أكراد الشتات... كيف ينظرون إلى "قضيتهم" في سوريا والعراق وإيران؟

جيلان مختلفان وأدوات جديدة

(أ.ف.ب/"المجلة")
(أ.ف.ب/"المجلة")
محتجون يشاركون في مظاهرة دعت إليها الجالية الكردية في وسط أثينا احتجاجا على هجوم عسكري سوري يستهدف الأكراد في سوريا، اليونان، في 20 يناير 2026

أكراد الشتات... كيف ينظرون إلى "قضيتهم" في سوريا والعراق وإيران؟

لا يكاد يمر يوم دون أن تنقل وسائل الإعلام الكردية أخباراً خاصة عن النشاطات المدنية التي ينفذها المهاجرون الأكراد في القارة الأوروبية؛ "انعقاد المؤتمر الأول لاتحاد كتاب كردستان في مدينة دوسلدورف الألمانية"، "تأسيس الاتحاد الدولي للغة الكردية في القارة الأوروبية"، "إعلان التحالف الكردي للمجتمع المدني"، ومثلها أخبار كثيرة أخرى. لكن ذلك يحدث بعد شهور قليلة من أوسع موجة مظاهرات سياسية، نفذها قرابة ثلاثة ملايين مهاجر كردي في مختلف الدول الأوروبية أوائل العام الجاري، احتجاجاً على التحولات التي جرت في سوريا، وأدت في المحصلة إلى تفكيك "قوات سوريا الديمقراطية" والإدارة الذاتية "الكردية" شمال شرق البلاد.

يؤشر ذلك إلى تحولات جذرية تصيب المزاج والسلوك السياسي الخاص بالجاليات الكردية في الدول الأوروبية، متفاعلة ومتناغمة مع ما يحدث في بلدان منطقتهم. فالمهاجرون الأكراد كانوا طوال عقود كثيرة نشيطين سياسياً وإعلامياً ومالياً، وحتى أمنياً، للغاية، مساندين للحركات الكردية في دول المنطقة.

أربعة مسارات لمهاجرين الأكراد

خلال العامين الماضيين، وتأثراً بالأحداث الإقليمية، تغيرت ممارسات وقراءات الشتات الكردي لقضيته بكثافة شديدة، وهي تبدلات أخذت مسارات غير متطابقة، تبعاً للدول التي ينحدر منها هؤلاء المهاجرون.

(رويترز)
أفراد شرطة يسيرون فيما يشارك أعضاء من الجالية الكردية ومحتجون آخرون في مظاهرة ضد الاشتباكات العسكرية بين الجيش السوري والقوات الكردية، في برلين، ألمانيا، في 24 يناير 2026

الأكراد القادمون من تركيا، والذين تعود بدايات استقرارهم الأوروبي إلى خمسينات القرن المنصرم، ويتمركزون بالذات في ألمانيا والدول الإسكندنافية، وبعدما بقوا طوال عقود كثيرة بمثابة "الخندق السياسي الخلفي غير المُعلن" لـ"حزب العمال الكردستاني"، يقدمون الدعم اللوجستي والرعاية المالية والتغطية المجتمعية للآلاف من كوادره الذين كانوا يُديرون شبكات نشاطات الحزب السياسية والإدارية والإعلامية، مستخدمين مظلة المئات من الجمعيات المدنية والتجمعات الثقافية والمهنية، هؤلاء بدأوا راهناً بنقل نشاطاتهم وخبراتهم إلى داخل تركيا، استجابة لتطور عملية السلام بين تركيا و"حزب العمال الكردستاني".

فحسب مضامين التوافقات بين الكردستاني والدولة التركية، فإنه سيكون متاحاً لعشرات الآلاف من النشطاء السياسيين والثقافيين الكرد، وحتى الاقتصاديين والأمنيين، المحكومين في تركيا غيابياً بتهم تأييد "العمال الكردستاني"، العودة إلى بلادهم. وهم حسب الرأي الغالب لدى أكراد تركيا قد يتحولون إلى العصب الرئيس لـ"النضال" الكردي في تركيا، بعد نزع أسلحة "حزب العمال الكردستاني" وتركه للكفاح المسلح.

بدأ التدفق الكثيف للأكراد نحو الدول الأوروبية منذ أوائل الثمانينات. فوقتئذ تراكمت أحداث مثل انقلاب كنعان أفرين العسكري المريع في تركيا

ويرى المهجرون من أكراد تركيا في ذلك فرصة استثنائية لزيادة تفاعلهم مع بلادهم، والسفر بشكل متقطع إلى البيئة الجغرافية والاجتماعية التي انقطعوا عنها منذ قرابة نصف قرن، وحرمت الأجيال اللاحقة من أبنائهم من التعرف على لغتهم والأماكن التي قدم منها ذووهم.

على العكس تماماً، فإن أكراد سوريا مصابون بنوع من "الإحباط"، وإن كانوا يعبرون صراحة عن غبطتهم بقرارات الاعتراف السياسي والثقافي التي أصدرتها السلطة الحالية لصالحهم. فالأكراد السوريون كانوا خلال السنوات الماضية يمنون النفس بالحصول على نوع من الحكم الذاتي، شبيه بما حصل عليه أكراد العراق عقب عام 2005، متوقعين دعماً دولياً واسعاً لهم بعد سقوط النظام السابق، بسبب الشراكة الأمنية والعسكرية التي جمعتهم بمراكز القرار الدولية في حرب مواجهة الإرهاب. لم يحدث ذلك، بل جرى العكس تقريباً.

لكن النُخب السياسية والثقافية والاجتماعية الكردية لا تُخفي تفاؤلها بمسار آخر لقضيتها في المستقبل المنظور، بعد صدور قرارات الاعتراف بهويتهم وحقوقهم الثقافية، متوقعة كثافة في التفاعل بينهم وبين ذويهم ودولتهم في الأفق المنظور، وبروح بالغة الإيجابية.

أكراد إيران في المقابل مصابون بقلق خاص جراء ما يحدث في المنطقة. فبعدما بقوا عقوداً كثيرة متوقعين انقطاعهم التام عن بلادهم، بسبب طبيعة النظام السياسي الحاكم، أعادت لهم الأسابيع الأولى من الحرب الأميركية على إيران تفاؤلاً شديداً، متوقعين عودة سريعة والحصول على مواقع وحقوق سياسية شرعية ذات طابع كردي واضح عما قريب. لكن استدامة الحرب وعدم الوضوح الأميركي في تحديد مساراتها ومستقبلها، أدخلهم في عدم استقرار، حتى إنهم صاروا أقل جاهزية وحيوية للانخراط في أي جهد ميداني مناهض للنظام السياسي الحاكم لبلدهم.

من بين كل كتل الشتات الكردي، يبقى أكراد العراق محافظين على مواقعهم واستقرارهم النسبي وشكل علاقتهم مع دولتهم. وإن كانت تفاصيل مثل تعرض إقليم كردستان لعمليات قصف جوي إيرانية مكثفة وسعي الولايات المتحدة لسحب جميع قواتها من إقليم كردستان، والخلاف السياسي الشديد داخلياً، تثير تحفظاتهم ومخاوفهم بشأن مستقبل الإقليم الفيدرالي الذي حصلوا عليه في العراق.

جيلان متباينان

يشرح الباحث الأكاديمي المختص بعلم الاجتماع برزان نجدفان في حديث مطول مع "المجلة" أشكال التمايز الواضحة بين أجيال الشتات الكردية، ويقسمهم إلى ثلاثة أقسام، يسمي الأكبر عمراً منهم بـ"جيل الأحلام الكبرى"، بينما ينعت الشبان الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين عاماً بـ"أبناء القومية الرمزية"، وبينهما "الحائرون"، حسب رأيه.

(رويترز)
أشخاص يرفعون إشارة النصر خلال تجمعهم للاحتفال بمهرجان الربيع "نوروز" في ديار بكر جنوب شرقي تركيا، في 21 مارس 2025

يتابع نجدفان حديثه قائلاً: "بدأ التدفق الكثيف للأكراد نحو الدول الأوروبية منذ أوائل الثمانينات. فوقتئذ تراكمت أحداث مثل انقلاب كنعان أفرين العسكري المريع في تركيا، والثورة الإسلامية في إيران، وما صاحبها من صراع مع الأحزاب الكردية التي سيطرت على المناطق الكردية شمال غرب البلاد، والحرب الإيرانية-العراقية التي أثرت على الكفاح المسلح في العراق.

تلك القلاقل دفعت مئات الآلاف من الأكراد للجوء والعيش في المنافي الأوروبية. الجيل الأول من هؤلاء، بقوا يعتبرون أنفسهم جزءا أصيلاً من الكفاح الكردي في بلدان المنطقة، منخرطين في كافة أشكاله، ومتطلعين لتحقيق الأحلام القومية الكبرى. أحداث السنوات الأخيرة، بالذات عقب فشل (استفتاء الاستقلال) لإقليم كردستان، وعدم تمكن (العمال الكردستاني) من فرض أي شرط سياسي على السلطة التركية قُبالة نزع السلاح، وتبدد التجربة الكردية-السورية بمعناها القومي/الجغرافي، خلق أزمة نفسية وسياسية حادة بالنسبة لأغلبية أعضاء هذا الجيل، الذين صاروا يجدون أنفسهم راهناً مجبرين على الانخراط الإيجابي مع دولهم، وعلى أسس اندماجية غالباً".

الطبقة الأكثر ثراء من المهاجرين من أكراد العراق تمكنوا خلال السنوات الماضية من فتح مشاريع اقتصادية صناعية وسياسية في بلادهم الأصلية، مستفيدين من الاستقرار السياسي والأمني الذي شهده إقليم كردستان

يتابع نجدفان تحليله الذي يربط عالم الاجتماع الكردي في المنافي الأوروبية بمجريات المنطقة قائلاً: "لكن الكثافة الشديدة لوسائل الإعلام الكردية، وحرية نقل الأحداث والتفاعل معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مضافة إلى خصوصية المسألة الكردية وحيويتها البالغة، دفعت الملايين من الأجيال الكردية الأصغر سناً لأن يسبحوا في (بحر) من الأدوات والرموز القومية، أعلام ورسومات على الأجساد ومشاركة في نشاطات سياسية وثقافية وإنتاج فني وإعلامي، وأشياء كثيرة أخرى، تسمح لهم بممارسة الهوية القومية ضمن أماكن استقرارهم الأوروبية، مع تراجع في مستويات التواصل الفيزيائي مع البلدان التي أتوا منها، وتراجع أكبر في إمكانية إتقانهم للغتهم الأم.

بين الجيلين، ثمة من تتراوح أعدادهم بين ثلاثين وخمسين عاماً، وهؤلاء عاجزون عن خلق قطيعة مع بلدانهم الأصلية التي أتوا منها، ولا يتطابقون معها ويحبذون أشكال القومية الرمزية التي تجنح لها الأجيال الأصغر عمراً.

ليس الأمر بين هذه الأجيال مجرد اختلاف في التجارب والخيارات الأيديولوجية، بل ثمة نزعتان سياسيتان متباينتان تماماً، فالأجيال الجديدة، وإن كانت محملة بالإرث الرمزي للحركات الكردية، وبفعل ما جرى خلال السنوات الماضية، صارت تؤمن بأن قضية إعادة رسم الخرائط بين دول المنطقة وتوقع دعم دولي لتأسيس كيان قومي كردي هو شيء من الخيال والتفكير بالتمني، متوقعين أشكالاً جديدة من النضال القائم على تكثيف النشاطات المدنية والثقافية والاقتصادية، وعبر أوسع مروحة للتعاون مع المجتمعات الكردية في البلدان الإقليمية".

دعم مستدام

لكن التحولات السياسية لا تعني توقف شبكات الدعم بين المهاجرين ونظرائهم في بلدان المنطقة، كما تؤكد تقارير الاندماج الأوروبية. فشبكات النشاط الاقتصادي الكردية في أوروبا، المتداخلة مع دول المنطقة التي قدموا منها، هي من الأكثر حيوية على مستوى القارة. والتحويلات المالية غير المعلنة تتجاوز الأرقام الرسمية بأضعاف كثيرة.

(أ.ف.ب)
نساء يحملن الشعل خلال حفل زفاف كردي في محافظة هكاري جنوب شرقي تركيا، في 12 يوليو 2025

فالانتشار الكردي في الدول الأوروبية يقدم دعماً مالياً دورياً ومستداماً لذويهم، خصوصاً حينما تحدث أزمات اقتصادية حادة، مثلما جرى في سوريا خلال السنوات الماضية.

تذهب التقديرات الأوروبية إلى أن متوسط الإرسال لإعانة الأسرة الواحدة تراوح بين 200-400 دولار شهرياً، تذهب لمسائل الطبابة والطاقة والتعليم ودعم تأسيس الأعمال الصغيرة. وهي تحويلات تجري أغلبيتها الكبرى عبر السوق السوداء، إذ يحصل السماسرة على قرابة 4 في المئة من قيمة المبالغ المرسلة، ولهم مكاتب غير نظامية في بلدان المنطقة، يوزعون المبالغ المرسلة عبرها.

الطبقة الأكثر ثراء من المهاجرين من أكراد العراق تمكنوا خلال السنوات الماضية من فتح مشاريع اقتصادية صناعية وسياسية في بلادهم الأصلية، مستفيدين من الاستقرار السياسي والأمني الذي شهده إقليم كردستان. وهو أمر يتوقعه المراقبون لأكراد سوريا وتركيا خلال السنوات القليلة القادمة.

لكن حيوية التعاون بين المهاجرين وبلدان المنطقة لا تقتصر على القطاع المالي. فالآلاف من أكراد سوريا وتركيا، وحتى إيران، منخرطون في نشاطات إعلامية وثقافية ومعرفية لصالح مجتمعاتهم الأصلية، فالأحزاب السياسية الكردية ذات خبرة متراكمة، والقضية الكردية ذات خصوصية تسمح بأشكال مفتوحة من التواصل الحيوي بين المهاجرين وبيئاتهم الأصلية.

font change

مقالات ذات صلة