قرابة عام 1240 قبل الميلاد، فوجئ سكان المدن اليونانية بموجات ضخمة من البشر، قادمة من البر والبحر معا تتحرك تجاههم في تزامن صادم، يجعل من الصعب صدهم أو التنبؤ بتحركاتهم، لتجتاح هذه الجحافل البشرية جزيرة كريت، وتجتاح أيضا الأراضي المتحضرة حول شرق البحر المتوسط، أبرزها مدينة أثينا وجزيرة قبرص وبعض مناطق آسيا الصغرى وكلها كانت مع كريت مركزا للحضارة الموكينية، ولتقطع طرق التجارة مع مصر والشام. وكانت الخطة الوحيدة أمام المدن اليونانية هي تحصين قلاع "تيرينز" لاستيعاب اللاجئين وبناء مخازن غلال ضخمة في "موكيناي" استعدادا للحصار. إلا أن خوض كل مدينة للمعركة بشكل منفرد ومستقل، حال دون وجود خطة موحدة يمكن من خلالها صد هذه الهجمات، ولهذا تم بالفعل اجتياح اليونان الموكينية بالكامل.
شعوب البحر
هذه الموجة البشرية كانت قادمة من شمال بلاد اليونان، ولم تأت دفعة واحدة، بل استمرت في اجتياحها لبلاد العالم المعمور وقتها على موجات طالت بلاد الشام ومصر. قاومهم مرنبتاح ورمسيس الثالث وهزموا في معركتين، لكنهم استطاعوا إسقاط الحيثيين والانتشار في الشام فعلا واستيطانها والذوبان مع أهلها الأصليين بمرور الزمن.
لكن أبرز نتائج هذا الاجتياح كان تدمير مظاهر الحضارة اليونانية في مرحلتها الموكينية على مدار القرن الثاني عشر قبل الميلاد، لتدخل بعدها بلاد اليونان في عصور مظلمة ومجهولة تماما لحوالى قرنين وأكثر من الزمن، انتهت فيها الكتابة اليونانية القديمة المعروفة باسم “Linear B”. وهكذا لم يكتب حتى سجل تاريخي واحد يمكن من خلاله فهم تلك الفترة أو معرفة ماذا حدث فيها بالضبط، ومن دون أن تخلف أي بادرة أو إشارة لوجود حضارة في هذه المناطق حتى القرن الثامن قبل الميلاد تقريبا، وهي الفترة التي اقتبس فيها اليونانيون الأبجدية اليونانية من الفينيقية وبدأوا في التدوين والكتابة، وحتى في تأليف الملاحم الشعرية التي انتقلت شفاهة وكانت تمجد التاريخ القديم ومرحلة قبل الغزو، ومن هذه الملاحم "الإلياذة" و"الأوديسة" لهوميروس.





