الهجرة عبر العصور... كيف كان الناس يتنقلون قبل الحدود وجواز السفر؟

رحلة البحث عن أرض جديدة وضفاف آمنة

 SAMEER AL-DOUMY / AFP
SAMEER AL-DOUMY / AFP
مهاجرون يستعدون للصعود إلى قوارب مهربين في محاولة لعبور بحر المانش من شاطئ غرافلين شمال فرنسا

الهجرة عبر العصور... كيف كان الناس يتنقلون قبل الحدود وجواز السفر؟

قرابة عام 1240 قبل الميلاد، فوجئ سكان المدن اليونانية بموجات ضخمة من البشر، قادمة من البر والبحر معا تتحرك تجاههم في تزامن صادم، يجعل من الصعب صدهم أو التنبؤ بتحركاتهم، لتجتاح هذه الجحافل البشرية جزيرة كريت، وتجتاح أيضا الأراضي المتحضرة حول شرق البحر المتوسط، أبرزها مدينة أثينا وجزيرة قبرص وبعض مناطق آسيا الصغرى وكلها كانت مع كريت مركزا للحضارة الموكينية، ولتقطع طرق التجارة مع مصر والشام. وكانت الخطة الوحيدة أمام المدن اليونانية هي تحصين قلاع "تيرينز" لاستيعاب اللاجئين وبناء مخازن غلال ضخمة في "موكيناي" استعدادا للحصار. إلا أن خوض كل مدينة للمعركة بشكل منفرد ومستقل، حال دون وجود خطة موحدة يمكن من خلالها صد هذه الهجمات، ولهذا تم بالفعل اجتياح اليونان الموكينية بالكامل.

شعوب البحر

هذه الموجة البشرية كانت قادمة من شمال بلاد اليونان، ولم تأت دفعة واحدة، بل استمرت في اجتياحها لبلاد العالم المعمور وقتها على موجات طالت بلاد الشام ومصر. قاومهم مرنبتاح ورمسيس الثالث وهزموا في معركتين، لكنهم استطاعوا إسقاط الحيثيين والانتشار في الشام فعلا واستيطانها والذوبان مع أهلها الأصليين بمرور الزمن.

لكن أبرز نتائج هذا الاجتياح كان تدمير مظاهر الحضارة اليونانية في مرحلتها الموكينية على مدار القرن الثاني عشر قبل الميلاد، لتدخل بعدها بلاد اليونان في عصور مظلمة ومجهولة تماما لحوالى قرنين وأكثر من الزمن، انتهت فيها الكتابة اليونانية القديمة المعروفة باسم “Linear B”. وهكذا لم يكتب حتى سجل تاريخي واحد يمكن من خلاله فهم تلك الفترة أو معرفة ماذا حدث فيها بالضبط، ومن دون أن تخلف أي بادرة أو إشارة لوجود حضارة في هذه المناطق حتى القرن الثامن قبل الميلاد تقريبا، وهي الفترة التي اقتبس فيها اليونانيون الأبجدية اليونانية من الفينيقية وبدأوا في التدوين والكتابة، وحتى في تأليف الملاحم الشعرية التي انتقلت شفاهة وكانت تمجد التاريخ القديم ومرحلة قبل الغزو، ومن هذه الملاحم "الإلياذة" و"الأوديسة" لهوميروس.

حتى الملاحم الشعرية اليونانية التي انتقلت شفاهة كانت تمجد التاريخ القديم ومرحلة قبل غزو شعوب البحر

هذه الجحافل هم ببساطة اليونانيون الدوريون، والبعض يربط بينهم وبين شعوب البحر التي هاجمت مصر والشام في الوقت نفسه. وهذه نقطة لا تزال موضع جدل بين الكلاسيكيين، لكن ما يعنينا هنا هو الاجتياح الذي أصاب بلاد اليونان ودمر حضارتها، والذي يعرف بالغزو الدوري، ولو أن تاريخ هذا الغزو كتبه اليونانيون القدامى في العصر الكلاسيكي، إلا أن المؤرخين الأوروبيين المعاصرين يحاولون بشتى الطرق إرجاعه الى الأساطير وإثبات أنه بلا سند حقيقي، أو حتى تلطيف المصطلح واستبدال كلمة غزو بكلمة هجرة، لا لشيء إلا لإبقاء الشكل المتحضر للأوروبيين.

 LOUISA GOULIAMAKI / AFP
زوار يشاهدون تمثالا برونزيا يعود إلى عام 480 قبل الميلاد ويصور بوسيدون، إله البحر في الميثولوجيا اليونانية، في المتحف الأثري الوطني بأثينا

يعرف الدوريون بأنهم كانوا أقل تحضرا وثقافة وموارد، ولهذا اجتاحوا المدن اليونانية المعمورة، بحثا عن وطن جديد أكثر آدمية، بمقومات معيشية أفضل. ومن قرأ عن هذه الحادثة، في غالب الظن أنه تذكرها يوم استيقظ العالم على خبر اجتياح آلاف المهاجرين المغاربة شواطئ مدينة سبتة، وكان المغاربة السابحون من المغرب الى سبتة يفعلون ما يفعله الإنسان طوال تاريخه البشري: البحث عن وطن جديد يمنحه فرصا جديدة للحياة.

ولعل هذه الأخبار تدفع البعض للشعور بالحنين الى زمن كان الإنسان يتنقل فيه بين البلدان بحرية، يهجر مدينته إن شعر أن حياته تضيق فيها ويبحث عن وطن جديد يؤسس به حياة جديدة، بل ويبدل كنيته ويتكنى بالمدينة التي يسكن فيها إن أراد، دون إذن أو أوراق ثبوتية أو مخاطر بالترحيل، أو قلق العنصرية. لكن هل كان بالفعل السفر والهجرة والتنقل بهذه السهولة؟

الحدود ونقاط التفتيش

لم تتوقف هجرات اليونانيين عند الغزو الدوري، بل شكلت فتوحات الإسكندر الأكبر حركة هجرة فارقة نقلت آلاف الإغريق وثقافتهم ولغتهم خارج موطنهم، ممهدة لنشأة "العصر الهلنستي" الذي امتزجت فيه الثقافة اليونانية بحضارات مصر والشام وفارس، وبرزت منه لغة "الكويني". وكانت الإسكندرية أبرز نتاج لذلك العصر، إذ غدت أهم مدينة يونانية خارج اليونان، تجتذب العلماء والباحثين عن الفرص، فضلا عن اليهود الفارين من بطش السلوقيين بسوريا، ليتشكل قدرها كمدينة للمهاجرين.

 Sakis Mitrolidis / AFP
أشخاص قرب تمثال الإسكندر الأكبر على الواجهة البحرية لمدينة سالونيك اليونانية

وقبل الإسكندر وتأسيس الإسكندرية،، عرفت مصر جالية يونانية كبيرة وفدت أساسا للعمل كمرتزقة في جيش الفرعون إبسماتيك الأول. وتوسع وجودهم في عهد الملك أماسيس واستمروا في خدمة الجيش حتى عهد نكتانبو الثاني، وأنشأوا مدنهم الخاصة وأبرزها "نقراطيس". ورغم هذا الوجود، لم يتأثر المصريون كثيرا باليونانيين نظرا لانفصال مناطق السكن واختلاف اللغة والديانة. وعلى العكس، تأثر اليونانيون بمصر، وهو ما يظهر في مقابرهم كمقبرة "سي آمون" بسيوة، وفي تأثر الملوك البطالمة بالملابس وطرق التصوير على التماثيل والعملات، وتعد كليوباترا السابعة أشهر مثال على هذا التأثر.

دخل اليونانيون وغيرهم مصر وعاشوا بطريقة منظمة، عبر الموانئ التي كانت تنتشر فيها نقاط التفتيش

وفي الزمنين، دخل اليونانيون وغيرهم مصر وعاشوا بطريقة منظمة، عبر الموانئ التي كانت تنتشر فيها نقاط التفتيش.

ثم سيمر الزمن وسيبقى البشر في حالة تنقل دائمة بين جنبات العالم المعمور، حتى بزوغ شمس الإسلام، وكما حدث في زمن الإسكندر سيحدث أيضا في زمن العصر الذهبي للحضارة العربية، التي ستنتقل بالدين الإسلامي واللغة والمبادئ العربية خارج الجزيرة العربية، للشام ومصر وأفريقيا وبلاد فارس، وستنشر حركة الترجمة وستختلط الألسن وستنشئ المدن، وستتمدد الحضارة العربية حتى أقصى غرب الدنيا المعمورة وقتها، بلاد الأندلس.

عندما سافر المسلمون بين البلدان

في سنة 754م، أسس الأمير عبد الرحمن بن معاوية، الشهير بعبد الرحمن الداخل، الدولة العربية الأموية في الأندلس بعدما سقطت في بلاد الشام، وقد هاجر الداخل من الشام إلى الأندلس في رحلة شجاعة ومحفوفة بالمخاطر استغرقت حوالى ست سنوات، هاربا من سيوف بني العباس، حالما بملك جديد ووطن جديد.

وسيحدث أن المملكة التي سيؤسسها الداخل ستقوى، وستتحول الأندلس كلها بمرور الوقت لدولة عربية ومسلمة، تخرج منها قوافل الحجيج قاطعة الطريق الطويل من المغرب وتونس ومصر ثم الشام وصولا إلى مكة، وبجانب أن بعض أولئك الحجيج كانوا بعد أداء المناسك، يختارون الهجرة إلى مكة والإقامة فيها أبدا، أو يختار بعضهم الإقامة في الشام أو مصر أو أفريقيا، فقد خلقت رحلة الحج الطويلة من رحم هذا المدى الممتد تدوينات الرحالة الذين وثقوا أخبار أسفارهم، وعلى رأسهم ابن خلدون الذي خرج من تونس بغرض الحج وطاف بين مصر والشام مدونا أحوالهما الاجتماعية، والشاعر الأندلسي ابن جبير الذي قام بثلاث رحلات إلى الشرق ودون الأولى في مذكرات دقيقة عرفت باسم "تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار" أو "رسالة اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك".

تعد رحلة ابن جبير واحدة من أهم المدونات في أدب الرحلات الإسلامي، نظرا لما أورده فيها من وصف تفصيلي لمدن البحر المتوسط التي نزل بها، ونظام المكوس والجمارك في موانئها، فضلا عن نقله الدقيق لمشاهدات من بلاد الحجاز، وملاحظاته الشائقة عن نجد والعراق وعكا والجزر البحرية التي مر بها في طريق عودته.

Amir MAKAR / AFP
مشهد جوي لمعبد رمسيس الثالث الجنائزي في مدينة هابو غرب الأقصر

وفي حين أن تنقل ابن جبير بين البلدان يبدو للقارئ شديد السهولة وبلا حواجز، يدحض الرحالة نفسه هذه الفكرة في بداية رحلته فور وصوله إلى ميناء الإسكندرية، إذ سجل استياءه الشديد من المعاملة القاسية التي تعرض لها المسافرون على يد أمناء السلطان وحراس البحر، الذين صعدوا المراكب لتقييد الأسماء وفرض الزكاة دون النظر لاشتراط الحول، ثم حصروا الأمتعة لتفتيشها متاعا متاعا، مما أدى إلى اضطراب الناس وضياع أمتعتهم.

صعد حراس البحر وأنزل الناس إلى البر واحدا بعد واحد، وحصرت أمتعتهم أشد الحصر، وفتشت الثياب والأوساط والأحشية لئلا يكون فيها شيء من المتاع أو الدنانير المكتومة


ابن جبير

وقد وثق ابن جبير هذه التجربة المؤلمة بقوله: "... أعوان السلطان لإحصاء كل من فيها من المسافرين، وتأكيد الأسماء واحدا واحدا، واستخراج القبالات منهم... ثم صعد حراس البحر وأنزل الناس إلى البر واحدا بعد واحد، وحصرت أمتعتهم أشد الحصر، وفتشت الثياب والأوساط والأحشية لئلا يكون فيها شيء من المتاع أو الدنانير المكتومة... وكان منظرا شنيعا وهولا عظيما، نسأل الله السلامة والعافية".

وصف دقيق لإجراءات الدخول

لم تكن مشاهدات ابن جبير في القرن السادس الهجري سوى المفتتح لشهادات أخرى أكثر شمولا سجلها شيخ الرحالة ابن بطوطة بعد نحو قرن ونصف القرن، إذ تعد رحلة ابن بطوطة المعروفة بـ"تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" وثيقة تاريخية وإدارية واقتصادية مستوفاة الأركان، كونها تتجاوز النمط السردي التقليدي لأدب الرحلات، إذ قدم الرحالة فيها عرضا واقعيا للنظام المالي والإداري الذي أدارت به الدول الإسلامية شؤونها خلال القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي. فقد أدارت السلطنات والدول في تلك الفترة المراكز الحدودية عبر نقاط تفتيش محكمة، استهدفت حفظ الأمن وتنظيم الجباية واستيفاء الحقوق المالية المقررة قبل الإذن بالدخول.

وتجلى هذا الإجراء الإداري في نظام تسجيل الواردين وضبطهم عند أطراف الإقليم، إذ كان الموظفون المقيمون عند أطراف البلاد في بلاد ما وراء النهر وخوارزم يوقفون القوافل القادمة، ويكتبون أسماء المسافرين وأنسابهم وجنسياتهم والغرض من وفودهم وتفاصيل أمتعتهم، ثم يراسلون والي المدينة لإبلاغه بقدوم القافلة قبل استيفاء "العشر". وقد وثق ابن بطوطة هذه الآلية التنظيمية في خوارزم بقوله: "ورحلنا حتى وصلنا إلى مدينة خوارزم... وبأطرافها موضع يعرف بالمكس، وهو المكان الذي تستوفى فيه العشور وتفتش فيه التجار وأحمالهم، ولا يدخل أحد المدينة إلا بعد التفتيش والتقييد في الدفاتر، وكتابة أسمائهم وأنسابهم والسلع التي معهم، خوفا من دخول المفسدين أو تهريب التجارات دون إيداء حق السلطان".

وفي سلطنة دلهي بالهند، طبقت الإدارة الحدودية عند نهر السند تدابير أمنية ومالية مشددة للتحقق من هوية الوافدين وتفتيش دقيق لأمتعتهم وحمولاتهم منعا لتهريب الجواهر والمعادن النفيسة، ثم تحرر للتاجر وثيقة رسمية بمثابة تصريح مرور تعفيه من إعادة فرض الرسوم في الأقاليم الداخلية. ويصف ابن بطوطة هذا النظام بوضوح: "وكان من سنة السلطان بالهند أن كل قادم من الغرباء يكتب أمره للملوك وأهل الدولة، وتكتب صفته وأخلاقه وثيابه وعدد أصحابه وخدمه وخيله... فإذا وصل التاجر أو القادم إلى النهر المسمى بالجانب الأوسط (السند)، كان هناك أمناء الجمرك وموظفو السلطان، فيحبسون القافلة، ويفتشون الأمتعة والدواب والثياب أحسن تفتيش، حتى إنهم يفتشون ما في الأحشية والوسائد! لئلا يكتم أحد حجرا كريما أو ذهبا، ثم يكتبون أمره إلى السلطان وينتظرون الإذن بالدخول".

Photo by HENRY NICHOLLS / AFP
أشخاص على متن قوارب مطاطية يبحرون على الجانب المغربي من الحاجز العائم الجديد الذي نشرته إسبانيا لتعزيز الأمن قرب المعبر الحدودي لجيب سبتة الإسباني

ولم تقتصر هذه الإجراءات على المنافذ البرية، بل امتدت إلى الموانئ البحرية كأناضوليا وأنطالية، إذ كان جباة السلطان يفتشون المراكب ويحصون الشحنات التجاربة والخيل والرقيق، ثم يمنحون التاجر شهادة إيفاء مالية لضمان تنقله داخل البلاد دون اعتراض. وهو ما ذكره ابن بطوطة بقوله: "ووصلنا إلى مدينة أنطالية... ولها مرسى كبير فيه السفن، وفيها عامل السلطان للجباية، يأخذ العشور من التجارات الواردة والصادرة، ويفتش المراكب ليعلم ما فيها من الرقيق والخيل والمتاع، ويكتب للرجل جوازا ليمر به في سائر مدن البلاد دون أن يعارض".

لا يدخل أحد المدينة إلا بعد التفتيش والتقييد في الدفاتر، وكتابة أسمائهم وأنسابهم والسلع التي معهم، خوفا من دخول المفسدين أو تهريب التجارات


ابن بطوطة

كذلك أورد الرحالة نموذجا دقيقا من الصين يظهر الانضباط الجمركي في ضبط حركة الوافدين وتتبعهم بين الموانئ وأبواب المدن، حيث كان كتبة الجمرك يصعدون المراكب لتقييد الأسماء والبيانات وفرض الحراسة حتى سداد الرسوم، مع اشتراط إبراز وثيقة المرور عند الانتقال من باب إلى آخر داخل المدينة. وقد ورد ذلك في قوله: "والصين أمن البلاد وأحسنها حالا للمسافر، والتاجر يكون معه المال العظيم فيسافر مفردا ولا يخاف... ولكنهم يضبطون الواردين ضبطا عجيبا؛ فإذا وصلت السفينة إلى الميناء نزل إليها كتبة الجمرك وسجلوا أسماء كل من فيها وصفاتهم، وأقاموا عليهم حراسا، ولا يترك أحد يخرج منها إلا بعد أن يفتش متاعه ويستوفى ما عليه من حق السلطان... وإذا دخل التاجر إلى المدينة كتب اسمه وما معه في بابها، فلا يخرج من باب آخر إلا بالورقة التي أخذها من باب دخولها".

وعلى مستوى التنظيم الداخلي، كانت المدن الكبرى كدمشق والقاهرة وبغداد تعتمد نظام الأبواب المغلقة التي تحرس ليلا وتفتح عند الفجر، حيث يتولى الجباة والموظفون جباية رسوم المرور و"مكس الحمل" على البضائع والدواب، والتأكد من تقديم التاجر لوثائق إثبات سداد العشور السابقة لمنع مصادرة السلع.

وقد استند ابن بطوطة في تقييمه لهذه الأنظمة إلى خلفيته الفقهية والقضائية، فرغم درايته بالضوابط الشرعية التي تحدد أحكام الجباية والزكاة والعشور، أظهر تفهما لضرورة التنظيم الإداري والضبط الأمني لحماية الأسواق والمدن وتأمين مسارات التجارة. وقد ميز في تدويناته بين الضبط الإداري المنظم الذي يهدف إلى المصلحة العامة، وبين التضييق المالي الزائد، ذاكرا بالثناء الحكام الذين سعوا إلى تخفيف الرسوم غير الشرعية وإسقاطها عن الناس.

هل كان العرب وحدهم يجوبون العالم في فترة من الزمن؟

يوازي العصر الذهبي للحضارة الإسلامية العصور المظلمة في أوروبا، واللافت أن أخبار الأسفار الأوروبية المعاصرة تبدو قليلة إن لم تكن معدومة قياسا بتدوينات الرحلات العربية والإسلامية، بل إن حركة السفر والتنقل في داخل أوروبا نفسها تبدو غامضة تماما في أغلب الأحيان.

في دراسته البحثية المعنونة بـ"التنقل في العصور الوسطى – الأدلة الأدبية كخارطة ذهنية لمتخيلات السفر: إعادة نظر نقدية في الأساطير الحديثة حول الماضي"، يقدم الباحث ألبرشت كلاسين، الأستاذ المتميز في دراسات اللغة الألمانية بجامعة أريزونا، قراءة نقدية تتناول طبيعة السفر والحركة في تلك الفترة، وتثبت هذه الورقة بوضوح أن التنقل في القرون الوسطى كان محفوفا بصعوبات شاقة وتحديات جسام، جعلت تجربة السفر أمرا بالغ العسر وخارج متناول الإنسان الأوروبي العادي، وعلى رأس هؤلاء الفلاحون الذين كانوا يشكلون نحو تسعة وخمسين بالمائة من النسيج المجتمعي، إذ كانت حريتهم في الحركة مقيدة بقوانين إقطاعية وأعراف اجتماعية صارمة، فضلا عن تدني مستويات التعليم لديهم وضعف قدراتهم على الارتحال في الآفاق مقارنة بسكان المدن والنبلاء.

ولم تقتصر هذه القيود على الدواعي الاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل أبعادا دينية مؤسسية، إذ تورد المصادر أن الرهبان والراهبات كان يحظر عليهم مغادرة أديرتهم بموجب مبدأ كنسي صارم يعرف بـ"الاستقرار المكاني". وإلى جانب هذه الموانع التشريعية، برزت التكلفة المالية العالية كعائق حاسم يحول دون ارتحال العامة، إذ كان قطع المسافات البعيدة يتطلب موارد وثروات مالية لا تجتمع إلا لقلة محظوظة من أفراد المجتمع، مما جعل مجرد التفكير في السفر رفاهية لا يقدر عليها سوى الميسورين.

 Antiquities / AFP
أعمال ترميم في "المقصورة الذهبية" بمعبد رمسيس الثالث الجنائزي في مدينة هابو غرب الأقصر

ترافق مع هذا العبء المالي تهديد أمني ومخاطر جمة تتربص بالمسافرين في كل درب، حيث كانت الطرقات ملاذا للعصابات واللصوص، فضلا عن إرغام العابرين على دفع مكوس ورسوم مرور تثقل كواهلهم عند المعابر والمضايق الجبلية. كما أدت الموانع الطبيعية والمناخ القاسي دورا عسيرا في عرقلة المساعي، إذ شكلت الجبال الشاهقة، والبحار الهائجة، والمسافات الشاسعة حواجز طبيعية تحول دون التفكير في بلوغ الأقاليم النائية كبلاد الهند. يضاف إلى ذلك كله البطء الشديد لوسائل النقل المتاحة آنذاك، حيث ساد الاعتماد على السير أو ركوب الدواب من خيل وحمير، مما جعل الرحلات تستنزف أوقاتا طوالا وجهدا بدنيا مضنيا لا يقاس إطلاقا بمعايير العصر الحديث.

كان التنقل في القرون الوسطى محفوفا بصعوبات شاقة وتحديات جسام، جعلت تجربة السفر أمرا بالغ العسر وخارج متناول الإنسان الأوروبي العادي

وعلى الرغم من أن الباحث يسعى لإثبات أن مجتمعات العصور الوسطى لم تكن ساكنة تماما أو معزولة بالكلية كما تصور بعض الآراء الحديثة، وأن الأدب الخيالي في العصور الوسطى لم يكن مجرد قصص للتسلية، بل عمل كخرائط ذهنية ومخططات مهدت الطريق للمسافرين الحقيقيين لاستكشاف العالم، إلا أنه يقر في نهاية المطاف بأن هذه الشدائد المعقدة جعلت السفر الواسع النطاق حكرا على فئات بعينها امتلكت الموارد أو الدوافع الكافية لتجاوز العقبات، كالتجار، والحجاج المتبتلين، والفرسان، والمبعوثين الديبلوماسيين، وطبقة النبلاء.

REUTERS/Jon Nazca
عوامة وأحذية تعود لمهاجرين تطفو في البحر عند شاطئ تاراخال، خلال عمليات عبور جماعية من المغرب إلى سبتة

السفر والمسير في الأرض فطرة إنسانية وأمر إلهي في القرآن الكريم، ليتعارف الناس وليتآلفوا وليتأملوا في قدرة الخالق، فالإنسان تائق بالفطرة للترحال والبحث عن أفق أرحب، وهذا أصل ثابت عبر التاريخ، غير أن الفردوس المتخيل للحدود المفتوحة لم يكن سوى وهم تبدده دفاتر الجمارك وقيود السلطات في كل عصر، وهكذا يبقى السفر وتبقى الهجرة حاجة إنسانية يتشابك فيها البحث عن حياة أفضل مع صرامة الموانع ونقاط التفتيش.

font change

مقالات ذات صلة