بينما كان يصطف مئات الآلاف حول العالم في طوابير أمام صالات السينما، لمشاهدة قصة الملك التائه أوديسيوس ورحلة عودته الملحمية إلى مملكته وعائلته، كان آلاف الشباب، على بعد ثلاثة آلاف عام من ملحمة "الأوديسة"، وإن في بيئة بحرية مشابهة، يتركون كل شيء وراءهم، ويسبحون للوصول إلى "وطن" آخر متخيل، أي أنه في رأسهم فقط، وربما على شاشات هواتفهم، يرون فيه أرض الأحلام الموعودة. بين التوق إلى العودة إلى الأوطان، والتضحية حتى بالخلود لهذه الغاية، وبين التخلي الاضطراري عن الأوطان، مسافة شاسعة، تطرح علينا فكرة الهوية والانتماء في عصرنا هذا. إلا أن هناك عنصرا مشتركا بين الأمرين، وهو فكرة الثمن الذي ندفعه لهذا الخيار أو ذاك. في الحالتين، ثمة رحلة محفوفة بالمخاطر، وثمة الإغراءات المخاتلة، ثمة احتمال الفناء، وثمة الوصول أو عدم الوصول إلى الخلاص في نهاية المطاف.
مرحبا بكم في عصر الغابات
لم تكن هناك حاجة لوجود لاعبة كرة قدم شابة، بين الضحايا السبعين (بحسب السلطات الإسبانية، والـ 11 بحسب السلطات المغربية)، في كارثة العبور الجماعي (أسماها بعضهم اجتياحا أو غزوا) من المغرب إلى إسبانيا، ليرى العالم حجم المأساة. هذه الفتاة عرف الجميع اسمها، فاتن العزيزي، لكنها مع ذلك بقيت مجهولة، شأن بقية الضحايا. الأرجح أننا لن نعرف قريبا، وربما لن نعرف أبدا، كيف وقعت هذه المأساة على وجه الدقة، وإلى من يجب توجيه أصابع الاتهام. في لعبة السياسة التي رأيناها تتجلى بوضوح في أزمة سبتة، يسهل توجيه الاتهامات، بل يصبح هذا جوهر المسألة.
مواقع التواصل الاجتماعي، العربية والإسبانية والغربية، اكتظت بالتعليقات. بعضها من الواضح كان جزءا من حملة رقمية تريد توجيه "الرأي العام" (ربما الأدق تسميته بالعاطفة العامة) العالمي في هذا الاتجاه أو ذاك. بعضها الآخر كان استحضارا متقطعا للحظات من الكارثة. بعضها الثالث كان يصور بعض الناجين، ممن عادوا من حيث جاؤوا، وهم يروون قصة الجوع والعطش والخديعة التي تعرضوا لها، دون أن يعرف من نسج هذه الخديعة ونفذها.





