحسب. إذ كانت الأجهزة الأمنية في إقليم كردستان وعموم العراق تشن هجمات وحملات اعتقال مكثفة ضد أعضاء التنظيم، تجاوزت 100 عملية خلال العامين الماضيين، بمعدل عملية مخطط لها كل أسبوع، مستفيدة من التقنيات الحديثة وعمليات المراقبة الجوية والميدانية التي كانت تقدمها قوات التحالف الدولي على أرض الواقع، بالذات في المناطق الهشة من المحافظات الثلاث.
مقاتلون من قوات البيشمركة الكردية يتخذون مواقعهم على جبل قره چوخ في قضاء مخمور، على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب أربيل، في إقليم كردستان العراق في 30 سبتمبر 2026
على الرغم من التطمينات التي تقدمها الحكومة والأجهزة الأمنية للسكان المحليين في تلك المناطق، فإن من تواصلت معهم "المجلة" عبّروا عن قلق شديد بشأن ما قد يحدث خلال الأسابيع والشهور القادمة. فعملية تسلل الإرهابيين إلى داخل بلدة بردي، والارتباك الذي أظهرته الأجهزة الأمنية خلال عملية المتابعة، إذ قتلت مدنيين اثنين أثناء العملية، ثم اتهمتهما بالانتماء لتنظيم "داعش"، ثم عاودت التحقيق واعتذرت من ذويهما ووعدت بمعاقبة المتسببين في مقتلهما من عناصرها. كذلك كانت جرأة التنظيم في إعداد مخطط كامل لتأسيس ولاية في المناطق الجبلية، وامتداد عملياته على قوس تجاوز 300 كلم، والإعداد اللوجستي الاحترافي، عبر تحطيم كاميرات المراقبة والتعقب الحرارية قبل تنفيذ الهجمات، كلها كانت عوامل لزيادة مستويات الهواجس المحلية.
ثلاثة عوامل استثنائية
لأسباب سياسية وأمنية وجغرافية محددة، حيوية ومتداخلة، فإن الخبراء والمتابعين للشأن العراقي يتوقعون أن تواجه هذه المناطق مخاطر استثنائية خلال المرحلة المقبلة.
فالمناطق "الهشة" هي بالأساس الأراضي المتنازع عليها سياسياً ودستورياً بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، التي حددت المادة 140 من الدستور العراقي آلية تحديد تابعيتها المستقبلية، عبر مجموعة من الإجراءات الخاصة. تبعاً لذلك، وعلى الرغم من القضاء على تنظيم "داعش" الإرهابي في عام 2017، ظلت خلاياه ناشطة في تلك المناطق، مستفيدة من الخلافات الأمنية بين الإقليم والحكومة الاتحادية في تلك المناطق. إذ لم ينجح التحالف الدولي طوال سنوات كثيرة في خلق آلية توافق سياسي بين الطرفين، لتكون أساساً للتعاون الأمني بينهما. فحتى الألوية المسلحة المشتركة، التي تشكلت من الجيش العراقي وقوات البيشمركة على كامل تلك المساحة، لم تصبح نشطة وقادرة على السيطرة الميدانية المباشرة على المساحات الشاسعة بين الطرفين حتى الآن.
كذلك لأن المنطقة قائمة على تنوع أهلي شديد، قومي وديني وطائفي، هذه الهويات التي تم شحنها وتغذيتها واستغلالها، حتى تحولت إلى حساسيات سياسية وخلقت أشكالاً من الانقسام وسوء الثقة المتبادلة بين السكان المحليين. هذا الظرف الذي تستغله الجماعات المتطرفة عادة، مستفيدة من المظلوميات المتبادلة بين المكونات. إذ يشير الباحثون إلى دور الانقسامات الطائفية في محافظتي ديالى ونينوى (الموصل)، وما يناظرها من صراعات قومية كردية-عربية وتركمانية في محافظة كركوك في خلق بيئة مناسبة لانتشار التنظيمات المتطرفة فيها.
يضاف إلى الأمرين قرب هذه المناطق من الحدود الإيرانية والسورية، ما سمح للأولى بالتدخل الدائم، وللتنظيمات المتطرفة بمحاولة عبور الحدود مع الثانية طوال السنوات الماضية، مستفيدة مما كان يجري في سوريا.
الخيار الوحيد المتاح أمام السلطات العراقية هو إغلاق الملفات التي يمكن أن تستغلها وتستعملها التنظيمات المتطرفة، حتى تكون تنظيمات "عارية" من أي قضية مُدعاة
طوال سنوات 2017-2023 بقيت خلايا تنظيم "داعش" تنفذ أعمالا انتقامية في تلك المناطق، وانتقلت إلى آلية استهداف المتعاونين مع الحكومة وحرق المحاصيل الزراعية وفرض إتاوات على رجال الأعمال في تلك المنطقة، مستفيدة من تلك العوامل.
لكن التنظيم واجه انحساراً متواصلاً، بسبب بقاء القوات الأميركية وتأمينها للمراقبة الجوية والضربات الدقيقة للأوكار وتأمين أحدث أجهزة المراقبة والتعقب لقوات البيشمركة والجيش العراقي. كذلك كان لاندماج الأطراف السياسية السُنية في العملية السياسية في البلاد دور أساسي في حرمان التنظيم من الدعاية ضد الحكومة والسلطات الرسمية في البلاد، على الرغم من عدم تمكن التحالف من إيجاد توافقات سياسية بين بغداد وأربيل.
عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب العراقي يشاركون في التمرين العسكري التكتيكي "القبضة الحديدية" في مطار بغداد الدولي، في 21 يونيو 2023
مصدر في قوات البيشمركة الكردية-العراقية قال في حديث مع "المجلة" إن توجيهات سياسية عليا في البلاد، صدرت لهم وللجيش العراقي والأجهزة الأمنية، تطلب منهم التعاون على أعلى المستويات، والالتزام بأقصى درجات اليقظة والجاهزية، متجاوزين أي خلافات أو حساسيات سياسية. فالتحدي الأساسي راهناً هو إثبات "الجدارة الوطنية" في مواجهة الإرهاب. فالمعلومات المتوافرة تؤكد أن التنظيم الإرهابي سيسعى للاستهداف بغية إثارة الصدمة والرعب خلال الشهور الثلاثة الأولى بعد خروج قوات التحالف الدولي، بالذات في المناطق التي ما تزال تشهد حضوراً لخلاياه. ويُتوقع أن يسعى التنظيم إلى تنفيذ أعمال "جريئة" خلال الأسابيع المقبلة، خصوصاً في داخل المدن، وبهدف زيادة التوترات الأهلية.
إغلاق الملفات
يرى الباحث في الشؤون الأمنية وليد الجليلي أن الخيار الوحيد المتاح أمام السلطات العراقية هو إغلاق الملفات التي يمكن أن تستغلها وتستعملها التنظيمات المتطرفة، حتى تكون تنظيمات "عارية" من أي قضية مُدعاة. الجليلي يُقسمها في حديث مع "المجلة" إلى أربعة ملفات متداخلة فيما بينها، ويتابع: "بقي ملف المناطق المتنازع عليها طوال السنوات الماضية معلقاً، بسبب التدخلات الإقليمية، وإخضاع القوى السياسية العراقية تطبيقات المادة 140 من الدستور للتوافقات السياسية، وهو ملف لم يعد قابلاً للتأجيل، لأنه صار يمس الأمن القومي للدولة العراقية والسلام الاجتماعي داخله. الأمر نفسه ينطبق على آلية السيطرة والتحكم بالحياة اليومية والعامة في المناطق ذات الأغلبية السُنية، الخاضعة عملياً لهيمنة فصائل "الحشد الشعبي". فأحداث عام 2014 لم تجرِ خارج المناخ السياسي الذي كان يسود البلاد وقتئذ، وأية أحداث مستقبلية لن تكون بغير ذلك. فإذا كان انسحاب القوات الأميركية وباقي دول التحالف بمثابة تخلٍ عن العراق، كما يقول الكثير من قادته وساسته الداخليين، فإنه يجب أن يكون مدخلاً لحل معضلاته دون تدخلات خارجية، بالذات مسألة المناطق المتنازع عليها وحق أبناء المناطق السُنية في العيش دون ضغوط أمنية وابتزازات رمزية".
يتابع الجليلي حديثه قائلاً: "كذلك فإن العراق يجب أن يتعامل مع ملف المُعتقلين الأمنيين لديه بكل شفافية. فبالإضافة إلى قرابة 6000 مُعتقل نقلوا من سوريا، ثمة الآلاف من المعتقلين الأمنيين في العراق، وهؤلاء يُعتبرون مصدراً مستداماً للتوتر، لأن أبناء المناطق السُنية يقولون إن الكثير منهم اعتقلوا وحُكموا لأسباب طائفية، فأناس كثيرون لم ينخرطوا أو يساهموا أو يسهلوا أي أعمال إرهابية، ومع ذلك تمت إدانتهم قضائياً. وإلى جانب الأمرين، فإن السلطات العراقية يجب أن تطلب من الولايات المتحدة مساعدة لوجستية مستدامة، وعبر اتفاقية واضحة المعالم، فمراقبة المناطق المتوترة عبر الأقمار الاصطناعية وتقديم التكنولوجيا الأمنية والتدريب عليها، لا يحتاج إلى حضور عسكري كثيف ومستدام، بل إلى تعاون وثيق بين الأطراف صاحبة المصلحة المشتركة. أخيراً، فإن القوى السياسية العراقية يجب أن ترفض بقاء بلادها بمثابة ملعب للصراعات الإقليمية والدولية، فالإرهاب الذي اجتاح العراق خلال السنوات الماضية كان نتيجة لتفكك بنيته السياسية الداخلية، وسيبقى قابلاً لذلك ما لم تُشيَّد ركائز استقلال مجاله السياسي داخلياً".