إسرائيل تكسب الحروب لكنها تخسر السلام

هل التفوق الاستخباري والعسكري كفيل وحده بدفع الدول إلى التقرب من تل أبيب؟

أ ب
أ ب
جندي إسرائيلي يقف بجوار صاروخ أُطلق من إيران واعترضه نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي في حقل مفتوح في مرتفعات الجولان التي تحتلها إسرائيل، الخميس 19 مارس 2026

إسرائيل تكسب الحروب لكنها تخسر السلام

يتشارك معارضو إسرائيل ومؤيدوها، في الشرق الأوسط وخارجه، تصورا مضللا مفاده أن لدى إسرائيل استراتيجية كبرى ترسم مسار سياستها في الأمن القومي. ففي نظر خصومها، تمضي القدس في تنفيذ مخطط خبيث، يختلف توصيفه تبعا للعدسة الأيديولوجية التي ينظرون منها. وفي المقابل، تروج الحكومة الإسرائيلية وأنصارها لفكرة أن إسرائيل تنتهج سياسة متماسكة تستهدف تفكيك المحور الإيراني وتوسيع نطاق اتفاقيات إبراهيم.

لكن الصورة الفعلية تبدو مختلفة. فمع أن العمليات العسكرية والاستخبارية الإسرائيلية تتسم، في كثير من الأحيان، بالدقة وحسن الإعداد، فإن إسرائيل أخفقت مرارا في صياغة استراتيجية سياسية شاملة. ولهذا السبب، لم تستطع تحويل تفوقها في الميدان إلى إنجازات سياسية ذات أثر استراتيجي دائم.

تجلى هذا الإخفاق بوضوح منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. فرغم ما حققته إسرائيل من تفوق عسكري في غزة ولبنان وإيران، وما أسهمت به في تعجيل سقوط نظام الأسد، فإنها عجزت عن ترجمة ذلك إلى مكاسب استراتيجية. وتؤكد ذلك الحروب المفتوحة التي لا تزال تخوضها في إيران ولبنان، كما يكشفه الجمود في غزة، حيث ما زالت "حماس" تفرض سيطرتها على أكثر من 47 في المئة من مساحة القطاع. وفي سوريا أيضا، تواصل إسرائيل تقديم المكاسب التكتيكية على ما عداها، فتتمسك بالسيطرة على مناطق احتلتها حديثا في القنيطرة وجبل الشيخ، بدلا من السعي إلى تفاهم أمني يفتح باب التعاون في مواجهة وكلاء إيران، ويمهد في الوقت نفسه لمسار تطبيع مع السلطات السورية الجديدة.

ظلت مديرية التخطيط في الجيش الإسرائيلي هي التي ترسم ملامح الحروب خلال العامين الماضيين، كما فعلت في الحروب السابقة، وسط حضور مدني باهت، أو غياب شبه كامل للوكالات المدنية

لم يكن عجز إسرائيل عن صياغة استراتيجية واضحة نتيجة لصدمة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أثارته من فوضى وارتباك، بل هو خلل قديم لازم الدولة منذ نشأتها. وقد أشار إلى هذا الخلل باحثون وصحافيون إسرائيليون، ورصدته تقارير متعاقبة لمراقب الدولة في إسرائيل، كما سلطت عليه الضوء "لجنة فينوغراد"، وهي لجنة تقصي الحقائق الرسمية التي أنشأتها الحكومة الإسرائيلية في أعقاب حرب لبنان عام 2006.

أ ف ب
تقف قوات الأمن الإسرائيلية بينما يتجمع المصلون المسلمون خارج أسوار البلدة القديمة في القدس في 20 مارس 2026 لأداء صلاة الفجر بمناسبة عيد الفطر

تعود هذه الإخفاقات المتكررة إلى أسباب بنيوية عميقة، في مقدمتها هيمنة الجيش الإسرائيلي على رسم سياسة الأمن القومي وتخطيطها. فبحكم تاريخ إسرائيل في الوجود في بيئة شديدة العداء، اضطلع الجهاز الأمني عادة بمهمة تنفيذ هذه السياسة وصوغ ملامحها، بينما بقي دور المؤسسات المدنية، وفي طليعتها وزارة الخارجية، محدودا وهامشيا. ويظل جيش الدفاع الإسرائيلي المؤسسة الأوفر نفوذا وموارد داخل الدولة، إذ يملك جهازا استخباريا واسعا ومديرية متخصصة في التخطيط. لكن هذه المديرية تنصرف إلى إعداد العمليات العسكرية، لا إلى بناء المسارات الدبلوماسية والمدنية المصاحبة لها. وعندما أُنشئ مجلس الأمن القومي الإسرائيلي عام 1999، كان من المفترض أن يتحول إلى الجهة المركزية المعنية بتخطيط السياسات، غير أنه أخفق في أداء هذا الدور بفعل سطوة الجيش، وضعف موارده، والاعتبارات السياسية لرؤساء الوزراء الإسرائيليين. ولهذا، ظلت مديرية التخطيط في الجيش هي التي ترسم ملامح الحروب الإسرائيلية خلال العامين الماضيين، كما فعلت في الحروب السابقة، وسط حضور مدني باهت، أو غياب شبه كامل للوكالات المدنية.

أفضى صعود اليمين الشعبوي المتشدد، الذي يمثل إيتمار بن غفير أحد أبرز وجوهه، إلى إدخال شخصيات إلى الحكومة تعاني نقصا فادحا في التأهيل وتحركها اعتبارات أيديولوجية متشددة

أما الرقابة المدنية على التخطيط العسكري، التي يفترض أن تضطلع بتوفير التوجيه الاستراتيجي عبر مجلس الوزراء، فهي تعاني هي الأخرى خللا بنيويا. ففي النظام البرلماني الإسرائيلي، يتشكل مجلس الوزراء من سياسيين لا من اختصاصيين تكنوقراط. ويُعاد انتخاب هؤلاء السياسيين على أساس شعبيتهم داخل قواعدهم الانتخابية، وهي شعبية لا ترتبط، في الغالب، بكفاءة أدائهم الوزاري، فضلا عن قدرتهم على صياغة سياسة أمن قومي متماسكة. وإلى جانب ذلك، يفتقر كثير من الوزراء إلى معرفة معمقة بقضايا الأمن القومي، ولا يكرسون وقتا كافيا لدراسة المواد التي يتيحها لهم معهد دراسات الأمن القومي، فتأتي قراراتهم محكومة برؤاهم الأيديولوجية وحساباتهم السياسية أكثر مما تستند إلى تقدير استراتيجي رصين.

رويترز
ناقلة جند مدرعة ووحدة مدفعية ذاتية الدفع على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان، وسط تصعيد بين "حزب الله" وإسرائيل، في شمال إسرائيل، 20 مارس 2026

ويزداد هذا الخلل البنيوي حدة مع تصاعد التطرف داخل اليمين الإسرائيلي. فقد أفضى صعود اليمين الشعبوي المتشدد، الذي يمثل إيتمار بن غفير أحد أبرز وجوهه، ومعه وزراء جاءوا من أحزاب اليمين المتطرف، إلى إدخال شخصيات إلى الحكومة تعاني نقصا فادحا في التأهيل وتحركها اعتبارات أيديولوجية متشددة. وزاد مسعى نتنياهو الشخصي إلى البقاء في السلطة من تراجع مستوى مجلس الوزراء الإسرائيلي. فعلى امتداد سنوات، عمل نتنياهو بصورة منهجية على إقصاء الشخصيات الجادة القادرة على منافسته أو تهديد موقعه من دوائر النفوذ، مثل يوآف غالانت وموشيه كحلون وموشيه يعالون. وفي المقابل، اتسعت داخل "حزب الليكود" والحكومة مساحة الوجوه الشعبوية المتملقة.

وأفضى هذا المسار إلى صعود رجال ونساء يكتفون بالتصفيق، ولا يملكون معلومات كافية، ولا يبذلون أي جهد فكري، ولا يجرؤون على مجابهة نتنياهو. وهكذا تحولت اجتماعات مجلس الوزراء، في كثير من الأحيان، من ساحة لصوغ السياسات والتخطيط لها إلى منابر للمشادّات وإطلاق المواقف التي تُسرَّب سريعا إلى وسائل الإعلام لتستهلكها الجماهير.

وسخر هنري كيسنجر ذات مرة بالقول: "إن إسرائيل لا تملك سياسة خارجية، بل تملك نظاما سياسيا داخليا فقط". ومنذ أن أطلق هذه الملاحظة في سبعينات القرن الماضي، لم يطرأ تبدل جوهري على هذه الدينامية. فبما أن الوزراء الإسرائيليين سياسيون يضعون إعادة انتخابهم في المقام الأول، فإن صنع القرار لديهم، حتى في قضايا الأمن القومي، يبقى خاضعا في جوهره لاعتبارات السياسة الداخلية.

عجز إسرائيل المنهجي عن التخطيط السياسي بعيد المدى، وعزوفها عنه، إلى جانب التطرف الأيديولوجي الذي يطبع الحكومة الحالية، أدخلها في حالة من الحرب المفتوحة منذ 7 أكتوبر 2023

وظهرت هذه الدينامية بوضوح في قرار إسرائيل البقاء في التلال الخمس داخل لبنان بعد انتهاء حرب 2024، في خرق لاتفاق وقف إطلاق النار. وقد اتخذ نتنياهو هذا القرار تحت ضغط رؤساء بلديات البلدات الإسرائيلية الحدودية، وكان كثير منهم من قيادات "الليكود" المحلية، وكذلك تحت ضغط وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي لم يقض في جيش الدفاع الإسرائيلي سوى أقل من عامين. ولا يبدو أن تمسك إسرائيل بهذه المواقع يستند إلى ضرورة عسكرية فعلية، إذ تتيح المسيّرات للجنود مراقبة الأهداف عبر الحدود واستهدافها من مسافات أبعد من تلك التي تفرضها السيطرة المباشرة على الأرض. لكن هذا التعنت منح "حزب الله" ذريعة للإبقاء على سلاحه ورفض التعاون مع خطة الجيش اللبناني لتسليم سلاحه إلى الدولة شمال نهر الليطاني. كما عزز الاجتياح الإسرائيلي واحتلال جنوب سوريا، من دون أن تطلق دمشق رصاصة واحدة، الانطباع السائد في لبنان وعلى مستوى المنطقة بأن إسرائيل تسعى إلى التوسع الجغرافي بصرف النظر عن طبيعة التهديدات الأمنية المنطلقة من تلك الأراضي. وبذلك، دعمت التحركات الإسرائيلية في سوريا موقف لبنانيين يرون أن إسرائيل ستسعى إلى احتلال جنوب لبنان بصورة دائمة إذا اختفت أسلحة "حزب الله".

أ ف ب
يبحث الناس بين الأنقاض في موقع برج سوسي المنهار، الذي دمره القصف الإسرائيلي في وقت سابق، في مدينة غزة في 6 سبتمبر 2025

وأخيرا، يصب تجنب تحديد أهداف سياسية واضحة في مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي. فلو طرح سياسة محددة، لأثار ذلك اعتراضات داخل الائتلاف من القوى الرافضة لها، ولأصبح أداؤه قابلا للقياس على أساس قدرته على دفع هذه السياسة إلى الأمام. لذلك تمنح الضبابية أي رئيس حكومة مكسبا سياسيا واضحا. وقد تجلى هذا الميل إلى الغموض في إصرار نتنياهو على تفادي بلورة تصور واضح لليوم التالي للحرب في غزة. كما سارعت الحكومة إلى استبعاد البديل الأكثر منطقية لـ"حماس"، أي السلطة الفلسطينية، لأسباب سياسية. وبفعل معارضتها قيام دولة فلسطينية، حافظت حكومات اليمين الإسرائيلي على سياسة تقوم على فصل الضفة الغربية عن غزة، بما يعني عمليا إبقاء القطاع تحت حكم "حماس". وحتى الآن، ومع بلوغ مرحلة اليوم التالي للحرب تحت ضغط ترمب لوقف القتال، لم تبلور الحكومة الإسرائيلية أي رؤية جدية لغزة. وبدلا من ذلك، تراهن إسرائيل على أن يفتح رفض "حماس" التخلي عن سلاحها الباب أمام استئناف الحرب على القطاع. وكأن قتل مزيد من عناصر الحركة وتوسيع نطاق الدمار في غزة يمكن أن يفرزا، بطريقة ما، سلطة بديلة تتولى حكم القطاع. وهكذا يتكرر المشهد على كل الجبهات: فعل عسكري بلا أفق سياسي واضح.

إن عجز إسرائيل المنهجي عن التخطيط السياسي بعيد المدى، وعزوفها عنه، إلى جانب التطرف الأيديولوجي الذي يطبع الحكومة الحالية، أدخلها في حالة من الحرب المفتوحة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقد ينجح الجهاز العسكري في التخطيط للعمليات العسكرية وتنفيذها، لكنه لا يستطيع أن يعوّض عن الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد. ولهذا، فعلى الرغم من أن إسرائيل كسبت عددا من الحروب ضد خصومها، فإنها عجزت عن تحويل هذا التفوق إلى مكاسب استراتيجية في غزة ولبنان وسوريا وإيران، كما أخفقت في دفع مسار التطبيع مع الدول العربية إلى الأمام. ويبدو أن مسؤولين إسرائيليين يتصرفون انطلاقا من اعتقاد بأن إظهار التفوق الاستخباري والعسكري كفيل وحده بدفع الدول إلى التقرب من إسرائيل. لكن الدولة التي تزعزع الاستقرار، وتعتمد بصورة مفرطة على القوة العسكرية لمعالجة كل أزمة، لا تبدو شريكا مغريا.

*إليزابيث تسوركوف: زميلة أولى غير مقيمة في معهد نيولاينز للسياسة والاستراتيجية. تابعها على منصة "إكس" عبر: ‎"@LizHurra".

font change

مقالات ذات صلة