في أكتوبر/ تشرين الأول 1963 توقفت باريس توقفا يوازي ما عرفته المدينة مع نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد غصت الشوارع المؤدية إلى مقبرة "بير لاشيز" بما يزيد على مئة ألف إنسان، وشهد شارل أزنافور أن حركة السير في باريس بأكملها جمدت خلال تلك الساعات. في هذه الأثناء صعد صوت المغنية المشيعة من نافذة مقهى قريب وجهاز مذياع في بيت مجاور، متحررا من الجسد المسجى في التابوت ومحتفظا بكامل حضوره. هذا الحشد الهائل رآه كثيرون صورة مكثفة لفرنسا الشعبية التي عرفوها، فرنسا الخارجة من حربين وتغني رغم كل شيء، مشهدا يفوق وداع مغنية راحلة.
بلغ طولها 142 سنتيمترا وبدت في آخر صورها أقرب إلى عجوز في السبعين منها إلى كهلة في السابعة والأربعين، مع ذلك وقفت طوال ربع قرن على أكبر مسارح باريس ونيويورك وملأت بصوتها العاتي الصادر من جسدها النحيل القاعة بأكملها، فينسى المستمع أنه يصغي إلى امرأة بالكاد تظهر فوق الحاجز الخشبي للمسرح. وقد وصفها نقاد تلك الحقبة بأن صوتها يشغل المسرح بأكمله فور صعودها إليه، ونسبوا ذاك الصدى الهائل إلى جسد آخر أكبر بكثير وأشد متانة من جسدها الحقيقي.
كثيرون اليوم لا يزالون يحتفظون بهذا الصوت في هواتفهم أو على أقراص مدمجة، وذلك على شكل تسجيلات رقمية تنتمي إلى مستقبل بعيد عما عرفته حنجرة إديت بياف حين أطلقت لها العنان في ملهى صغير بباريس. هذا الصوت أيضا تقترحه خوارزميات الاستماع الرقمي في "يوتيوب" أو ما يشبهه على آذان ربما تسمع باسمها للمرة الأولى، تماما كما اقترحه المذياع يوما على آذان عرفت صوتها وحده دون وجهها. يعبر الصوت السنوات محتفظا بنضارته الأولى، في حين تشيخ الصور الفوتوغرافية وتصفر، وتذبل ذاكرة من عرفوها عن قرب واحدا تلو الآخر، وبين ما يبلى من الإنسان وما يبقى محفوظا من أثره لا بد من وقفة طويلة قبل أن نظن أنه في وسعنا الفصل بسهولة بين القوة التي أسمعتنا إياها والهشاشة التي أخفتها عنا.
صوت يكبر جسدها
طوال تاريخ الغناء وإلى ما قبل القرن العشرين، ارتبط الصوت بجسده ارتباطا وثيقا، ففي كل مسرح وملهى كان المستمع يرى العنق التي تصدر النغمة والرئة التي تدفعها، فتتشكل القوة أو الضعف من التقاء الاثنين معا. هذه المعادلة غيّرها المذياع تغييرا جذريا في العقود الأولى من القرن حين بدأ صوت واحد يبلغ آلاف البيوت دفعة واحدة متجردا من جسد يرافقه أو وجه يفسره. مع هذا التحول خسر المستمع قدرته على قراءة التعب في نفس متقطع أو ارتعاشة في حنجرة، لكنه في المقابل ربح صوتا باتت إمكاناته أوسع من حدود أي جسد بعينه.



