حراك جزائري خشية تداعيات كارثية لانقلاب النيجر

التلويح بالحل العسكري عبر التدخل الخارجي يؤرق الجزائر

EPA
EPA
قادة الانقلاب العسكري في خطاب لمؤيديهم خلال تجمع حاشد في ملعب في نيامي، النيجر، 26 أغسطس 2023

حراك جزائري خشية تداعيات كارثية لانقلاب النيجر

كثرت التكهنات والتخمينات واختلفت التوقعات، حول ردّ فعل الجزائر في حال نفّذت "المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا" (إيكواس)، تهديدها بالتدخل العسكري في النيجر. فالمتابعون لتطور الأحداث في هذا البلد يتساءلون، اليوم، عن كيفية تعامل الجزائر مع الوضع في حال فُضّل الخيار العسكري على مسار الحل السياسي والتفاوضي، وعن التداعيات الأمنية والسياسية لتطور الأحداث على الأمن القومي للبلاد.

وعلى الرغم من أن المادة 95 من الدستور الجزائري تنص على أنه "بإمكان الرئيس الجزائري، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، أن يقرر إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج بعد مصادقة البرلمان الجزائري بغالبية ثلثي أعضائه"، فإن عبد السلام بشاغا، النائب عن "حركة مجتمع السلم"، أكبر الأحزاب الإسلامية والمعارضة في البلاد، يستبعد تأييد الجزائر استخدام القوة لحلّ الأزمة في النيجر، ويقول لـ"المجلة": "بحسب العقيدة الدبلوماسية الجزائرية وعقيدة الجيش الجزائري، فإن الخيار العسكري خارج الحدود الجزائرية يبقى مستبعدا في كلّ الحالات مهما تأزمت الأوضاع".

وبالرغم من أن الجزائر معنية، مباشرة، بما يحدث في النيجر، التي تتشارك معها حدودا بطول 951 كيلومترا، (وهي مساحة شاسعة مزروعة بالألغام تشهد تسللا للأفارقة إلى جنوب البلاد ووسطها، وتنتشر فيها تجارة البشر وتهريب الأسلحة والمخدرات)، غير أنها تعتبر أمن النيجر من أمنها، بحسب بشاغا، الذي يؤكد أن الجزائر "تسعى بشتى الطرق إلى حل هذه الأزمة بالطرق السلمية بعيدا عن الخيارات العسكرية، التي أججت بؤر التوتر سابقا، وزادت الوضع تعقيدا واضطرابا".

Getty Images
بدأ وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، في 30 أغسطس/آب الماضي، جولة أفريقية قادته إلى ثلاثة بلدان من مجموعة "إيكواس"

وألقت الجزائر بثقلها الدبلوماسي في القارة السمراء للبحث عن حل لأزمة النيجر، وبدأ وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، في 30 أغسطس/آب الماضي، جولة أفريقية قادته إلى ثلاثة بلدان من مجموعة "إيكواس"، التي تهدد بالتدخل عسكريا في النيجر، وهو السيناريو الذي ترفضه الجزائر رفضا قاطعا، لأنها ترى أنه سيزيد الوضع سوءا، وأنها ستكون المتضرر الأول والرئيس من تداعيات هذا التدخل.

وخلال الجولة، عرض الوزير الجزائري تصورا مبدئيا للحل، يتضمن ضرورة الرجوع إلى المسار الدستوري، وتجسيد حل سياسي سلمي يحول دون العمل العسكري، والحرص على الالتزام بمنع التغييرات غير الدستورية في الدول الأفريقية؛ ويشمل التصور ثلاثة محاور أساسية، وهي سلطات النيجر العسكرية، و"إيكواس" المتحمسة لخيار التدخل العسكري، ومحور آخر يتعلق بالقوى الدولية الداعمة للمساعي السلمية، وتحييد خيار التدخل العسكري.

وكانت الجزائر قد طرحت، في 29 أغسطس/آب الماضي، مبادرة سياسية جديدة لحل الأزمة، تقوم على "تحديد فترة زمنية مدتها ستة أشهر للعودة إلى المسار الدستوري، وعودة العمل السياسي"، على أن تكون هذه الفترة "تحت إشراف سلطة مدنية تتولاها شخصية توافقية، تحظى بقبول كل أطياف الطبقة السياسية في النيجر، وتفضي إلى استعادة النظام الدستوري في البلاد".

طرحت الجزائر، في 29 أغسطس/آب الماضي، مبادرة سياسية جديدة لحل الأزمة، تقوم على "تحديد فترة زمنية مدتها ستة أشهر للعودة إلى المسار الدستوري"، على أن تكون هذه الفترة "تحت إشراف سلطة مدنية تتولاها شخصية توافقية"

وفي إطار حشد الدعم والمساندة للمبادرة الجزائرية، أجرى رئيس الدبلوماسية الجزائرية، أحمد عطاف، اتصالات هاتفية ولقاءات مع فاعلين دوليين ومحليين، أبرزهم مساعدة وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأفريقية، مولي في، والتي أطلعها على العناصر الرئيسة للمبادرة الجزائرية؛ كذلك سلَم عطاف دول "إيكواس" نسخا رسمية من تلك المبادرة، وجدد رغبة الجزائر في التنسيق التّام مع المجموعة.

حظيت المبادرة الجزائرية، مبدئيا، بدعم إيطاليا، إذ قال نائب رئيس الوزراء، وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني، في 31 أغسطس/آب الماضي: "لقد أعربنا عن تقديرنا الكبير لمقترحات الوساطة الجزائرية، دفاعا، وعلى الدوام، عن الديمقراطية".

ويستند الموقف الجزائري الرسمي على سيناريوهات سابقة للتدخلات العسكرية، على غرار ما حصل في مالي وليبيا، باعتبار أن أي تدخل عسكري في المنطقة يشكل تهديدا خطيرا، يجرّ منطقة الساحل والصحراء إلى الفوضى وعدم الاستقرار، كما أنه يشكل تحديا أمنيا للجزائر، يتطلب منها إمكانات مالية ضخمة لتأمين حدودها مع كلّ من ليبيا (982 كيلومترا)، ومالي (1376 كيلومترا)، وموريتانيا (463 كيلومترا)، والنيجر (951 كيلومترا).

كل هذه التحركات الجزائرية، تؤكد بوضوح رغبة الجزائر في تأجيل التدخل العسكري في النيجر؛ ويقول الباحث في العلوم السياسية، عمار سيغة، في حديث لـ"المجلة" إن "أزمة النيجر بالنسبة إلى الجزائر تعتبر متغيرا جيوعسكريا نظرا إلى طول الحدود بين البلدين". وأعرب عن اعتقاده بأن "تفعيل المعطى الأمني في سياقاته المرتبطة بالآلية الدبلوماسية سرّع في احتواء الأزمة، وعزَلها عن أي تأثير خارجي، وأي تدخل أجنبي، لا سيما تحرّك مجموعة "إيكواس" وفق أجندات ضيقة، تمثّل المصالح الغربية في المنطقة، وبالتحديد المصالح الفرنسية".

 

AFP
صورة جماعية لقادة عسكريين في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا خلال الاجتماع الاستثنائي في أكرا، غانا، في 17 أغسطس 2023

 

 

 

ويضيف سيغة أن "تحرّك الخارجية الجزائرية جاء عقب مشاورات أجراها، عطاف، مع قوى دولية تتقاطع مع الجزائر على تأييد الحلّ الدبلوماسي للأزمة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإيطاليا. وفي السياق عينه، زار عطاف نيجيريا وبنين، نظرا لدورهما المهم داخل إيكواس".

وإزاء تعنّت الأطراف في النيجر، وتخندقها إلى جانب قوى دولية تخوض صراعا على النفوذ في أفريقيا، أبرزها روسيا والصين وفرنسا والولايات المتحدة، يقول سيغة: "إن سيناريو التدخل العسكري قد يؤجج الصراع، ويوفّر بيئة أمنية ملائمة لإعادة إحياء نشاط الجماعات المسلحة، مثل تنظيم داعش، وتنظيم بوكو حرام، وتنظيم القاعدة، في الساحل الأفريقي".

ونظرا إلى التنوع العرقي في النيجر، حيث توجد خمسة أعراق، لا يستبعد سيغة إمكان دخول قبائل "الهوسا" المتمركزة، حالياً، في جنوب شرقي النيجر، وكذلك "الطوارق"، في مواجهة مع قوات "إيكواس"، والقوات الفرنسية التي نُقلت من مالي إلى النيجر.

ولذلك تسعى الجزائر، بحسب سيغة، إلى تجنيب المنطقة المزيد من الأزمات والتوتر، حيث أرسلت أمين عام وزارة الخارجية إلى النيجر، بغية طرح وجهة النظر الجزائرية بشأن الحل الدبلوماسي للأزمة.

ألقت الجزائر بثقلها الدبلوماسي في أفريقيا للبحث عن حل لأزمة النيجر، وبدأ وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، في 30 أغسطس/آب الماضي، جولة أفريقية قادته إلى ثلاثة بلدان من مجموعة "إيكواس"

ماذا ستفعل الجزائر؟

وعمّا إذا كانت الجزائر ستتخذ موقفا عسكريا في حال عدم التوصل إلى حلّ سلمي يرضي جميع الأطراف، يقول أستاذ العلوم السياسية في "جامعة الأغواط" الجزائرية، علي بقشيش، لـ"المجلة": "موقف الجزائر من الانقلاب واضح، فهي ترفضه وتطالب بالعودة إلى النظام الدستوري".

ويضيف: "الجزائر لم تتحرّك عسكريا في دول الجوار، نظرا إلى تداعيات ذلك على أمنها القومي". ويؤكد أن "دور الجيش الجزائري سيقتصر على تأمين الشريط الحدودي، وإقامة نقاط مراقبة متقدمة للكشف والاستطلاع".

ومنذ إشهار فرنسا و"إيكواس"، ورقة التدخل العسكري في النيجر، تداولت تقارير إعلامية أجنبية، أخبارا عن تحركات لمجموعات إرهابية تابعة لتنظيمي "القاعدة"، و"داعش"، في منطقة الساحل.

وكان الجيش الجزائري قد أكّد، تزامنا مع بداية الاضطرابات الأمنية في دولة النيجر، استعداده لمواجهة أي خطر يمسّ بالجزائر.

وقال الفريق أول السعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، خلال تفقده الناحية العسكرية الأولى في ولاية البليدة غربي العاصمة الجزائرية: "إن الجيش الوطني سيبقى دائما وأبدا على استعداد لمواجهة أي خطر، قد يمس بأمن وسلامة البلاد مهما كان نوعه وحجمه حفاظا على وديعة الشهداء، وضمانا لمستقبل الأجيال القادمة".

font change

مقالات ذات صلة