وانغ هونينغ... أيديولوجيا صامتة تشارك في صنع القرار بالصين

الفيلسوف الذي راهن على الزمن

(رويترز/"المجلة")
(رويترز/"المجلة")
رئيس المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، وانغ هونينغ، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر في قاعة الشعب الكبرى ببكين، الصين، في 4 مارس 2026

وانغ هونينغ... أيديولوجيا صامتة تشارك في صنع القرار بالصين

تراوحت الألقاب التي أُطلقت على وانغ هونينغ، لا سيما من قبل بعض المتابعين الغربيين للشأن الصيني، من "المثقف الأكثر تأثيرا في العالم" إلى "الحاكم الخفي"، مرورا بتوصيفات أكثر واقعية مثل "القيصر الأيديولوجي" للصين أو "العقل الفكري خلف رؤية شي جينبينغ"، لكن بالنسبة لبعض الصينيين، فإن الدور الذي يؤديه وانغ ليس أمرا مستحدثا ولا يحتاج إلى كثير من الشرح، ففي التراث السياسي الصيني، كان لقب "غوه شي"، أي "مرشد الأمة" أو "معلم الدولة"، يُمنح لشخصية تعتبر من بين الأكثر حكمة وعلما، تكلف بتقديم النصح الاستراتيجي والروحي للإمبراطور وتساهم في صياغة فلسفة الحكم.

أما وانغ تحديدا، فيطلق عليه بعض الصينيين اصطلاحا لقب "سان تشاو دي شي"، وترجمته الحرفية "معلم ثلاثة أباطرة"، في استعارة تعود إلى تقاليد العهد الإمبراطوري، للدلالة على دوره كمستشار فكري لثلاثة زعماء صينيين متعاقبين: جيانغ زيمين، وهو جينتاو، وشي جينبينغ.

"سلام شنغهاي"

هذا الدور الكبير لوانغ، وقدرته على كسب ثقة ثلاثة رؤوساء تعود إلى مسيرته الاستثنائية التي شكلت شخصيته كأكاديمي مستقل و"مثقف عام" غزير الإنتاج، قبل أن يُستدعى إلى تشونغنانهاي في عام 1995 في النصف الثاني من عهد جيانغ زيمن.

ولد وانغ في مدينة شنغهاي لعائلة "كوادر ثورية"، فوالده ووالدته اللذان ينحدران من مقاطعة شانغدونغ، انضما إلى الحزب خلال الحرب الأهلية وقاتلا في صفوف الجيش الأحمر الذي تحول لاحقا إلى جيش التحرير الشعبي، وشاركا في حملة شنغهاي الشهيرة التي انتهت بسيطرة الشيوعيين على المدينة عام 1949 ، وعلى ما يبدو كان لذلك تأثير كبير عليهما حيث قررا الاستقرار في المدينة التي تعد قلب الصين الاقتصادي، وأطلقا على ابنهما المولود في 1955 هونينغ وهو اسم مركب يعني "سلام شنغهاي"، لكن مصير العائلة بعد ذلك كان أبعد ما يكون عن السلام، فخلال الثورة الثقافية وحملات التطهير السياسي رُبط والده الضابط بملف بينغ ديهواي، مارشال الصين ووزير الدفاع الذي أغضب ماو فتعرض للإقصاء، وبذلك انضمت عائلة هوانغ إلى آلاف العائلات الصينية التي سحقت تحت الآلة العمياء للثورة الثقافية، وأجبر وانغ على قضاء مراهقته في المنزل ما حوله إلى شخص انطوائي يحب القراءة ويراهن على المعرفة طريقا للخلاص لا على الولاء الذي أوصل والديه إلى التهميش.

وعلى عكس الآلاف من أبناء جيله ومنهم شي جينبينغ، الذين أُجبروا على الالتحاق في "حملة الصعود إلى الجبال والنزول إلى الريف"، فقد أعفي وانغ من الإرسال إلى المقاطعات النائية ذات الطبيعة القاسية لضعف بنيته الجسدية، وفي امتياز منح فقط لبعض أبناء شنغهاي، يوضح وانغ أنه بعد تخرجه من الثانوية عام 1972 أمضى نحو أربع سنوات ونصف في العمل الجزئي بأرياف تابعة لبلدية شنغهاي ومحيطها المباشر.

الأب الفكري للمركزية

نجاة وانغ النسبية من مآسي أبناء جيله لم يكن حدثا عابرا بل أثر بشكل كبير في إعداده الأكاديمي، فبدلا من العمل الشاق في المزارع البعيدة، وجه للدراسة في جامعة شنغهاي حيث أمضى نحو أربع سنوات ونصف السنة في دراسة وتعلم اللغة الفرنسية. وفي 1978 أعاد دينغ شياوبينغ فتح الجامعات التي أغلقت خلال الثورة الثقافية، فتقدم وانغ لامتحان "كاو غاو" الوطني للقبول وحقق نتيجة مذهلة، ما دفع جامعة فودان، التي تعد من أعرق جامعات شنغهاي إلى قبوله مباشرة في برنامج الماجستير في قسم السياسة الدولية متخطيا مرحلة البكالوريوس.

انضمت عائلة هوانغ لآلاف العائلات الصينية التي سُحقت تحت الآلة العمياء للثورة الثقافية، وأجبر وانغ على قضاء مراهقته في المنزل، ما حوله إلى انطوائي يراهن على المعرفة خلاصا


في 1981 أتم رسالة الماجستير وكانت حول تحليل ماركسي لنظريات السيادة الغربية، وهو موضوع عكس اهتماما مبكرا بقضايا السيادة والاستقلال السياسي، وهي ثيمات ستظهر لاحقا في أفكاره حول ضرورة أن تحافظ الصين على سيادتها وقدرتها على تحديد مسارها الخاص. وبعد عام واحد من انضمامه المتأخر إلى الحزب الشيوعي، أصبح في 1985 أصغر أستاذ مساعد في جامعة فودان وهو في الثلاثين من عمره.

في تلك الفترة تميز بغزارة إنتاجه الأكاديمي، وفي كتابه "التحليل السياسي المقارن" (1987)، ركز على "المركزية الاستراتيجية" كشرط للتحديث الاقتصادي، وجادل بأن الدولة النامية التي تمر بمرحلة تحول اقتصادي سريع لا يمكنها تحمل تبعات الديمقراطية التنافسية الليبرالية. وبدلا من ذلك، رأى أن وجود سلطة مركزية قوية ومستقرة في الأعلى هو الضمانة الوحيدة لإنجاح إصلاحات السوق الحرة وتوجيه المجتمع بسلاسة نحو الحداثة، وهو ما دفع بعض المعلقين الغربيين إلى اعتباره الأب الفكري لما أطلقوا عليه "الاستبداد الجديد".

(رويترز)
جندي يقف للحراسة عند بوابة شينهوامن لمجمع القيادة تشونغنانهاي في بكين، الصين، 1 نوفمبر 2019

كما دعا إلى "بناء القوة الناعمة للدولة" وإيجاد شرعية ثقافية للمركزية حيث اقترح دمج الهيكل التنظيمي الماركسي الصارم مع القيم التراثية الكونفوشيوسية التي تحث على احترام السلطة، وإعلاء المصلحة الجماعية.

وفي مقال بارز له عام 1986، طرح فكرة أن "المركزية لا تعني الجمود"، مجادلا بأن غياب المؤسسات السياسية القوية والقوانين الواضحة هو ما سمح بحدوث مأساة "الثورة الثقافية"، لذلك، لا بد من إصلاح النظام الإداري للحزب، وبناء مؤسسات رقابية صارمة، وتطبيق مبدأ "سيادة القانون" بمفهومه الصيني.

أميركا ضد أميركا

لكن الحدث الفارق في مسيرة وانغ كان سفره إلى الولايات المتحدة في 1988 باحثا زائرا بدعوة من الجمعية الأميركية للعلوم السياسية، حيث أمضى 6 أشهر متنقلا بين عدة جامعات مثل آيوا، وبيركلي، وميشيغن، وأكثر من 30 مدينة. وعقب عودته، صاغ تجربته وانطباعاته النقدية في كتابه الشهير "أميركا ضد أميركا" الذي نشر عام 1991.

لم يخف وانغ إعجابه بقوة النموذج الأميركي لكنه استنتج بأن بعض عناصر قوتها نفسها تنتج عوامل تآكل داخلي، وأقنع ذلك جزءا مهماً من النخبة الصينية بأن نقاط ضعف الولايات المتحدة ليست خارجية بل داخلية، وأن صعود الصين لا يتطلب هزيمة أميركا عسكريا بقدر ما يتطلب الصبر الاستراتيجي وانتظار تفاقم التناقضات الأميركية الداخلية.

أقنع وانغ جزءا مهما من النخبة الصينية بأن صعود الصين لا يتطلب هزيمة أميركا عسكريا بقدر الصبر الاستراتيجي وانتظار تفاقم التناقضات الأميركية الداخلية

وفي الوقت نفسه تحول كتابه ليس فقط إلى تحليل بنيوي للنموذج الأميركي بل وصفة شبه جاهزة لما يجب على الصين عدم فعله، ففي "أميركا ضد أميركا" رأى أن رأس المال اكتسب نفوذا يتجاوز السياسة نفسها، وانعكس هذا بمقولاته اللاحقة حول أن الحزب يجب أن يبقى فوق السوق، وأن رجال الأعمال لا يجب أن يتحولوا إلى مراكز قوة مستقلة، وأن الشركات الكبرى يجب أن تبقى خاضعة للأهداف الوطنية الكبرى.

ولاحظ وانغ أن الولايات المتحدة كانت غنية للغاية لكنها تعاني في الوقت نفسه من مشكلات اجتماعية عميقة، والاستنتاج بالنسبة للصين كان أن التنمية غير المتوازنة يمكن أن تتحول إلى تهديد سياسي. وهذه الفكرة ظهرت لاحقا في شعار "الرخاء المشترك".

اعتبر وانغ أن النزعة الفردية الأميركية المفرطة تقوض التضامن الاجتماعي، وأن المجتمع الأميركي يتجه تدريجيا نحو الانقسام إلى جماعات إثنية وثقافية ومصلحية متنافسة وبالتالي دعا إلى تعزيز الهوية الوطنية الصينية الجامعة، وتحديد مسؤوليات الفرد تجاه المجتمع، وأولوية الاستقرار على الصراع السياسي المفتوح، وبسبب هذه الأفكار، بات وانغ يوصف أحيانا بأنه المهندس الفكري لنموذج "الحداثة من دون الليبرالية السياسية".

وظل الكتاب لعقود عملا فكريا نخبويا، قبل أن تعيد الأزمة المالية العالمية في 2008 ثم صعود ترمب في 2016 وصولا إلى اقتحام الكابيتول في 2021، اكتشافه بوصفه قراءة مبكرة للتناقضات الداخلية للنموذج الأميركي. وحينها أصبح وانغ في نظر كثيرين في الصين المنظر الذي أوجد المفتاح الفكري لقراءة اللحظة التي بدأ فيها القرن الأميركي يفقد يقينه، وبدأ السؤال التاريخي القديم يعود إلى الواجهة: هل يقترب العالم من نهاية عصر الهيمنة الأميركية؟

الصعود الصاروخي

بعد أن ذاع صيته بسبب أبحاثه وكتبه، استدعاه جيانغ زيمن إلى بكين في عام 1995 لينتقل إلى دهاليز السلطة الحقيقية.. بدأ عمله رئيسا لقسم الشؤون السياسية في المكتب المركزي لبحوث السياسات، وهو بيت الخبرة والأبحاث والحقيبة الفكرية الأهم للحزب الشيوعي.

في 2002 تمت ترقيته لمنصب مدير المكتب وهو ما جعله المسؤول الأول عن كتابة الخطابات الرسمية وصياغة العقائد السياسية للدولة. استمر في هذا المنصب طوال عهد هو جينتاو والسنوات الأولى من عهد شي جينبينغ.

جادل وانغ بأن الدولة النامية التي تمر بمرحلة تحول اقتصادي سريع لا يمكنها تحمل تبعات الديمقراطية التنافسية الليبرالية، حين لقبه معلقون غربيون بالأب الفكري لما أطلقوا عليه "الاستبداد الجديد"


خلال سنوات جيانغ الأخيرة في الحكم، أصبح وانغ مرافقا دائما للرئيس في رحلاته الخارجية، وفي واقعة شهيرة ذكر جيانغ اسمه لبيل كلينتون خلال زيارة الرئيس الأميركي حينها إلى بكين في 1998 خلال نقاش بينهما حول ديمقراطيات الغرب ونظم الشرق.

مع تولي هو جينتاو الحكم وصفت العلاقة مع وانغ بالمثالية، وفي منتصف العهد، منحه ترقية سياسية هامة بإدخاله إلى أمانة اللجنة المركزية للحزب حيث أصبح داخل دوائر الإدارة التنفيذية.

مع صعود شي جينبينغ للسلطة عام 2012، تم ترفيع وانغ ليدخل "المكتب السياسي" الذي يضم أعلى 24 قيادياً في الصين. وبعد المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب عام 2017، حقق وانغ هونينغ قفزة تاريخية ونادرة، حيث صعد إلى اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي التي تضم حاليا 7 أعضاء فقط وتعد قمة هرم القوة المطلقة في الصين. في عام 2022 جُددت ثقته في اللجنة الدائمة ليصبح رئيس المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني (CPPCC)، وهو منصب سيادي يتعامل بشكل مباشر مع ملفات شديدة الحساسية مثل التلاحم الوطني وملف تايوان وهونغ كونغ.

(رويترز)
الرئيس الصيني شي جينبينغ يسلم ورقة إلى رئيس المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، وانغ هونينغ، خلال الجلسة الافتتاحية للمجلس الوطني لنواب الشعب في قاعة الشعب الكبرى ببكين، الصين، في 5 مارس 2026

وكانت مساهمته جوهرية في وضع "التمثيلات الثلاثة" لجيانغ زيمن التي أدرجت رسميا في دستور الحزب في 2002 والتي شكلت الأساس النظري للسماح لرجال الأعمال والرأسماليين بالانضمام إلى الحزب الشيوعي. وخلال زعامة هو، نسب لوانغ وضع نظرية "المفهوم العلمي للتنمية" التي تبناها الحزب في 2007، والتي خصصت لعلاج الآثار الجانبية للطفرة الاقتصادية من خلال إعادة الاعتبار للتنمية المتوازنة والمستدامة.

أما شي جيبينغ فكان هو من حول أفكار وانغ حول مركزية الحزب وإحياء النزعة القومية وإصلاح المؤسسات وتطبيق القوانين وترميم الثقة في الثقافة الصينية التقليدية ، إلى سياسات حكومية فعلية وقوانين تتحكم بمصير الصين، وكان لوانغ دور أساسي في صياغة "فكر شي جينبينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية للعصر الجديد" الذي أدرج رسمياً في دستور الحزب في 2017.  

واليوم يقف هذا العقل الفريد أمام محطة مفصلية، فمع انعقاد المؤتمر الحادي والعشرين للحزب الشيوعي في خريف 2027، سيكون وانغ قد بلغ الثانية والسبعين، وهو سن التقاعد الحزبي، لكن السؤال الذي سيتردد في أروقة تشونغنانهاي لا يتعلق بمجرد التزام بالقواعد العرفية، بل بمصير الرجل الذي أمضى ثلاثة عقود في حراسة العرش الأيديولوجي للصين الصاعدة. وسيجد شي جينبينغ نفسه أمام تساؤل صعب: هل أصبحت السياسات التي صاغتها أفكار وانغ ناضجة بما يكفي للاستغناء عن مهندسها؟ أم إن الصين، في لحظة احتدام التنافس على شكل النظام العالمي المقبل، ما زالت تحتاج إلى العقل الذي ساعدها على تفسير قراءة تراجع منافسها الأكبر؟

font change