لا يكاد يمر يوم دون أن تنقل وسائل الإعلام الكردية أخباراً خاصة عن النشاطات المدنية التي ينفذها المهاجرون الأكراد في القارة الأوروبية؛ "انعقاد المؤتمر الأول لاتحاد كتاب كردستان في مدينة دوسلدورف الألمانية"، "تأسيس الاتحاد الدولي للغة الكردية في القارة الأوروبية"، "إعلان التحالف الكردي للمجتمع المدني"، ومثلها أخبار كثيرة أخرى. لكن ذلك يحدث بعد شهور قليلة من أوسع موجة مظاهرات سياسية، نفذها قرابة ثلاثة ملايين مهاجر كردي في مختلف الدول الأوروبية أوائل العام الجاري، احتجاجاً على التحولات التي جرت في سوريا، وأدت في المحصلة إلى تفكيك "قوات سوريا الديمقراطية" والإدارة الذاتية "الكردية" شمال شرق البلاد.
يؤشر ذلك إلى تحولات جذرية تصيب المزاج والسلوك السياسي الخاص بالجاليات الكردية في الدول الأوروبية، متفاعلة ومتناغمة مع ما يحدث في بلدان منطقتهم. فالمهاجرون الأكراد كانوا طوال عقود كثيرة نشيطين سياسياً وإعلامياً ومالياً، وحتى أمنياً، للغاية، مساندين للحركات الكردية في دول المنطقة.
أربعة مسارات لمهاجرين الأكراد
خلال العامين الماضيين، وتأثراً بالأحداث الإقليمية، تغيرت ممارسات وقراءات الشتات الكردي لقضيته بكثافة شديدة، وهي تبدلات أخذت مسارات غير متطابقة، تبعاً للدول التي ينحدر منها هؤلاء المهاجرون.

الأكراد القادمون من تركيا، والذين تعود بدايات استقرارهم الأوروبي إلى خمسينات القرن المنصرم، ويتمركزون بالذات في ألمانيا والدول الإسكندنافية، وبعدما بقوا طوال عقود كثيرة بمثابة "الخندق السياسي الخلفي غير المُعلن" لـ"حزب العمال الكردستاني"، يقدمون الدعم اللوجستي والرعاية المالية والتغطية المجتمعية للآلاف من كوادره الذين كانوا يُديرون شبكات نشاطات الحزب السياسية والإدارية والإعلامية، مستخدمين مظلة المئات من الجمعيات المدنية والتجمعات الثقافية والمهنية، هؤلاء بدأوا راهناً بنقل نشاطاتهم وخبراتهم إلى داخل تركيا، استجابة لتطور عملية السلام بين تركيا و"حزب العمال الكردستاني".
فحسب مضامين التوافقات بين الكردستاني والدولة التركية، فإنه سيكون متاحاً لعشرات الآلاف من النشطاء السياسيين والثقافيين الكرد، وحتى الاقتصاديين والأمنيين، المحكومين في تركيا غيابياً بتهم تأييد "العمال الكردستاني"، العودة إلى بلادهم. وهم حسب الرأي الغالب لدى أكراد تركيا قد يتحولون إلى العصب الرئيس لـ"النضال" الكردي في تركيا، بعد نزع أسلحة "حزب العمال الكردستاني" وتركه للكفاح المسلح.


