إسرائيل والحرب ضد "حزب الله"... منطقة عازلة جنوب لبنان وإعادة تعريف العلاقات

انخراط الولايات المتحدة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يمنح إسرائيل هامش حركة أوسع، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول حدود هذا الدعم

أ.ف.ب
أ.ف.ب
تصاعد الدخان عقب قصف إسرائيلي على بلدة الخيام جنوب لبنان في 4 مارس 2026

إسرائيل والحرب ضد "حزب الله"... منطقة عازلة جنوب لبنان وإعادة تعريف العلاقات

رام الله- في خضم المواجهة العسكرية المستمرة بين إسرائيل و"حزب الله" اللبناني منذ مطلع مارس/آذار، يتبلور داخل إسرائيل تصور متقدم لطبيعة المواجهة مع لبنان يتجاوز حدود الاشتباك التقليدي مع "حزب الله"، ليطال إعادة تعريف العلاقة الأمنية والسياسية مع الدولة اللبنانية نفسها. فالنقاش الدائر في الأوساط العسكرية والسياسية الإسرائيلية لم يعد محصورا في كيفية إدارة المعركة، بل في شكل "اليوم التالي" لها، وما إذا كانت هذه الحرب ستُستخدم كفرصة لإعادة رسم قواعد اللعبة على الحدود الشمالية بصورة جذرية.

وتتقاطع في هذا السياق رؤيتان: الأولى عسكرية تسعى إلى إزالة التهديد المباشر الذي يمثله "حزب الله". والثانية سياسية ترى في هذه اللحظة فرصة لفرض واقع أمني جديد في جنوب لبنان. وبين هاتين الرؤيتين، تتقدم فكرة إنشاء منطقة عازلة تمتد من الحدود الإسرائيلية حتى نهر الليطاني باعتبارها خيارا لم يعد نظريا أو مقتصرا على خطاب اليمين المتطرف، بل تحول تدريجيا إلى تصور عملي يحظى بقبول متزايد داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.

ويعكس هذا التحول قناعة إسرائيلية متنامية بأن قواعد الاشتباك التي سادت منذ حرب 2006 لم تعد قابلة للاستمرار، وأن نموذج "الردع المتبادل" بين إسرائيل و"حزب الله" لم يعد كافيا لضمان أمن الجبهة الداخلية الإسرائيلية، خصوصا بعد تجربة السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أحدثته من صدمة استراتيجية، لذلك لم يعد الهدف مقتصرا على احتواء "حزب الله" أو تقليص قدراته، بل يتجه نحو إعادة تشكيل البيئة الجغرافية والأمنية التي يعمل ضمنها، بما يمنع عودته إلى نمط العمليات القريب من الحدود.

في المقابل، لا تنفصل هذه المقاربة عن إدراك إسرائيلي عميق لتعقيدات الساحة اللبنانية، حيث يتداخل "حزب الله" مع بنية الدولة والمجتمع على نحو يجعل الفصل بينهما مهمة شديدة الصعوبة، ومع ذلك، تميل التقديرات الإسرائيلية إلى أن استمرار الوضع القائم يحمل مخاطر أكبر من كلفة تغييره، حتى لو استدعى ذلك خطوات ميدانية واسعة، أو ترتيبات أمنية طويلة الأمد قد تُفرض بالقوة أو عبر تفاهمات دولية لاحقة.

إنشاء حزام أمني داخل الأراضي اللبنانية بات ضرورة لحماية شمال إسرائيل، رغم إدراك تل أبيب لاحتمال ظهور قوى مسلحة جديدة

كما أن انخراط الولايات المتحدة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يمنح إسرائيل هامش حركة أوسع، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول حدود هذا الدعم، وما إذا كان سيتحول إلى عامل كبح في مراحل لاحقة من الحرب، خصوصا إذا تم التوصل إلى هدنة بين الولايات المتحدة وإيران تشمل وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد "حزب الله". وفي هذا الإطار، تبدو إسرائيل معنية باستباق أي ضغوط سياسية محتملة عبر تحقيق إنجازات ميدانية تُترجم إلى وقائع يصعب التراجع عنها في أي تسوية قادمة.

غير أن هذا المسار لا يخلو من مخاطر استراتيجية؛ إذ إن تحويل جنوب لبنان إلى منطقة عازلة أو شبه خالية من الوجود العسكري لـ"حزب الله" لا يعني بالضرورة إنهاء التهديد، بل قد يفتح الباب أمام أنماط جديدة من المواجهة، أو إعادة إنتاج قوى مسلحة بديلة، أو زيادة مدى الصواريخ. ومع ذلك، يبدو أن المزاج السائد داخل إسرائيل يميل إلى تفضيل المخاطرة المحسوبة على العودة إلى معادلات يعتبرها فاشلة.

وفي هذا السياق يقول جاك نيريا، المستشار السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي لـ"المجلة" إنه بحسب الرؤية الإسرائيلية، تُعد جبهة إيران ولبنان جبهة واحدة، إذ يُنظر إلى "حزب الله" باعتباره جزءا من منظومة "الحرس الثوري" الإيراني، في حين يتولى ضباط إيرانيون قيادة العمل العسكري لـ"الحزب" حاليا، وتُدار معركته مع إسرائيل فعليا من قبل طهران. وفي حال توقفت الحرب وبقي "حزب الله" قائما، فإن لبنان مرشح لتحول عميق، إذ سيحتكر "الحزب" السيادة اللبنانية، مع تزايد جرأته وإظهاره العلني لارتباطه بإيران أكثر من ارتباطه بالدولة اللبنانية.

وترى إسرائيل أن إنهاء الوجود العسكري لـ"حزب الله" شرط أساسي لمنح الحكومة اللبنانية هامش حركة يتيح لها بدء مفاوضات مع إسرائيل والتوصل إلى ترتيبات أمنية بين البلدين.

أ.ف.ب
تصاعد الدخان عقب قصف إسرائيلي على بلدة الخيام جنوب لبنان في 4 مارس 2026

ويضيف نيريا أن الحكومة اللبنانية الحالية ضعيفة وتفتقر إلى الإرادة والقدرة على تنفيذ قراراتها، فيما يحجم الجيش اللبناني عن ترجمة هذه القرارات على الأرض، إدراكا لحساسية تركيبته الطائفية، ولا سيما أن نسبة كبيرة من عناصره تنتمي إلى الطائفة الشيعية، ما قد يعرضه للانقسام في حال مواجهته "حزب الله" في الجنوب.

ويقول إن "حكومة لبنان الحالية فاشلة وضعيفة، ولا توجد لديها إرادة ولا وسيلة لتطبيقها، والجيش اللبناني يرفض أن يترجم قراراتها على الأرض، لأن قائد الجيش رودلف يدرك أنه إذا استخدم الجيش ضد "حزب الله" في الجنوب، فإن الجيش، الذي يشكل الشيعة نسبة 60 في المئة من مكوناته، سينهار".

وخلال العام ونصف العام الماضيين، يشير نيريا إلى أن بعض ضباط الاستخبارات في الجيش اللبناني كانوا يطلعون "حزب الله" على المجريات داخل المؤسسة العسكرية، بما في ذلك القرارات المتعلقة به، لافتا إلى وجود تنسيق بين قيادات في "الحزب" والجيش لترتيب انتشار رمزي ومحدود لقوات الجيش اللبناني في الجنوب، مقابل التغاضي عن الوجود العسكري لـ"الحزب".

وفيما يتعلق بالخيارات الإسرائيلية، يرى نيريا أن إنشاء حزام أمني داخل الأراضي اللبنانية بات ضرورة لحماية شمال إسرائيل، رغم إدراك تل أبيب لاحتمال ظهور قوى مسلحة جديدة، ويؤكد أن استمرار إطلاق النار من جنوب لبنان، رغم وجود الجيش الإسرائيلي ميدانيا، يعزز القناعة بضرورة حسم المعركة عسكريا، تمهيدا لفرض ترتيبات أمنية شبيهة بتلك التي أُقرت مع سوريا عام 1974 ومصر عام 1979، بما يشمل جعل المنطقة حتى نهر الليطاني منزوعة السلاح. ويتابع: "إن على إسرائيل إنشاء حزام أمني جديد على حدودنا الشمالية داخل لبنان لأنه لا حل إلا بالتخلص من وجود وتهديد (حزب الله) لسكان شمال إسرائيل. لكن إسرائيل تدرك أنه قد ينشأ (حزب الله) جديد يقاتل إسرائيل في تلك المنطقة. وبينما يوجد حاليا الجيش الإسرائيلي داخل لبنان، فإن القصف على البلدات الإسرائيلية من قبل (حزب الله) لم يتوقف. لذلك، يجب أن نهزم (حزب الله) عسكريا حتى نتمكن من التوصل إلى مفاوضات مع حكومة لبنان، وأن نقسم البلاد كما قسمناها مع سوريا عام 1974 ومع مصر عام 1979، بحيث تكون منطقة من نهر الليطاني منزوعة السلاح ومنطقة فيها شرطة مدنية من منطقة الليطاني حتى بيروت، وشمال بيروت جيش مظلل مكون من فرقة عسكرية واحدة فقط".

تبدو إسرائيل مصممة على مواصلة المعركة حتى تحقيق أهدافها العسكرية، وربما السياسية، في عام انتخابي، عبر إزالة تهديد "حزب الله" من حدودها الشمالية

وأكد نيريا الذي يذهب أبعد من ذلك بالقول إن لبنان لا يحتاج إلى جيش تقليدي، ويمكنه أن يتجه نحو نموذج دول مثل كوستاريكا أو لوكسمبورغ أو سويسرا، مكتفيا بقوة شرطة مدنية. وتساءل: "لماذا يحتاج اللبنانيون إلى جيش كل ما يقوم به حتى الآن أنه حيادي؟ فقط يلزمهم جهاز وقوة شرطية مدنية". ويضيف أن الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل منذ بداية المواجهة العسكرية بين "حزب الله" وإسرائيل عدم إجلاء المسيحيين من قرى الجنوب، إلا أن هذا الموقف قد يتغير في حال استخدم "حزب الله" تلك القرى لأغراض عسكرية.

وكان وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش قال في أحد تصريحاته حول حاجة إسرائيل لإنشاء مناطق عازلة حول إسرائيل إنه ثبت أن أعداء إسرائيل لا يتأثرون بعدد الضحايا البشرية التي تسقط خلال حروبهم مع إسرائيل، لذلك اضطرت الأخيرة لقضم أراضٍ من بلادهم وتحويلها إلى مناطق عازلة حتى يشعروا بالخسارة الفادحة. غير أن نيريا يؤكد أن ما صرح به سموتريتش لا يشكل استراتيجية الجيش الإسرائيلي الحالية بهذا الخصوص، مؤكدا أن إسرائيل نجحت خلال المواجهة العسكرية مع "حزب الله" عام 2024 في تدمير نحو 90 في المئة من مخازن الصواريخ بعيدة المدى التابعة لـ"الحزب".

ويشير نيريا إلى أن استراتيجية الأمين العام لـ"حزب الله"، نعيم قاسم، تقوم على الحفاظ على معادلة الردع التي أرساها سلفه حسن نصرالله، والتي تقضي بمقابلة أي نزوح للبنانيين من الجنوب بنزوح مماثل للإسرائيليين من الشمال.

رويترز
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير خلال جلسة في الكنيست في القدس، 29 مارس 2026

وكان المستوى العسكري الإسرائيلي قد وجّه الجيش لتدمير القرى اللبنانية الواقعة على خط المواجهة ضمن نطاق خمسة كيلومترات من الحدود، علما بأن نحو 60 في المئة من مباني هذه القرى دُمّرت خلال المواجهة مع "حزب الله" عام 2024. وتسعى إسرائيل إلى توسيع هذا النطاق وصولا إلى نهر الليطاني. وبينما كانت فكرة المناطق العازلة تُعد، حتى وقت قريب، من شعارات اليمين الإسرائيلي المتطرف، فإنها تحولت اليوم إلى خطط عملياتية قابلة للتنفيذ. ويبدو أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير يسعى إلى استنساخ نموذج غزة وتطبيقه في جنوب لبنان، بحيث لا تبقى بنية تحتية يمكن أن يستخدمها مقاتلو "حزب الله" لشن هجمات ضد إسرائيل.

ويقول المحلل العسكري الإسرائيلي إيال عليما لـ"المجلة": "ثمة فارق كبير بين تدمير المنازل خلال المعارك وتدمير منهجي ومقصود، كما حدث في قطاع غزة". ويضيف أن زامير يسعى إلى إبقاء ثلاث فرق عسكرية جنوب نهر الليطاني، بهدف إبعاد تهديدات "حزب الله"، في ظل تراجع ثقة إسرائيل بقدرة قوات حفظ السلام الدولية (اليونيفيل) على أداء دورها في الجنوب.

وفي حين تصر إيران على ربط مسار المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة بجبهة "حزب الله"، وعلى وقف القتال معه في حال التوصل إلى اتفاق، تبدو إسرائيل مصممة على مواصلة المعركة حتى تحقيق أهدافها العسكرية، وربما السياسية، في عام انتخابي، عبر إزالة تهديد "حزب الله" من حدودها الشمالية. وقد تسعى، كما فعلت في عام 2024، إلى الفصل بين الجبهات والتوصل إلى تفاهمات منفصلة بإبقاء المعركة ضد "حزب الله" مستمرة، حتى لو جرى التوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب.

التفوق العسكري الإسرائيلي لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف المعلنة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. فالتجربة في قطاع غزة، لم تؤدِ إلى إنهاء حركة "حماس"

وخلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جنوب لبنان الأسبوع الماضي، أكد أن "حزب الله" لم يعد يمتلك القدرات العسكرية التي شكلت تهديدا لإسرائيل في السابق، معتبرا أن أقصى ما يقوم به حاليا هو القتال من أجل البقاء، لا من أجل إلحاق هزيمة بإسرائيل.

وفي معظم الحروب التي خاضتها إسرائيل، كان ثمة تصور مسبق لكيفية إنهاء المعركة والخروج منها، إلا أن المواجهة الحالية مع "حزب الله" وإيران، في ظل الشراكة الفعلية للولايات المتحدة، تفتقر حتى الآن إلى استراتيجية خروج واضحة من تلك الحرب.

وبينما تتردد أنباء عن محادثات أميركية–إيرانية بوساطة أطراف أخرى لوقف الحرب، مع إصرار طهران على أن تشمل أي هدنة "حزب الله"، يمضي الجيش الإسرائيلي في معركته التي يصفها بالحاسمة ضد "الحزب". ويشير خبراء عسكريون إسرائيليون إلى احتمال توسيع العملية البرية في لبنان خلال الأيام القليلة المقبلة، مؤكدين أن "إسرائيل لا تريد بقاء (حزب الله) في لبنان، سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لم يتم"، وفق ما قاله أحد الخبراء لـ"المجلة". ويؤكد هؤلاء أن الجيش الإسرائيلي عازم هذه المرة على عدم العودة إلى قواعد اشتباك تقليدية، وعلى منع تكرار سيناريو السابع من أكتوبر/تشرين الأول، مشيرين إلى أنه في حال توقف المواجهة مع إيران، فإن التركيز العسكري سيتحول بصورة أكبر نحو تصعيد العمليات ضد "حزب الله" على مختلف الأراضي اللبنانية.

رويترز
عائلة تقف بجوار نار مشتعلة خارج خيمتها، في مخيم مؤقت للنازحين، في بيروت، لبنان، 30 مارس 2026

وفي هذا السياق، يسعى الجيش الإسرائيلي، بحسب تقديرات عسكرية، إلى دفع ما يقارب مليون نسمة من سكان قرى جنوب لبنان وصور وصيدا إلى النزوح شمالا، إضافة إلى نحو 300 ألف من سكان الضاحية الجنوبية، بما يخلق ضغطا داخليا متزايدا على "حزب الله". ويؤكد مصدر عسكري إسرائيلي أن القرى الشيعية، سواء القريبة من الحدود أو البعيدة عنها، قد تتحول إلى مناطق شبه خالية من السكان.

وتبدو هذه الحرب مختلفة من حيث التكتيكات والأهداف مقارنة بالحروب السابقة خلال العقود الثلاثة الماضية، إذ يتحول لبنان بأكمله إلى ساحة عمليات مفتوحة أمام الطيران الإسرائيلي. وتهدف هذه المقاربة إلى إضعاف البيئة الحاضنة لـ"حزب الله" و"حركة أمل"، وإعادة تشكيل الواقع الجغرافي جنوب نهر الليطاني، تمهيدا لفرض ترتيبات أمنية، مباشرة أو برعاية أميركية، تمنع أي وجود عسكري في تلك المنطقة، وتستبدله بترتيبات أمنية ذات طابع شرطي.

ومع ذلك، فإن التفوق العسكري الإسرائيلي لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف المعلنة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. فالتجربة في قطاع غزة، رغم طول أمد العمليات والسيطرة على مساحات واسعة، لم تؤدِ إلى إنهاء حركة "حماس". وعليه، قد يكون أقصى ما يمكن أن تصل إليه إسرائيل في لبنان هو اتفاق، برعاية دولية، يحد من قدرات "حزب الله" العسكرية دون أن يؤدي إلى تفكيكه بالكامل، وهو ما يظل دون سقف الأهداف التي تسعى إليها تل أبيب.

font change

مقالات ذات صلة