تمدد "داعش" في الساحل... تهديد حقيقي أم تحذير سابق لأوانه؟

يمكن أن تحوّل الاضطرابات السياسية المنطقة إلى أرضية خصبة للتنظيم

AFP
AFP
مقاتلون من جماعة "غاتيا" المحلية و"حركة تحرير أزواد" الموالية للحكومة، يتجمعون خارج مقرهم في بلدة ميناكا، شمال شرق مالي، في 21 نوفمبر 2020

تمدد "داعش" في الساحل... تهديد حقيقي أم تحذير سابق لأوانه؟

إذا ساد الاعتقاد بأنه قد تم القضاء على تنظيم "داعش" في سوريا والعراق، فإن "التوترات التي تعيشها القارة السمراء، لا سيما في منطقة الساحل الأفريقي، يمكن أن تحوّلها إلى أرضية خصبة للتنظيم ومختلف الجيوب الناشطة، وهو سيناريو طرح بقوة في السنوات السابقة لما ضاق الخناق على التنظيم في الشرق الأوسط مقابل الانفلات الذي عرفته ليبيا".

هذه هي الرسائل التي وجهتها منذ أيام الجزائر إلى المجموعة الدولية للتحذير من التحولات الخطيرة التي تعرفها دول الساحل الأفريقي، بعد سيطرة العسكر على أنظمة الحكم السياسي في دول غرب ووسط أفريقيا على غرار النيجر والغابون وغينيا وتشاد، وأخيرا مالي المهددة بـ"سيناريوهات قاسية" بعد انهيار السلام بين العسكر و"الطوارق".

ما بات يقلق الجزائر اليوم استغلال الإرهابيين للتكنولوجيات لأغراض التواصل والتجنيد والتمويل

جاءت هذه التحذيرات على لسان الممثل الجزائري الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك عمار بن جامع، في مداخلة ألقاها خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي. واستدل الدبلوماسي الجزائري بالتقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة حول "داعش"، ووصفه بـ"المقلق جدا"، خصوصا أن "التنظيم وحلفاءه لا يزالون يشكلون تهديدا خطيرا لا سيما في مناطق النزاع".

وبحسب بن جامع، فإنه "وعلى الرغم من أن قدرة داعش قد تراجعت خارج معاقله، لكنه عاد للظهور بسهولة في العراق وسوريا، وحتى لو قللنا من الجهود المبذولة لمواجهته، وأن الجماعات المنضوية تحت لوائه بدأت تتطور في أفريقيا مستغلة التوترات السياسية والنزاعات القائمة".

وتابع قائلا إن "الأسباب الجذرية، لا سيما تلك المتعلقة بنقص التنمية والنزاعات الإقليمية التي لم تتم تسويتها، لا تزال وإلى غاية اليوم تهيئ مناخا خاصا لتفشي الإرهاب. لذلك فإن التسويات السياسية والاستثمارات في مجال التعليم والشغل والحوكمة الرشيدة تبقى أمورا ضرورية لمحاربة الظاهرة".

ولعل ما بات يقلق الجزائر اليوم، بحسب بن جامع، "استغلال الإرهابيين للتكنولوجيات لأغراض التواصل والتجنيد والتمويل، كما أن علاقة الإرهاب بالجريمة المنظمة تستدعي هي الأخرى استجابات منسقة".

وفتحت هذه التحذيرات الباب أمام تساؤلات عدة أهمها: هل تشكل هذه التحذيرات تهديدا حقيقيا أم إنها تحذير سابق لأوانه؟

مخاوف مشروعة

يصف أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة ورقلة، مبروك كاهي، في حديثه لـ"المجلة"، هذه المخاوف بـ"المشروعة التي تغذيها تطورات عدة حدثت في المنطقة مؤخرا، لعل أهمها الوضع غير الدستوري وعدم الاستقرار. ففي غضون السنوات الأربع الماضية شهدت المنطقة قرابة ستة انقلابات عسكرية لدول هشة في الأساس".

ومما يغذي هذه المخاوف، حسب كاهي، "التوجه العدائي لدول الساحل إزاء المنظمات الدولية، كإنهاء بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما) والمنظمات الإقليمية، ممثلة في (الإيكواس)، والانسحاب منها. ويضاف إلى ذلك الانسحاب من التكتلات العسكرية التي كانت تنشط في المنطقة في مجال مكافحة الجماعات الإرهابية".

الوضع في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل تدهور وبات أكثر تعقيدا

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب فلاديمير فورونكوف

ويشير كاهي، الخبير الأمني والمتخصص في أمن الساحل، إلى أن "الانسحاب من اتفاق السلام والمصالحة الذي ترعاه الجزائر منذ العام 2015 لاستعادة الهدوء في شمال مالي، سيزيد الأوضاع تعقيدا بخاصة أن السلطات الانتقالية لا تملك الشرعية المطلوبة لاتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية، ومن باب أولى تحديد الفترة الانتقالية والعودة إلى النظام الدستوري. وللعلم، الجزائر تدرك جيدا الظاهرة الإرهابية ومدى خطورتها خصوصا مع الدول التي لا تملك الخبرة الكافية ولا الإمكانات اللازمة لمواجهتها".

وما زاد الأمر تعقيدا، بحسب كاهي، "الاتفاقات التي عقدتها دول أفريقية مع شركات أمنية غربية بهدف مساعدتها، وهو قرار خاطئ لا يمكنه إلا أن يزيد من تعقيد الأمور أكثر فأكثر. فهذه الدول اليوم في حاجة ماسة إلى المجتمع الدولي لاسيما وأن منطقة الساحل الأفريقي أرض خصبة لنشاط الجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة التي باتت تهدد الأمن والسلم في أفريقيا".

أ.ف.ب
رجال إطفاء ماليون يقفون بجانب مبنى مدمر في منطقة غاو في 13 نوفمبر 2018، بعد الهجوم الانتحاري الذي وقع في الليلة السابقة وأودى بحياة ثلاثة أشخاص

ذلك بالإضافة إلى ضعف السلطة المركزية، فضلا عن وضعها غير الدستوري واستشراء الفساد الذي بات ينخر مفاصل الدولة والمساحة الجغرافية الشاسعة وغياب التغطية الأمنية، دون أن ننسى عامل الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي عام 2011، وما أعقبه من فتح لمخازن الأسلحة التي كان يرصد لها ميزانيات ضخمة تقدر بحوالي مليار ونصف المليار دولار، ناهيك عن الدعم والإسناد الذي كانت تتلقاه من الميليشيات المتعددة من خارج الأراضي الليبية، وفق كاهي.

تحذيرات أممية

تتطابق وجهة نظر كاهي مع تحذيرات أخرى أطلقها مسؤولون رفيعو المستوى في الأمم المتحدة، خلال عرضهم لتقرير خاص للتهديد الذي يشكله "داعش" للسلام والأمن الدوليين ونطاق الجهود الأممية المبذولة دعما للدول الأعضاء في مكافحة هذا التهديد منتصف فبراير/شباط الجاري. وفي هذا المضمار قال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب فلاديمير فورونكوف إن "الوضع في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل تدهور وبات أكثر تعقيدا"، محذرا من أنه إذا "استمر هذا النهج فهناك خطر كبير من ظهور منطقة واسعة من عدم الاستقرار في مالي وإلى غاية حدود نيجيريا".

عدم الاستقرار السياسي من أهم العوامل التي ساهمت في تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية

"معهد الاقتصاد والسلام الدولي"

من جانبها، قالت رئيسة المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، ناتاليا غيرمان، إن "الجماعات الإرهابية تستغل عدم الاستقرار السياسي من أجل توسيع دائرة نفوذها وعملياتها وسيطرتها الإقليمية في المنطقة، مع تزايد المخاوف بشأن غرب أفريقيا".

تصاعد العمليات الإرهابية

وفي يوليو/تموز الماضي، أصدر "معهد الاقتصاد والسلام الدولي" نسخته العاشرة من مؤشر الإرهاب العالمي، الذي سلط الضوء على ارتفاع الوفيات الناتجة عن الصراعات بمنطقة الساحل خلال عام 2022، حيث ارتفعت الوفيات من 472 إلى 1159 خلال الفترة الممتدة من 2012 إلى 2022، فيما أحصت موزمبيق والصومال أكبر زيادات في عدد العمليات الإرهابية.

واللافت للنظر بحسب التقرير أن تنظيم "داعش" كانت له الغلبة في الهجمات هذا العام عن "القاعدة"، إذ كانت الوفيات الناجمة عن هجمات هذا التنظيم أكثر بمرتين، مقارنة بجماعة "النصرة"، وبواقع 19 هجوما و243 حالة وفاة، وقد اعتمد في هجماته على استخدام الأسلحة النارية بخلاف تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" الذي اعتمد "النهج التخفيفي".

الاحتراب الداخلي أهم العوامل 

ويرى التقرير أن عدم الاستقرار السياسي واحد من أهم العوامل التي ساهمت في تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية، فإقليم الساحل والصحراء شهدا خلال عامي 2020 و2022 حوالي 13 محاولة انقلابية، سبع منها كانت ناجحة. وأرجع السبب في ذلك إلى فشل السياسات الحكومية المتعلقة بالحكم وسوء الإدارة والفساد والتسيير وارتفاع معدلات الفقر المدقع.

واستدل التقرير بمالي مثلا، إذ أدى انتشار الفساد والمحسوبية فيها إلى تقويض المؤسسات الأمنية وإضعاف أي جهود للتنمية، وحسب "مؤشر التنمية البشرية" فإن مالي تعاني من مستويات تنمية منخفضة، مما يعكس ضعف الحكم واتساع رقعة نشاط الإرهاب. 

الجزائر استبقت انتشار الصراعات المسلحة ودعت المجتمع الدولي إلى التحرك قبل فوات الأوان

ولذلك يعتقد البروفيسور نور الصباح عكنوش، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة بسكرة الجزائرية، أن "الجزائر انتهجت نهج الدبلوماسية الاستباقية وهي التي تعتمد عليها في مقاربتها الاستراتيجية لإدارة الأزمات في المناطق الهشة أمنيا وجيوسياسيا والتي تمثل بؤرة توتر للنظام الدولي على غرار منطقة الساحل والتي أصبحت حزاما غير آمن من البحر الأحمر حتى المحيط الأطلسي بعد انهيار منظومة القيم ومؤسسات العقد الاجتماعي في غالبية دول الإقليم  والتي تحولت إلى منطقة خطيرة".

وبالنسبة لعكنوش فإن "إقليم الساحل والصحراء أصبح بمثابة بيئة حاضنة لنشاط الجماعات الإرهابية في صورة داعش وبوكو حرام التي تنشط في نيجيريا. وجميع هذه الجماعات تتغذى من الاحتراب الداخلي في دول الساحل مما يتطلب يقظة دولية وإقليمية استراتيجية على مستوى الرصد والجاهزية والاستباقية في التعامل مع الظاهرة الإرهابية العابرة للحدود في ضوء مسؤولية دولية".

أ.ف.ب
رؤساء السنغال ونيجريا ودول أخرى في منطقة الساحل، ورئيس "مفوضية المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا" (الإيكواس) في صورة جماعية

ويبدو أن الجزائر قد استبقت انتشار العنف والصراعات المسلحة في المنطقة بسبب تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والبيئية والأمنية الهشة، ودعت المجتمع الدولي إلى التحرك قبل فوات الأوان، لا سيما في ظل سلسلة الأزمات الدموية التي تلون المنطقة باللون الأحمر، وتجعل مستقبلها أيضا غامضا ومُقلقا بخاصة إذا لم تتوفر إرادة سياسية دولية قوية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا سيما وأن هذا التحرك تزامن مع الحرب في أوكرانيا وغزة.

font change

مقالات ذات صلة