مأرب… قلب الطاقة اليمنية وثروة الغاز في حسابات الحرب والاقتصاد

السيطرة على مأرب تمنح الحوثيين فرصة للوصول إلى موارد الطاقة اليمنية، وتوسيع نفوذهم الاقتصادي والعسكري

رويترز
رويترز
جنود يمنيون يقفون أمام معبد القمر الذي يعود تاريخه إلى 3,000 عام في محافظة مأرب باليمن، 16 أكتوبر 2015

مأرب… قلب الطاقة اليمنية وثروة الغاز في حسابات الحرب والاقتصاد

مثّلت محافظة مأرب الغنية بالنفط والغاز أحد أبرز أهداف الحوثيين المدعومين من إيران، منذ انقلابهم على السلطة الشرعية واجتياح صنعاء ومحافظات عدة في سبتمبر/أيلول 2014، وما تلاها من حرب دامية في مارس/آذار عام 2015. فهي تضم حقولا نفطية ومنشآت لإنتاج الغاز الطبيعي ومعالجته، ومصفاة لتكرير النفط ومحطة كهرباء غازية، مما يجعلها أحد أبرز مراكز إنتاج الطاقة والموارد الهيدروكربونية في اليمن.

وسعى الحوثيون، الذين تمكنوا خلال سنوات الحرب من بسط سيطرتهم على عدد من مديريات محافظة مأرب، إلى اجتياح مدينة مأرب، مركز المحافظة الإداري، لما تتمتع به من ثقل سياسي واقتصادي وعسكري، باعتبارها أحد أبرز معاقل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في شمال البلاد، إلى جانب مدينة تعز، التي لا تزال أجزاء واسعة منها خاضعة للقوات الحكومية رغم تعرضها لحصار وضغوط عسكرية متصاعدة.

وتعود الأهمية التاريخية لمأرب إلى كونها عاصمة مملكة سبأ القديمة، التي ازدهرت في جنوب الجزيرة العربية بين القرن الثامن قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي وفق الأونيسكو، واستمدت جانبا كبيرا من ثروتها ونفوذها من سيطرتها على تجارة البخور والمرّ عبر طرق التجارة التي ربطت جنوب الجزيرة العربية بالبحر المتوسط وشرق أفريقيا، فضلا عن دور تجار جنوب الجزيرة العربية في نقل التوابل والسلع الثمينة من الهند وشرق أفريقيا والشرق الأقصى عبر طرق التجارة القديمة. وفي القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، شيّد السبئيون سد مأرب بنظام هندسي متطور لتنظيم مياه السيول وتوزيعها على الأراضي الزراعية، في إنجاز يُعد من أبرز الشواهد على تطور الهندسة المائية في العالم القديم.

لم تقتصر أهمية مأرب بالنسبة للحوثيين على موقعها الاستراتيجي، بل امتدت إلى مواردها النفطية والغازية ومنشآت الطاقة والبنية التحتية المرتبطة بها، والتي تشمل شركة صافر لعمليات الاستكشاف والإنتاج، ومنشآت معالجة الغاز في القطاع 18، المرتبطة بمشروع اليمن للغاز الطبيعي المسال الذي تُنقل إمداداته عبر خط أنابيب إلى منشأة التسييل في بلحاف بمحافظة شبوة، إضافة إلى محطة مأرب الغازية لتوليد الكهرباء. وتضم المحافظة أيضاً سد مأرب الجديد، الذي افتُتح رسميا في ديسمبر/كانون الأول 1986 بتمويل ودعم من دولة الإمارات العربية المتحدة، في مشروع لإحياء النشاط الزراعي وتنظيم مياه السيول.

تشكل مأرب كتلة سكانية كبيرة، إذ ازداد عدد سكانها إلى 3.15 ملايين شخص وفق تقديرات رسمية، معظمهم من النازحين بسبب الحرب، بعدما كان عددهم 238,522 شخص حسب تعداد عام 2004 وهو آخر تعداد عام للسكان والمساكن والمنشآت في اليمن

في مارس/آذار 2021، عرض القيادي الحوثي، محمد علي الحوثي "وثيقة النقاط التسع" الخاصة بمأرب، وتضمنت شروطاً- لم تلقَ قبولا من "أبناء الشعب اليمني" حسب تصريحه على "تويتر"- لوقف القتال في مأرب، بينها "فتح حساب موحد لجميع الإيرادات النفطية والغازية، وإنجاز آلية مشتركة لضبط هذه الإيرادات بما يضمن تخصيصها لدفع الرواتب في عموم الجمهورية، والشروع في إصلاح شبكة كهرباء محطة مأرب الغازية وإعادة ربطها بصنعاء، وإصلاح الأنابيب النفطية وإعادة ضخ النفط من صافر إلى رأس عيسى (الخاضع لسيطرة الحوثيين)، وترتيب إجراءات عادلة للإفراج عن الأسرى والجثامين كافة في أحداث مأرب الأخيرة بين الجانبين".

ما أهمية مأرب الاقتصادية؟

تقع محافظة مأرب إلى الشمال الشرقي من العاصمة صنعاء، وتبعد عنها بحدود 173 كيلو مترا، ويشكل سكان المحافظة ما نسبته 1.2 في المئة من إجمالي سكان اليمن، وعدد مديرياتها 14 مديرية، وفقا للمركز الوطني للمعلومات "اليمني".

تشكل مأرب كتلة سكانية كبيرة، إذ ازداد عدد سكانها إلى 3.15 ملايين شخص وفق تقديرات رسمية، معظمهم من النازحين بسبب الحرب، بعدما كان عددهم 238,522 شخص حسب تعداد عام 2004 وهو آخر تعداد عام للسكان والمساكن والمنشآت في اليمن.

رويترز
أحد شوارع مدينة مأرب، اليمن 24 سبتمبر 2026

واضطر آلاف اليمنيين- بينهم شخصيات سياسية واجتماعية ومعارضون وناشطون- للهروب من بطش الحوثي والإقامة في مأرب، مما فرض ضغوطا كبيرة على البنية التحتية والخدمات الأساس كالماء والكهرباء والصحة والتعليم.

وتحولت نقاط التماس بين القوات الحكومية والحوثيين التي شهدت هدوءا نسبيا منذ الهدنة الأممية عام 2022، إلى جبهات قتال متصاعدة بالتزامن مع التصعيد العسكري الذي شهدته جبهات تعز ولحج والضالع في سبتمبر/ أيلول الماضي. وتواصل التصعيد مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي  عملية "فجر اليمن" في 5 من أكتوبر/ تشرين الأول، بهدف استعادة العاصمة صنعاء، وبسط سلطة الدولة على كامل التراب اليمني، وإنهاء سيطرة جماعة الحوثي.

مأرب بالنسبة للحوثيين ليست مجرد محافظة إضافية يريدون ضمها إلى مناطق سيطرتهم، بل هي عقدة سياسية وعسكرية واقتصادية ظلت عصية عليهم طوال سنوات الحرب. فسيطرتهم عليها ستعني عمليا إضعاف آخر مركز ثقل رئيس للحكومة في شمال اليمن

غمدان اليوسفي، صحافي وكاتب يمني

ووفق تقديرات الخبراء فإن خريطة السيطرة في محافظة مأرب تتوزع على الجيش الوطني بنسبة 65 في المئة (35 في المئة منها مناطق صحراوية لا قيمة عسكرية لها) و35 في المئة تحت سيطرة الحوثيين.

ورأى الصحافي والكاتب اليمني غمدان اليوسفي في تصريح خاص إلى "المجلة" أن مأرب بالنسبة للحوثيين "ليست مجرد محافظة إضافية يريدون ضمها إلى مناطق سيطرتهم، بل هي عقدة سياسية وعسكرية واقتصادية ظلت عصية عليهم طوال سنوات الحرب. فسيطرتهم عليها ستعني عمليا إضعاف آخر مركز ثقل رئيس للحكومة في شمال اليمن، وستمنحهم مساحة جغرافية واسعة تمتد شرقا في اتجاه محافظتي شبوة وحضرموت، وتغير بصورة كبيرة ميزان القوى في أي تسوية سياسية مقبلة".

وشرح أن مأرب "تكتسب أهمية استثنائية لوجود أهم منشآت إنتاج النفط والغاز فيها، ومنشآت صافر والقطاع 18 ومصفاة مأرب ومحطة مأرب الغازية، فضلا عن كونها مصدرا رئيسا للغاز المنزلي الذي يصل إلى مختلف المحافظات اليمنية. ولذلك فإن السيطرة عليها بالنسبة للحوثيين تعني الحصول على مورد اقتصادي مهم وتقليل اعتماد مناطق سيطرتهم على موارد تأتي من مناطق الحكومة".

رويترز
منشأة نفطية في حقل صافر النفطي، في محافظة مأرب، 30 سبتمبر 2020

لكن هناك بعدا آخر لا يقل أهمية لفت إليه غمدان اليوسفي وهو "البعد الرمزي. فالحوثيون حاولوا الوصول إلى مدينة مأرب في أكثر من مرحلة، وخصوصا خلال معارك 2020 و2021، ودفعوا أثمانا بشرية وعسكرية كبيرة دون تحقيق هذا الهدف. ولهذا تحولت مأرب إلى واحدة من أبرز علامات تعثر مشروع التوسع الحوثي، والسيطرة عليها إن حدثت ستكون بالنسبة لهم انتصارا سياسيا ومعنويا يتجاوز القيمة الجغرافية للمحافظة". تتصل مأرب بمحافظة الجوف من الشمال، ومحافظتي شبوة والبيضاء من الجنوب، ومحافظتي حضرموت وشبوة من الشرق، ومحافظة صنعاء من الغرب.

وخلص اليوسفي إلى أن مأرب "تختلف كثيرا عن الساحل الغربي. هناك تركيبة قبلية واجتماعية مختلفة، وتجربة قتالية تراكمت خلال سنوات من مواجهة الحوثيين، كما أن القوات الموجودة في المحافظة تعرف طبيعة الأرض وخاضت معارك شديدة في الجبهات نفسها. كذلك فإن مأرب بالنسبة للحكومة وللقوى المناهضة للحوثيين ليست جبهة يمكن تعويض خسارتها بسهولة، بل إن خسارتها ستحدث تحولا استراتيجيا في الحرب، ولهذا ستكون معركة الدفاع عنها مختلفة في حجمها وحساباتها".

إمدادات الغاز إلى منشأة بلحاف بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني 2008، واستمرت حتى توقف تصدير الغاز الطبيعي المسال في أبريل/نيسان 2015، ثم حافظت شركة "صافر" على إمدادات محدودة لتبقى المنشأة في حالة تشغيلية

سالم كعيتي، المدير العام التنفيذي في شركة "صافر"

تشكل الزراعة النشاط الرئيس لسكان المحافظة التي تحتل المرتبة الثالثة بين محافظات اليمن في إنتاج المحاصيل الزراعية بنسبة 7.6 في المئة في المئة من إجمالي الإنتاج بعد محافظتي الحديدة وصنعاء، وأهم محاصيلها الفواكه والحبوب والخضروات، ويوجد في أراضيها بعض المعادن من أهمها الغرانيت، والاسكوريا، والملح الصخري، والجبس، والرخام والتلك. وعلى الرغم من أن الزراعة توظف الكثير من القوى العاملة في مأرب ولكن أكبر مساهم في الناتج المحلي الإجمالي لمأرب يأتي من إنتاج النفط.

وتعد محافظة مأرب، ومساحتها نحو 17,405 كليومترات مربعة أولى المحافظات اليمنية التي اكتشف فيها النفط، وبدأ إنتاجه في عام 1986.

وسجلت محافظة مأرب نسبة انتشار للفقر متعدد الأبعاد بلغت 71.9 في المئة، فيما وصلت شدة الفقر فيها إلى 40.5 في المئة، وفق تقرير "قياس الفقر المتعدد الأبعاد في اليمن" الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ديسمبر/كانون الأول 2023، استنادا إلى بيانات مسح التنمية البشرية لعام 2021.

"صافر"... أكبر منتج للنفط والغاز

تعد "شركة صافر لعميات الاستكشاف والإنتاج" أكبر منتج للنفط الخام والغاز الطبيعي في اليمن، وثاني أكبر منتج للنفط في اليمن. وبدأت الشركة تشغيل وإدارة القطاع النفطي رقم 18 في منطقة مأرب–الجوف في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، عقب انتهاء اتفاقية التشغيل مع شركة "هنت أويل" الأميركية، التي استمرت 20 عاما منذ توقيعها في سبتمبر/أيلول 1981. تقع منطقة صافر في الجهة الشرقية من محافظة مأرب، وتحديدا على بعد نحو 60-65 كلم  كليومترا شرق مدينة مأرب. وتبرز المنطقة كهدف استراتيجي واقتصادي متجدد في خريطة الصراع العسكري باليمن نظرا لاحتوائها على الموارد الكبرى للطاقة.

رويترز
نازحة يمنية تقف خارج مسكنها ضمن مخيم للنازحين في مأرب باليمن، 28 أكتوبر 2024

وتشير البيانات المنشورة على الموقع الإلكتروني لشركة "صافر" إلى أنها حفرت 90 بئرا من إجمالي 738 بئرا في القطاع 18، وبلغ إنتاجها التراكمي خلال الفترة من 2005 إلى 2013 نحو 116 مليون برميل من النفط الخام، و46 مليون برميل من غاز البترول المسال، إضافة إلى 200 مليون برميل مكافئ نفط من الغاز الطبيعي المسال. كما تشير بيانات الشركة إلى توريد 10 آلاف برميل من النفط الخام إلى مصفاة مأرب، و1,200 متر مكعب من الغاز المسال إلى منشأة بلحاف، و75 مليون قدم مكعب من الغاز إلى محطة مأرب الكهربائية.

وأوضحت شركة "صافر" في بيان مديرها العام التنفيذي سالم كعيتي الى أن إمدادات الغاز إلى منشأة بلحاف بدأت في نوفمبر/تشرين الثاني 2008، واستمرت حتى توقف تصدير الغاز الطبيعي المسال في أبريل/نيسان 2015، ثم حافظت الشركة على إمدادات محدودة لتبقى المنشأة في حالة تشغيلية.

أنشأت مصفاة نفط في مأرب عام 1986 بطاقة إنتاجية تقدر بنحو 10 آلاف برميل يوميا، لإنتاج بنزين، وديزل، ومازوت، وذلك لقربها من حقول النفط المنتجة في قطاع 18 بمأرب، لأغراض توفير إحتياجات العمليات البترولية

ويقول كعيتي إنه منذ اندلاع الحرب في اليمن، استطاعت الشركة، بكوادرها اليمنية، تجاوز التحديات الأمنية والمالية والفنية خلال سنوات الحرب، واستمرت منشآت الإنتاج وجميع العمليات التشغيلية بالعمل دون انقطاع.

وبصفتها المشغل الأعلى للقطاع 18، بدأت "صافر" في نوفمبر/تشرين الثاني 2008 ضخ الغاز الطبيعي عبر خط الأنابيب إلى منشأة بلحاف على بحر العرب لغرض تصدير الغاز المسال، واستمر ذلك حتى توقف عمليات التصدير في أبريل/نيسان 2015. وبعد ذلك، حافظت الشركة على تغذية المنشأة بكميات محدودة من الغاز لضمان بقاء مرافق بلحاف في وضع تشغيلي.

ومع بداية الحرب، توقف تصدير النفط الخام عبر ميناء رأس عيسى على البحر الأحمر. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2019، استأنفت الشركة تصدير النفط الخام عبر النقل البري إلى منشآت القطاع 4، ثم عبر خط الأنابيب إلى ميناء النشيمة على بحر العرب. ولاحقا، في يوليو/تموزتموز 2023، بدأت "صافر" استخدام خط أنابيب بقطر 12 بوصة لربط القطاع 18 بالقطاع 5 لتزويد مدينة عدن النفط الخام لتوليد الكهرباء.

رويترز
منشأة للغاز الطبيعي المسال المخصص لتصدير، بالقرب من ميناء بلحاف جنوب شرق اليمن، 19 نوفمبر 2008

وكانت شركة "هنت أويل" أنشأت مصفاة نفط في مأرب عام 1986 بطاقة إنتاجية تقدر بنحو 10 آلاف برميل يوميا، لإنتاج بنزين، وديزل، ومازوت، وذلك لقربها من حقول النفط المنتجة في قطاع 18بمأرب، لأغراض توفير إحتياجات العمليات البترولية، وتوفير جزء من إحتياجات الإستهلاك المحلي. سلمت المصفاة إلى الحكومة عام 1995، بعد إنتهاء عقد التشغيل الموقع مع "هنت أويل".

مشروع الغاز الطبيعي المسال… الاستثمار الأكبر

في عام 2009 تم الانتهاء من تنفيذ مشروع الغاز الطبيعي المسال الاستراتيجي والمهم. اشتمل المشروع الذي استغرق إنشاؤه 5 سنوات على تشييد وبناء معملين لتسييل الغاز الطبيعي بسعة 6.7 مليون طن متري في السنة في ميناء بلحاف بمحافظة شبوة على البحر العربي مع المرافق التابعة ومد خط أنبوب من منبع إنتاج الغاز بقطاع 18 في مأرب إلى ميناء بلحاف في شبوة بطول 320 كيلومترا وبكلفة إجمالية للمشروع قدرها 4.5 مليار دولار. وكان هناك خطة تتوقع زيادة إيرادات بيع الغاز من 158.5 مليون دولار في عام 2010 إلى 465.1 مليون دولار عام 2015.

رجّحت الدراسات المتعلقة بمشروع الغاز الطبيعي المسال الذي وصف بأنه أكبر مشروع اقتصادي واستثماري في اليمن، أن تصل إيراداته الإجمالية بالنسبة لليمن إلى نحو 60 مليار دولار خلال 20 سنة من تشغيله

ورجّحت الدراسات المتعلقة بالمشروع الذي يوصف بأنه أكبر مشروع اقتصادي واستثماري في اليمن، أن تصل إيراداته الإجمالية بالنسبة لليمن إلى نحو 60 مليار دولار خلال 20 سنة من تشغيله، وذكرت الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال أن إيرادات الحكومة اليمنية ستصل إلى أرقام تقديرية تصل من 30-50 مليار دولار خلال فترة المشروع، فيما قدّر البنك الدولي الإيرادات الحكومية المحتملة بنحو 8 إلى 20 مليار دولار خلال فترة اتفاقية بيع وشراء الغاز البالغة 20 عاما، وفق سيناريوهات مختلفة للأسعار والتكاليف.  

تم إنشاء الشركة اليمنية للغاز الطبيعي المسال "Yemen LNG" في العام 1995 بعد إعلان مناقصة دولية في اليمن كانت تهدف للاستفادة من مخزون اليمن من احتياطي الغاز في القطاع رقم 18، بمحافظة مأرب. في مارس/آذار 1995، وقّعت الحكومة اليمنية وشركة "توتال" الفرنسية اتفاق التزام لتنفيذ مشروع الغاز الطبيعي المسال بقيادة "توتال". ثم انضمت شركات "هنت" و"إكسون" و"يوكونغ" إلى المشروع خلال عام 1996. وأتاح المشروع لليمن دخول سوق تصدير الغاز الطبيعي المسال العالمية.

ويتضمن شركاء المشروع كلا من الشركة اليمنية للغاز المملوكة للدولة بنسبة 16.73 في المئة، والهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية والمعاشات بنسبة 5 في المئة، وشركة "هنت" الأميركية بنسبة 17.22 في المئة، وشركة "كوجاز" الكورية بنسبة "6 في المئة، وشركة "إس كي" الكورية بنسبة 9.55 في المئة، وشركة "هيونداي" الكورية بنسبة 5.88 في المئة، فضلا عن شركة "توتال" الفرنسية بنسبة 39.62 في المئة.

رويترز
مضخة تنقيب في حقل صافر النفطي، في صحراء مأرب، اليمن 30 سبتمبر 2020

تم تنفيذ المشروع الذي مثّل في حينه أكبر استثمار صناعي يقام في تاريخ اليمن وبتكلفة كانت تعتبر واحدة من أدنى تكاليف إنشاء المشاريع المماثلة في العالم مستفيدا من ظروف السوق المواتية بوقتها. وفي 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2009 صدر اليمن أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال.

بالإضافة لإيرادات الدولة، فقد ساعد المشروع في خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة لليمنيين. وخلال مرحلة التشغيل، وفّر نحو 700 وظيفة دائمة، إضافة إلى مئات الفرص لدى الشركات المتعاقدة لتقديم الخدمات والصيانة، مع إعطاء الأولوية لتوظيف الكوادر اليمنية.

تعرضت خطوط نقل الكهرباء بجهد 400 كيلوفولت بين مأرب وصنعاء لأكثر من 100 اعتداء خلال عام 2011، معظمها بإطلاق النار أو استخدام أسلاك معدنية لإحداث تماس كهربائي. وأدى ذلك إلى تعطل الخطوط معظم العام

تقرير مشترك للبنك الدولي وشركاء دوليين

وبعد أكثر من عقد على توقف صادراته، لا يزال مشروع اليمن للغاز الطبيعي المسال في حالة تعليق، إذ لم تستأنف منشأة بلحاف عملياتها التجارية منذ أبريل/نيسان 2015، فيما تواصل الشركة الحفاظ على أصولها في انتظار تحسن الظروف الأمنية. ورغم أن عقود بيع الغاز الأصلية أُبرمت لمدة 20 عاما، فإن توقف المشروع بسبب الحرب أعاد تشكيل أفقه الزمني والاستثماري؛ إذ أفادت تقارير في يناير/كانون الثاني 2026 بتمديد فترة المشروع التعاقدية حتى عام 2044، مع استمرار المساهمين الكوريين في تحمل تكاليف الحفاظ على استثماراتهم. ويطرح ذلك تساؤلات حول فرص إعادة تشغيل أحد أكبر الأصول الصناعية في اليمن، وحجم الاستثمارات والترتيبات المطلوبة لإعادته إلى سوق الغاز العالمية.

محطة مأرب الغازية.. المزود الرئيس للكهرباء

خلال الفترة 2007- 2010 تم استكمال إنشاء محطة مأرب الغازية المرحلة الأولى بقدرة 341 ميغاواط (المزود الرئيس للكهرباء) وخطوط نقل مأرب- صنعاء 400 كيلوفولت بطول 200 كيلومتر، وبتكلفة إجمالية بلغت 159 مليون دولار بتمويل مشترك من قبل الحكومة اليمنية و"الصندوق السعودي للتنمية" و"الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي" (الكويتي). بالإضافة إلى ذلك، وبحسب البنك الدولي، بلغت تكلفة خطوط النقل 59.8 مليون دولار، ومحطات التحويل 45.8 مليون دولار. وبذلك تصل التكلفة الإجمالية لهذه المكونات الثلاثة إلى نحو 264.6 مليون دولار. وذكر تقرير الحكومة اليمنية المقدم إلى الأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول 2010 أن المحطة بدأت التشغيل مطلع 2010، لكن قدرتها التشغيلية عند بدء العمل كانت 241 ميغاواط، وأن نسبة إنجاز مشروع خطوط النقل ومحطات التحويل بلغت 91 في المئة.

أ.ف.ب
يمني يقف على مشارف سد مأرب الكبير، في محافظة مأرب شرق اليمن، 28 سبتمبر 2015

وخلال أحداث ما يعرف بـ"الربيع العربي" عام 2011  تعرضت خطوط النقل لعمليات تخريبية متكررة مما تسبب في قطع الكهرباء العامة عن صنعاء. ويذكر تقرير مشترك للبنك الدولي وشركاء دوليين أن خطوط نقل الكهرباء بجهد 400 كيلوفولت بين مأرب وصنعاء تعرضت لأكثر من 100 اعتداء خلال عام 2011، معظمها بإطلاق النار أو استخدام أسلاك معدنية لإحداث تماس كهربائي.

وأدى ذلك إلى تعطل الخطوط معظم العام. وكانت صنعاء تعتمد بدرجة كبيرة على محطة مأرب الغازية، ولذلك كان اضطراب إمدادات الكهرباء فيها أشد من مدن رئيسة أخرى. ويشير تقرير البنك الدولي إلى أن إمدادات الكهرباء انخفضت إلى نحو النصف خلال أزمة 2011. وتعرضت خطوط مأرب–صنعاء لاعتداء جديد في 25 فبراير/شباط 2012، أي قبل يومين من مراسم تولي هادي الرئاسة، مما تسبّب في خروج محطة مأرب عن الخدمة. كما سُجلت اعتداءات أخرى في مارس/آذار ومايو/أيار من العام نفسه.

دفعت الانقطاعات بالتيار الكهربائي كثيرا من السكان والمنشآت إلى الاعتماد على المولدات الخاصة لتأمين احتياجاتهم من الكهرباء. واستمرت الأزمة خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت تولي عبد ربه منصور هادي الرئاسة في 27 فبراير/شباط 2012، مع تواصل الاعتداءات على خطوط النقل وتعطل إمدادات الكهرباء.

برز فرص لاستغلال الغاز المصاحب الذي يُحرق خلال عمليات الإنتاج، إذ يبحث البنك الدولي ووزارة النفط اليمنية إمكانات استعادة الغاز المحروق في حقول مأرب وشبوة واستخدامه في توليد الكهرباء

وفي 13 أبريل/نيسان 2015، أي بعد نحو 18 يوما من اندلاع الحرب، خرجت محطة مأرب الغازية عن الخدمة إثر اعتداءات استهدفت خطوط نقل الكهرباء، مما أدى إلى انقطاع التيار عن الشبكة الوطنية. وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، عادت المحطة إلى العمل بعد توقف دام نحو ستة أشهر، إلا أن الأضرار التي لحقت بخطوط النقل حالت دون استئناف إمداداتها إلى صنعاء والمحافظات المرتبطة بالشبكة الوطنية، فيما بدأت الكهرباء تعود تدريجياً إلى محافظة مأرب عبر مصادر توليد محلية.

مأرب تراهن على تطوير موارد الغاز وتعظيم الاستفادة منها محليا

في إطار تعزيز الاستفادة من موارد الغاز في محافظة مأرب وتطوير إمدادات السوق المحلية، أعلنت الشركة اليمنية للغاز استكمال أعمال التطوير والصيانة في منشأة تعبئة الغاز بصافر، ورفع طاقتها التشغيلية من 600 إلى 1,000 أسطوانة في الساعة، باستثمارات بلغت نحو 250 ألف دولار، بهدف زيادة كميات الغاز المنزلي المتاحة وتحسين كفاءة عمليات التعبئة والتوزيع.

أ.ف.ب
أرصفة التحميل في ميناء مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر في اليمن، 28 مايو 2022

وفي مسار آخر، تبرز فرص لاستغلال الغاز المصاحب الذي يُحرق خلال عمليات الإنتاج، إذ يبحث البنك الدولي ووزارة النفط اليمنية إمكانات استعادة الغاز المحروق في حقول مأرب وشبوة واستخدامه في توليد الكهرباء. ويشير التقييم الفني إلى إمكان استعادة نحو 70 مليون قدم مكعبة يوميا من الغاز على مستوى الحقول المشمولة بالدراسة، بما قد يوفر وقوداً لتوليد نحو 600 ميغاواط، مما يمثل نحو نصف قدرة شبكة اليمن، من دون تحديد حصة مأرب وحدها من هذه الكميات أو الانتقال إلى مرحلة التنفيذ حتى الآن.

كذلك، ناقشت شركة "صافر" في يونيو/حزيران 2026 مع وفد أوروبي فرص التعاون الفني والاستثماري لتحديث البنية التحتية لقطاع النفط والغاز، ورفع كفاءة التشغيل ونقل التكنولوجيا وتطوير الكوادر المحلية، إلا أن هذه المناقشات لم تسفر بعد وفق المعلومات المعلنة، عن مشروع استثماري محدد بميزانية وجدول زمني للتنفيذ.

font change

مقالات ذات صلة