إيران بعد لاريجاني... حرب بلا مخرج

اغتيال البرغماتي الوحيد في النظام أغلق كل سبل خفض التصعيد

أ ف ب
أ ف ب
يحمل أحد المشيعين صورة رئيس جهاز الأمن الإيراني علي لاريجاني خلال جنازته إلى جانب غلام رضا سليماني، وهو ضابط كبير في "الحرس الثوري" يقود قوات الباسيج، في طهران في 18 مارس 2026

إيران بعد لاريجاني... حرب بلا مخرج

في مساء 17 مارس/آذار 2026، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، والجيش الإسرائيلي أن علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، قُتل في غارة جوية على طهران. وأعلنا في الوقت نفسه مقتل قائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني. ولم تؤكد طهران هذه التقارير ولم تنفها. وبدلا من ذلك، تداول مستخدمون على وسائل التواصل الاجتماعي بهدوء مذكرة مكتوبة بخط اليد نُسبت إلى لاريجاني، كانت بمثابة نص تأبين لأربعة وثمانين بحارا إيرانيا قُتلوا في ضربة بحرية أميركية.

كان الصمت ذا دلالة، وكذلك اختيار الهدف. ولكي يفهم المرء ما الذي فُقد، وما الذي ينذر به هذا الفقد في مسار هذه الحرب، ينبغي أولا أن يفهم على وجه الدقة من كان علي لاريجاني.

المتشدد البرغماتي

وصفت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية الناطقة بالعبرية لاريجاني، في يوم اندلاع الأعمال القتالية في 28 فبراير/شباط، بأنه "محافظ لكنه عالي التعليم، ويتمتع بذهنية عملية"، وبأنه "الشخص الوحيد الذي يلجأ إليه "المرشد الأعلى" طلبا للمشورة البرغماتية بشأن الحرب ومسألة الخلافة". وبحلول 21 فبراير/شباط، صار لاريجاني الحاكم الفعلي للجمهورية الإسلامية. وقيل إنه حتى الرئيس بيزشكيان لم يكن قادرا على طرح مقترح بسيط، مثل رفع القيود الداخلية على الإنترنت، من دون أن ينال أولا موافقة لاريجاني.

اعتمد "المرشد الأعلى" الجديد، مجتبى خامنئي، نهجا متشددا بلا هوادة. فمنذ اندلاع القتال، صورت تصريحاته العلنية الصراع بوصفه مواجهة مصيرية نهائية، بما لا يترك حيزا سياسيا لأي تسوية

كانت سيرته المهنية استثنائية. فقد شغل منصب رئيس مجلس الشورى الإسلامي اثني عشر عاما، ونال دكتوراه في الفلسفة تخصص فيها في نظرية المعرفة الكانطية، واضطلع بدور إشرافي في مفاوضات الملف النووي عام 2015، أي "خطة العمل الشاملة المشتركة"، وكبانٍ لقناة الاتصال الخلفية الرئيسة مع كل من قطر وسلطنة عمان. وكان، باختصار، الرجل القادر على أن يتحرك في آن واحد داخل العالم الأيديولوجي للمؤسسة المتشددة، وأن يدير التواصل والتفاوض مع العالم الخارجي بلغة يفهمها.

أ ب
حريق ودخان يتصاعدان من منشأة لتخزين النفط أصيبت خلال الضربات الأميركية-الإسرائيلية على طهران، إيران، 7 مارس 2026

وفي نظام يخلط، على نحو معتاد، بين البرغماتية والردة، مثّل لاريجاني استثناء فريدا. فقد كان شخصية لا يطعن أحد في صلابتها أو تشددها، لكن نزوعه العقلاني أتاح له حساب الكلفة، ومعايرة التنازلات، والقبول بالتسويات، من دون أن يبدو وكأنه يخون الثورة. لذلك لا تقتصر آثار وفاته على غياب مسؤول رفيع، بل يبدد أيضا إمكان التوصل إلى مخرج محسوب من داخل النظام نفسه.

الفراغ الذي يتركه

يشغل وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه الخلف الطبيعي للاريجاني على المستوى الدبلوماسي، موقعا أضعف بنيويا. فهو يفتقر إلى سلطة المجلس الأعلى للأمن القومي، وإلى الرصيد الأيديولوجي، والأهم إلى الثقة الشخصية التي كان "المرشد الأعلى" يمنحها للاريجاني.

اعتمد "المرشد الأعلى" الجديد، مجتبى خامنئي، نهجا متشددا بلا هوادة. فمنذ اندلاع القتال، صورت تصريحاته العلنية الصراع بوصفه مواجهة مصيرية نهائية، بما لا يترك حيزا سياسيا لأي تسوية.

وأفضت النتيجة إلى قيادة تحتفظ بكامل القدرة على التصعيد، لكنها فقدت كل الآليات المؤسسية لخفض التصعيد. وبلغة نظرية النظم، فقد النظام القدرة على كبح نفسه.

آلة لا تستطيع التوقف

يتفاقم هذا الفقد بفعل المنطق البنيوي للعقيدة العسكرية الإيرانية. فقد صُممت عقيدة "الدفاع الفسيفسائي" لدى "الحرس الثوري" الإيراني، التي طوّرها قائد "الحرس الثوري" محمد علي جعفري بين عامي 2005 و2007، خصيصا للسيناريو الذي يتكشف الآن، وهو استهداف القيادة المركزية. وتستند بنيتها إلى 31 قيادة إقليمية مستقلة على مستوى المحافظات، تملك كل منها صلاحية تنفيذ عملياتها بصورة مستقلة تماما عن طهران.

وتحمل هذه البنية تبعات عميقة. فحتى لو أراد طرف عقلاني فاعل داخل الدولة الإيرانية إيقاف العمليات في مضيق هرمز أو أن يأمر وحدات "الحرس الثوري" بالتهدئة أو وقف العمليات في المنطقة، فلا يوجد قرار مركزي واحد كفيل بذلك. فالقادة الميدانيون لا يتحركون فقط من دون تفويض من المركز، بل إن العقيدة نفسها تلزمهم بذلك. لقد صُممت الآلة لكي تعمل من دون سائق، وهي تعمل الآن.

أزال اغتيال لاريجاني الشخصية الوحيدة القادرة على بلورة مخرج عقلاني من داخل النظام. وأطفأ التحول الاستراتيجي لدول الخليج آخر مصدر خارجي للضغط في اتجاه ضبط النفس

ولهذا بات من العسير إلى حد بعيد تطبيق الأدوات التقليدية لإنهاء الصراع. فالهدنة تتطلب محاورين يملكون سلطة قيادة حقيقية، وخطوط الاتصال الساخن تفترض أن الطرف الآخر يسيطر على قواته. ولا يتحقق أي من هذين الشرطين حاليا على الجانب الإيراني.

دول الخليج... ادانة الاعتداءات 

ثم جاء عامل ثالث ليغلق ما تبقى من الهامش الدبلوماسي. فقد شهدت دول مجلس التعاون الخليجي، التي دعت في الأسابيع الأولى من الصراع إلى ضبط النفس وأبدت انفتاحا على الوساطة، تحولا. وبعد ضربات إيرانية عشوائية شملت هجمات على بنى تحتية مدنية، أعادت هذه الدول النظر في موقفها.

أ ب
عمال الإنقاذ يبحثون عن ناجين تحت الأنقاض بعد غارة جوية جنوب طهران، إيران، 13 مارس 2026

وبعدما كانت تسعى إلى تهدئة تفاوضية، باتت دول المجلس تؤيد عمليا استمرار الأعمال القتالية إلى أن تُحيَّد القدرات العسكرية الإيرانية على نحو شامل، حتى إن لم تعلن ذلك دائما بهذه الصراحة. وكانت النتيجة العملية اختفاء الجهة الخارجية الوحيدة التي كان يمكن أن تدفع واشنطن نحو خفض التصعيد. ولم تعد الولايات المتحدة تواجه ضغطا حقيقيا من حلفائها للبحث عن مخرج سياسي.

تصعيد بلا مخرج

تحكم مسار الصراع الآن ثلاث آليات متشابكة. تضمن عقيدة "الدفاع الفسيفسائي" استمرار العمليات العسكرية بصرف النظر عن أي قرارات سياسية تُتخذ في طهران. وأزال اغتيال لاريجاني الشخصية الوحيدة القادرة على بلورة مخرج عقلاني من داخل النظام. وأطفأ التحول الاستراتيجي لدول الخليج آخر مصدر خارجي للضغط في اتجاه ضبط النفس.

وفي الأسابيع الأربعة إلى الستة المقبلة، تشير هذه الديناميات إلى اتجاه واحد لا غير، وهو تصعيد متواصل لا يلوح له مخرج في الأفق. فقد دخلت الحرب مرحلة لا يمتلك فيها أي طرف آلية موثوقة لإنهائها بشروط مقبولة، فيما تدفع كل الحوافز البنيوية نحو الاستمرار.

ولم يكن قتل علي لاريجاني مجرد إزاحة رجل نافذ، بل كان استئصالا للعقدة الوحيدة داخل النظام الإيراني التي كان يمكن أن تنفتح من خلالها قناة تفاوضية تفضي إلى إنهاء الحرب. وما بقي هو صراع فقد زر إيقافه، ومنطقة قد تحتاج جيلا كاملا للتعافي من تبعات ما سيأتي.

* أستاذ في كلية الدراسات العليا للسياسات الدولية والعامة بجامعة هيتوتسوباشي، وسفير سابق لدى العراق، وقائم بالأعمال سابقا في سوريا

font change

مقالات ذات صلة