أزمة النزوح تتفاقم في لبنان... والكرنتينا توقظ كوابيس الحرب الأهلية في بيروت

قلق متزايد من تداعيات أمنية وديمغرافية

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مبنى سكني في وسط بيروت، يكتظ بالنازحين بعد تجديد الجيش الإسرائيلي دعوته لسكان الضاحية الجنوبية لبيروت بالإخلاء، في 22 مارس 2026

أزمة النزوح تتفاقم في لبنان... والكرنتينا توقظ كوابيس الحرب الأهلية في بيروت

مع دخول لبنان في حرب استنزاف جديدة، تستمر مشاهد النزوح الجماعي من الجنوب والضاحية والبقاع، لكن هذه المرة وسط مخاوف مضاعفة. فالتصعيد العسكري يبدو أشد، والاستهداف يطال مساحات أوسع من المدنيين، حيث قُتل نحو ألف مدني، بينهم 119 طفلا، وفقا لوزارة الصحة اللبنانية. وما يزيد من وطأة المشهد هو الانقسام الداخلي، إلى جانب القلق المتصاعد من أن تطول الحرب، وتطول معها أيام انتظار "لحظة الفرح بإعلان العودة"، كما تقول الحاجة زينب، النازحة السبعينية، في حديثها لـ"المجلة".

في المدن المستضيفة، من صيدا إلى أقصى الشمال، لا تُختصر الأزمة بأرقام مراكز الإيواء وقدرتها الاستيعابية، بل تمتد إلى ما هو أعمق: تراجع الثقة بين اللبنانيين، تصاعد خطاب الكراهية، وقلق متزايد من تداعيات أمنية وديموغرافية. وبينما تحاول البلديات والجمعيات احتواء التدفق المتزايد، يجد آلاف النازحين أنفسهم عالقين بين خوفين: الخوف من القصف الذي دفعهم إلى الرحيل، والخوف من المجهول في أماكن اللجوء، في مقابل قلق مرتفع في المناطق المستضيفة خوفا من تعرضها للخطر بسبب وجود عناصر تحت دائرة الاستهداف تسللت إليها، وهذا ما حصل أكثر من مرة في هذه الحرب لا سيما في عمق العاصمة بيروت التي تعرضت لأكثر من استهداف منذ بدء حرب "الثأر لخامنئي" في 2 مارس/آذار الجاري.

قلق من عدم العودة

"أتمنى أن تكون هذه آخر مرة نُجبر فيها على النزوح"، تقول الحاجة السبعينية زينب، وهي تستعيد تفاصيل نزوحها الثاني، بعد تجربة أولى قاسية عاشتها عام 2024. قبل تلك الحرب، لم تغادر بلدتها كفررمان–جنوب لبنان يوما، رغم الحروب التي عاشها الجنوب، "كنا نرى القصف ونبقى في بيوتنا ولكن ما حدث في 2024 كان مختلفا تماما، تم استهداف بيتنا بشكل مباشر وأصيبت ابنتي بعد يومين من بدء الحرب لذلك اضطررنا للمغادرة رغم أننا لم نكن ننوي النزوح".

أما هذه المرة، فجاء القرار أسرع، "لم ننتظر. خرجنا فورا، بالملابس التي نرتديها، من دون أن نحمل أي شيء، فقط بضعة قطع من الملابس".

رحلة النزوح امتدت لأكثر من عشرين ساعة. طريق طويل ومزدحم، تحت ضغط الخوف وانعدام اليقين. "قيل لنا إن الوضع هادئ، لذلك لم نجهز شيئا. فجأة اندلعت الحرب، ووجدنا أنفسنا نهرب بلا أي استعداد".

في مركز الإيواء في إحدى بلدات قضاء الشوف، حيث لجأت العائلة مرة جديدة، تصف الحاجة زينب المعاملة بأنها "جيدة، يحاولون تأمين كل احتياجاتنا"، لكن الواقع اليومي لا يخلو من المعاناة، "أكثر من أربعين شخصا نستخدم حماما واحدا، أما النوم على فرشة اسفنجية فهي معاناة حقيقية لامرأة بعمري". وتختم حديثها: "نحن نعيش على أمل واحد: العودة اليوم قبل الغد، والعيش بأمان، نحن نستحق الأمان".

محمود زيات- أ.ف.ب
نافذة محطمة تُطل على فرق الإسعافات الأولية والقوى الأمنية العاملة قرب مبنى استُهدف بغارة جوية إسرائيلية في مدينة صيدا الساحلية جنوب لبنان في 6 مارس 2026

أمنية الحاجة زينب بالعودة السريعة وقلقها من أن تطول "التغريبة الجنوبية"، شعور يتشارك فيه غالبية النازحين هذه الحرب، حيث تقول النازحة الشابة هبة ح. ابنة بلدة ميفدون– قضاء النبطية لـ"المجلة": "منذ خروجي من بيتي ترافقني أسئلة ملحة: "هل سنعود إلى أرضنا؟ وإن عدنا، هل سنجد بيتنا؟".

تستعيد هبة التي كانت حاملا في ابنها الحرب الماضية، لحظات الخروج القسري الذي بدأ بخبر عاجل عن "إطلاق صواريخ من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل" قرأته وهي تسترخي أمام التلفاز في منزلها وانتهت برحلة نزوح جديدة، "نعرف جيدا تبعات هكذا خبر"، تقول، "فاتصلت فورا بزوجي، الذي كان لا يزال في عمله كمسعف، وطلبت منه العودة إلى المنزل". خلال دقائق، كانت قد بدأت تجهيز أغراضها، مستعينة بتجربة النزوح السابقة. "حقيبة الطوارئ كانت جاهزة، وكنت أعرف ما الذي أحتاجه هذه المرة".

لكن الوقت لم يسعفها، "بعد دقائق فقط، بدأ القصف الإسرائيلي في البلدة. استهدفوا منطقة مقابلة لمنزلنا". تصف اللحظة بصوت متردد: "حملت ابني وجلست على الأرض، لكن من شدة الضربة سقط من بين يدي".

دخلت الحرب في لبنان أسبوعها الرابع، ولا يزال التصعيد الأمني والعسكري متصاعدا جنوبا وبقاعا وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، الأمر الذي أدى إلى تفاقم أزمة النزوح واتساع رقعتها

رغم الخوف، حاولت التماسك. "جمعت ما استطعت حمله، لأنني شعرت أن هذه الحرب قد تطول". تضيف: "الإنسان لا يكون جاهزا للحرب أبدا، مهما ظن أنه تعلم من التجارب".

ورغم أنها نجت من جحيم القصف، تقول هبة إنها لم تشعر يوما بأنها خرجت فعلا من الحرب الماضية. "القصف كان مستمرا في الجنوب، لكن على الأقل كنت في بيتي. البيت عزيز لا يمكن تعويضه". تضيف أن العيش في مراكز الإيواء "صعب جدا وغير مريح"، ليس فقط من ناحية الظروف، بل من ناحية الإحساس بفقدان الاستقرار، تختم هبة.

يبدو أن مشاعر القلق والخوف هذه المرة من خسارة المنزل وحتى عدم العودة رغم محاولة عدم الاستسلام لهذه الأفكار عند النازحين، أكبر بكثير من الحرب الماضية، "هنا لا شاشات تلفزة لنتابع الأخبار بشكل متكرر، حتى إننا لا نريد سماع أخبار مقلقة، نعم نحن نخشى عدم العودة أو على الأقل خسارة بيوتنا، التي لم ننته من ترميمها بعد، حتى إننا لا نملك المال هذه المرة للترميم"، تقول زهراء زوجة العسكري في قوى الأمن الداخلي وأم لثلاثة أطفال، لـ"المجلة".

زهراء التي استيقظت مثلها مثل آلاف الجنوبيين على اتصالات من الأهل والأصدقاء تحذرها وعائلتها بأن عليهم الرحيل فورا، تقول إن رحلة النزوح هذه المرة كانت أسهل "فنحن نعلم وجهتنا، توجهنا فورا إلى مركز الإيواء نفسه الذي أمضينا فيه حرب 2024 ووجدنا هنا أيضا عائلات التقينا بهم في الحرب الماضية، حتى الطريق لم يأخذ معنا سوى ساعتين لأننا تجنبنا الطريق الساحلي الذي أمضى عليه الناس أكثر من 20 ساعة للوصول إلي وجهتهم.

 أ ف ب
سيارات النازحين من القرى الجنوبية في اتجاه واحد في صيدا جنوب لبنان في الثاني من مارس

ورغم قولها إنها تعلمت من رحلة النزوح الماضية لكن لحظات لملمة ما تيسر من حياةٍ داخل حقيبة أكثر صعوبة مما يمكن أن يتخيل المرء "السيارة لا تتسع إلا للقليل، ونحن حاجاتنا كثيرة"، تضيف. في تلك اللحظات، تختلط الأولويات، ويغيب التركيز: "أخذنا أشياء لا نحتاجها، وتركنا ما هو أساسي".

رغم ذلك، كانت حريصة على حمل بطانيات سميكة. تعاني من فقر الدم ونقص الحديد، والبرد بالنسبة لها ليس تفصيلا. "كنت أعرف أنني لن أحتمل البرد، مهما كان الظرف، مراكز الإيواء باردة جدا ليست كمنازلنا الدافئة"، تختم زهراء.

نازحون يرفضون التوجه إلى شمال لبنان

دخلت الحرب في لبنان أسبوعها الرابع، ولا يزال التصعيد الأمني والعسكري متصاعدا جنوبا وبقاعا وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، الأمر الذي أدى إلى تفاقم أزمة النزوح واتساع رقعتها، فلا تزال أعداد النازحين في تزايد مع استمرار توجيه إنذارات الإخلاء لبلدات جنوبية، حيث تم تهجير أكثر من مليون و50 ألف نازح مسجل حتى الآن وافتتاح حوالي 644 مركز إيواء بينهم 137 مركزا في العاصمة بيروت فيما لا تزال مئات العائلات تفترش الطرقات لا سيما في العاصمة بيروت وصيدا اللتين تستقطبان أكبر عدد من النازحين، مع رفض عدد كبير منهم التوجه إلى مراكز إيواء تم تجهيزها لهم في شمال لبنان.

مديرة غرفة إدارة الكوارث والأزمات في صيدا وفاء شعيب تقول لـ"المجلة" إن "هناك نحو 13 ألف نازح موزعين على 26 مركز إيواء، من بينها مركزان فُتحا مؤخرا في مدارس الأونروا لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين النازحين من مخيمات مدينة صور الجنوبية، إضافة إلى حوالي 16 ألف نازح مسجلين في المنازل".

في ظل تفاقم حدة الحرب برزت في الساعات الماضية منطقة الكرنتينا في بيروت كإحدى نقاط الاستقبال التي بدأ تجهيزها لاستقبال العائلات النازحة

مؤكدة أن "نسبة الاستيعاب تجاوزت القدرة المتاحة بأكثر من 30 في المئة، ما دفع إلى اتخاذ إجراءات جديدة بعد امتلاء مراكز الإيواء، من بينها نصب خيام داخل هذه المراكز، والعمل على توجيه النازحين نحو شمال لبنان، حيث تتوافر مراكز إيواء فارغة وجاهزة لاستقبالهم. إلا أن أكثر من 75 في المئة من النازحين يرفضون مغادرة مدينة صيدا، باعتبارها الأقرب إلى مناطقهم ومنازلهم، ويفضلون البقاء حتى داخل سياراتهم بانتظار تأمين أماكن إيواء داخل المدينة. ويأتي ذلك في ظل استمرار تدفق النازحين يوميا، مقابل قدرة استيعابية لم تعد كافية، ما يستدعي تدخلا من القوى الأمنية لمعالجة هذا الواقع".

في المقابل، يقول عضو بلدية طرابلس بلال حسين لـ"المجلة" إن "أعداد النازحين في مدينة طرابلس، أقل بكثير مقارنة بالحرب الماضية، إذ يبلغ عددهم نحو 1500 شخص داخل مراكز الإيواء. وتشير تقديرات البلدية إلى وجود حوالي 7000 نازح داخل المدينة، ليصل العدد الإجمالي إلى نحو 9000 بين المقيمين في المنازل ومراكز الإيواء".

أ.ف.ب
امرأة نازحة من جنوب لبنان تجلس في فناء مدرسة حُوِّلت إلى ملجأ في صيدا، بتاريخ 20 مارس 2026

ويؤكد حسين أن كامل مناطق الشمال تستقبل عددا أقل بكثير من قدرتها الاستيعابية، ويضيف: "يبدو أن هناك مخاوف أو رفضا للتوجه شمالا رغم مناداة وزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين السيد، أكثر من مرة النازحين بأن هناك قدرة استيعابية كبيرة في الشمال، وهناك مراكز جاهزة لاستقبالهم، ولكن يبدو أن هناك مخاوف ما لا يمكن حصرها ببعض الأصوات التي خرجت من مدينة طرابلس في بداية الحرب وطالبت في عدم استقبال نازحين، فالوضع في المدينة طبيعي ولم تُسجل حتى الآن أي إشكالات، سواء بين النازحين أنفسهم أو بينهم وبين أبناء المدينة. على العكس، يسود مناخ من الترحيب من قبل البلدية والأهالي".

هنغار "الكرنتينا" يرفع منسوب التوتر في بيروت

ما تعانيه مدينة صيدا تعيشه العاصمة بيروت أيضا ولكن بثقل أكبر، فلا يزال هناك مئات النازحين الذين نصبوا الخيام في ساحات المدينة، ويرفضون حتى الساعة التوجه إلى مراكز إيواء جاهزة شمال لبنان، بحجة أنهم لا يريدون الابتعاد عن منازلهم في الضاحية الجنوبية، الأمر الذي أدى إلى اكتظاظ في مراكز الإيواء في المدينة ومخاوف أمنية نظرا للتقديرات التي تشير إلى أن الحرب قد تكون طويلة، خصوصا مع استمرار التهديدات الإسرائيلية وآخرها ما قاله وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن مئات الآلاف من سكان جنوب لبنان الذين نزحوا لن يتمكنوا من العودة إلى منازلهم، إلى حين يتم ضمان الأمن الكامل لسكان شمال إسرائيل.

وقال الوزير الإسرائيلي إن "الجيش يتقدم داخل الأراضي اللبنانية لاقتناص خط دفاع أمامي، يقضي على مسلحي "حزب الله" ويدمر البنى التحتية للإرهاب والمنازل في القرى اللبنانية القريبة من الحدود، وفقا للنموذج الذي طبق في رفح وبيت حانون في غزة، وذلك بهدف خلق منطقة دفاعية وإبعاد التهديد عن المستوطنات الإسرائيلية".

ففي ظل تفاقم حدة الحرب برزت في الساعات الماضية منطقة الكرنتينا في بيروت كإحدى نقاط الاستقبال التي بدأ تجهيزها لاستقبال العائلات النازحة. غير أن هذا التطور، على أهميته الإنسانية، سرعان ما تحول إلى مادة سجالية تعكس عمق الانقسام اللبناني بين ضرورات الإغاثة ومخاوف التغيير الديموغرافي والسياسي، نظرا لقرب الموقع من مرفأ بيروت، وفي منطقة مفتوحة ومكتظة، عند تخوم الأشرفية حيث الثقل السكاني المسيحي في العاصمة.

ومع ارتفاع حدة السجال والضغط الشعبي أعلن رئيس الحكومة تمام سلام أن لا استقبال للنازحين في هنغار الكرنتينا، بدوره أكد نائب رئيس الحكومة طارق متري في تصريحات إعلامية أن "التهويل بهذا الموضوع في غير محله"، مشيرا إلى أنه تم عقد اجتماع مع نواب دائرة بيروت الأولى مع غرفة وحدة مخاطر الكوارث في رئاسة مجلس الوزراء لشرح حقيقة ما يجري، موضحا أن المركز "لم تُحدد وجهة استعماله بعد"، وأن قدرته الاستيعابية "لن تتجاوز 400 شخص".

يعيش لبنان حالة انقسام شعبي يغذيها "حزب الله" عبر جيشه الإلكتروني، وتصريحات مسؤوليه ضد قرارات الدولة وحتى ضد اللبناني الآخر الرافض لسلاح "الحزب" وعبثه بأمن البلد

في هذا السياق يرى الكاتب السياسي علي الأمين أن "التأثير السياسي يلعب دورا أساسيا في ما حدث حول مخيم الكرنتينا. فقيام "حزب الله" بإطلاق الصواريخ واستفراده بقرار الحرب، الذي يعكس قرارا إيرانيا أكثر منه لبنانيا، كان له أثر واضح من الناحية السياسية، أيضا في الحرب السابقة، كان التركيز الإسرائيلي منصبا بشكل مباشر على القيادات الأمنية والعسكرية التابعة لـ"حزب الله"، أما في هذه الحرب، فهناك مستوى أعلى من استهداف المدنيين. وهذا يزيد من مخاوف الناس، خصوصا مع القلق من أن مجرد وجود مناصرين أو حزبيين في منطقة معينة قد يشكل خطرا عليها، ما يخلق حالة من الرفض أو الحذر في استقبال بعض النازحين، ويؤدي في المقابل إلى حذر متبادل في توجه هؤلاء النازحين إلى نحو هذه المناطق".

وفيما يتعلق بموقف بعض نواب بيروت الرافض لفتح "هنغار الكرنتينا" يقول الأمين: "من الواضح أن لديهم موقفا سلبيا من استقبال النازحين، خوفا من تأثيرات أمنية أو عسكرية أو ديموغرافية على بعض المناطق. قد لا يكون هذا الموقف مبررا بالكامل، إلا أن هناك مخاوف قد تبدو أحيانا مشروعة، خاصة في ظل انعدام الثقة، والتصريحات الصادرة عن شخصيات مثل وفيق صفا ومحمود قماطي، إضافة إلى التهديدات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي وخطاب التخوين الذي يستخدمه (حزب الله). كل هذه العناصر تزيد من منسوب الريبة والخوف والقلق، وتؤدي إلى سجال حول ملف النزوح وكيفية التعامل معه".

ويتابع: "تطور الأحداث السياسية في البلاد أحدث شرخا على المستويين السياسي والاجتماعي، وأظهر أن (حزب الله) غير قادر على الاندماج ضمن فكرة الدولة ومشروع لبنان في ظل عدم القبول بحصر السلاح والتحول إلى حزب سياسي، والإصرار على اتخاذ القرار بشكل منفرد. هذا الأمر زاد من التشتت، وانعكس على ملف النزوح، إذ بات يُنظر إليه كنتيجة لمواقف (حزب الله)، ويُتعامل معه بوصفه مرتبطا به. كذلك برزت محاولة لدمج صورة النازحين بـ(الحزب)، خاصة مع وجود عناصر حزبية بشكل علني داخل مراكز الإيواء، خلافا لما كان عليه الحال في الحرب السابقة، حيث باتت السلطة الفعلية داخل هذه المراكز ثنائية بين (حزب الله) وحركة (أمل)، ما عزز هذه النظرة الربطية بين (الحزب) والنازح".

رويترز
مبنى متضرر في أعقاب غارات إسرائيلية ليلية، في الضاحية الجنوبية لبيروت، لبنان، 24 مارس 2026

ويضيف" "نحن أمام مناخ سياسي غير سوي، تسوده حالة من انعدام الثقة، مع شعور لدى بعض الأطراف بوجود خطر وجودي، ما يؤدي إلى استنفار العصبيات داخل البلد. ويتفاقم هذا الواقع مع نقطة أساسية، وهي أن الحكومة والدولة تبدوان الطرف الأضعف في مشهد الحرب، التي تبدو وكأنها مواجهة إيرانية–إسرائيلية على الأراضي اللبنانية. في هذا السياق، يشكل (حزب الله) طرفا أساسيا يقرر في مسار المواجهة، فيما تبدو الحكومة ضعيفة. وكلما ضعفت الدولة، ازداد النفور والتوتر، وتصاعد خطاب الريبة والخوف، وتعززت حالات الاستقواء داخل المجتمع، لتتقدم هذه المواقف على المشهد السياسي في ظل تراجع الخطاب الرسمي وضعف المؤسسات الأمنية والعسكرية".

"حزب الله" يستمر بخطاب التخوين والتهديد

منذ بداية هذه الحرب، أو تحديدا منذ نهاية حرب سبتمبر/أيلول 2024 التي انتهت على توقيع اتفاق وقف إطلاق نار يتضمن تنفيذ القرار 1701 الذي يقضي بسحب سلاح كافة الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة، يعيش لبنان حالة انقسام شعبي يغذيها "حزب الله" عبر جيشه الإلكتروني، وتصريحات مسؤوليه ضد قرارات الدولة وحتى ضد اللبناني الآخر الرافض لسلاح "الحزب" وعبثه بأمن البلد، حيث باتت تهم العمالة والتخوين والتوعد بالمحاسبة بعد استعادة "الحزب" سلطته بقوة السلاح، جزءا يوميا من حياة اللبنانيين، ورغم دخول "الحزب" حرب جديدة ونزوح أكثر من مليون "شيعي" تفاقم خطاب "الاستقواء والتخوين" عند "حزب الله"، فما هو الهدف؟

يبدو أن مسألة النزوح لم تعد محصورة في بعدها الإنساني في لبنان، بل تجاوزت مسألة الإيواء إلى هواجس ديموغرافية وأمنية وسياسية

يقول الكاتب السياسي علي الأمين إن "هناك تفسيرا واحدا وهو محاولة لتفادي السؤال الأساسي: لماذا جرت هذه الحرب، ولماذا تم توريط لبنان فيها، وما هي مسؤولية "حزب الله"؟ هذه الأسئلة طُرحت بداية داخل بيئة "الحزب" ومؤيديه قبل أن تتوسع إلى خارجها. ويبدو أن "الحزب" يسعى، في مكان ما، إلى خلق جبهة داخلية موازية، لإقناع بيئته بأن التهديد لا يقتصر على الخارج، بل يمتد إلى الداخل أيضا. وبهذا المعنى، يحاول نقل الصراع مع إسرائيل إلى الداخل اللبناني، بهدف شد العصب الشعبي، والتأكيد أنه يدافع عن الطائفة الشيعية، عبر ترسيخ فكرة أن هذه البيئة مستهدفة وأنه الجهة القادرة على حمايتها".

رويترز
عائلة نزحت من ضاحية بيروت الجنوبية عند شاطئ البحر في العاصمة اللبنانية في 4 مارس

ولكن هل يترجم الخطاب التحريضي الذي يستخدمه "الحزب" على أرض الواقع، يرى الأمين أن "تفاقم الأوضاع على الأرض، يبقى مرهونا بسلوك الدولة اللبنانية والسلطة الرسمية، التي يُفترض أن تكون قادرة على منع حصول مثل هذه الاحتكاكات التي شهدناها في بعض المناطق. وهذا يتطلب عملا سياسيا وإجراءات فعلية من قبل القوى الأمنية والعسكرية، التي يبدو حضورها في الشارع ضعيفا وغير كافٍ. حتى أماكن النزوح، ينبغي أن تكون تحت إشراف الجيش اللبناني أو القوى الأمنية، وأن لا تُترك لجهات قد تفتقر إلى القدرة أو المسؤولية في إدارة مراكز الإيواء، أو قد تساهم في تعريض النازحين لمخاطر إضافية".

إذن يبدو أن مسألة النزوح لم تعد محصورة في بعدها الإنساني في لبنان، بل تجاوزت مسألة الإيواء إلى هواجس ديموغرافية وأمنية وسياسية، ومع تصاعد وتيرة الحرب التي تنذر بإطالة رحلة التهجير، تتفاقم المخاوف من تسجيل حوادث متفرقة بين النازحين والمضيفين، ترفع من منسوب التوتر والتحريض، فهل تستدرك الحكومة خطورة الواقع وتعزز حضورها لتجنيب البلاد من كوارث إضافية؟

font change

مقالات ذات صلة