ما فعله النظام الإيراني في المنطقة وفي بلده ذاتها

قوي إزاء شعبه وجواره

ما فعله النظام الإيراني في المنطقة وفي بلده ذاتها

استمع إلى المقال دقيقة

قبل أربعين عاما أصدر بول كينيدي كتابا متميزا عنوانه: "صعود وسقوط القوى العظمى... من 1500 إلى 2000"، تحدث فيه عن أسباب صعود الإمبراطوريات وأسباب أفولها، محذرا من أن أي قوة عظمى إن لم توازن بين مواردها وقدراتها وإنتاجيتها الذاتية، فإنها ستجد نفسها آجلا أم عاجلا في طور الهبوط. وبغض النظر عن القوى العظمى القديمة، التي تحدث عنها الكتاب، فقد شهدنا في القرن العشرين أفول الإمبراطوريات العثمانية والبريطانية والروسية/السوفياتية، وضمن ذلك انكسار المحاولتين الألمانية واليابانية.

وعن حصتنا في العالم العربي فقد شهدنا انكسار النظم القومية الراديكالية، مثلما حصل مع مصر عبد الناصر، وصدام في العراق، والقذافي في ليبيا، وأخيرا انهيار نظام الأسد بطريقة مريعة، وكلها يجمعها خيوط مشتركة، بمحاولاتها تمثل دور إقليمي، بالطريقة العسكرية، خارج حدودها، بما يفوق قدراتها، وبما يخاصم المعطيات الدولية والإقليمية غير المواتية، وبما يؤدي إلى إرهاق مجتمعاتها واستنزاف مواردها، بل وذهاب معظمها للانتحار.

ما تقدم ينطبق على النظام الإيراني، الذي أخطأ بحق شعبه، قبل أي أحد آخر، بوضع إيران في مواجهة العالم، وبالأخص جيرانه في دول الخليج والمشرق العربي، وبإثارته النعرة الطائفية التي صعدت إلى أقصاها بوجوده، مع تخليقه جماعات ميليشياوية، طائفية، مسلحة، في أكثر من بلد، وضمن ذلك تخصيص معظم موارده على التسلح، بدل الاستثمار في الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، والموارد البشرية، وانتهاج خيار التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، باعتبارها الخيار الأفضل لتعزيز قوة إيران وتحصينها داخليا وخارجيا.

عموما، فقد تميز النظام الإيراني بالعنجهية والغطرسة وانتهاج سياسة القوة والقسر، في الداخل والخارج، فهو لا يسمح بمعارضة توجهات "الولي الفقيه"، ويندر أن تجد في تاريخ هذا النظام أية جهة معارضة، أو وجهة نظر نقدية، مع ملاحظة روح التبجح عند قادته بشأن هيمنة إيران على عدة عواصم عربية (بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء)، ورفض التخلي عن دعم أذرعه الإقليمية في الخارج، وضمن ذلك رفض نزع سلاح "حزب الله" في لبنان رغم الدمار المحيق بهذا البلد، ورغم أن سلاحه لا يستطيع فعل أي شيء في مواجهة أسلحة الدمار التي تمتلكها إسرائيل، ولا حتى في منع اجتياحاتها، أو قتلها قادته واحدا تلو الآخر.

بات النظام الإيراني في العقدين الماضيين يفعل كل شيء لتصديع بني الدولة والمجتمع في المشرق العربي، وقد استطاع في العقدين الماضيين، فعل ما لم تستطع إسرائيل فعله منذ قيامها

في المقارنة، إن جازت، مع الصين وروسيا، نجد أن إيران تتصرف كدولة عظمى، حسب تعبير لرئيسها الأسبق أحمدي نجاد (2012)، حتى في تهديد الولايات المتحدة، وليس فقط إسرائيل، في حين تتعامل الصين، التي تعتبر ثاني قوة عظمى، بحكمة مع التحديات الخارجية، للحفاظ على مسار تطورها، وتفوقها، في العالم، اقتصاديا وتكنولوجيا، كي تكسب نفسها، وتعظم مكاسبها، دون أن تخسر أي شيء آخر، خارج حدودها، حتى لو كانت تايوان. أما روسيا، التي ظل طموحها أكبر من إمكانياتها، والتي تراجعت كثيرا، مقابل صعود الصين، في العقود الأربعة المنصرمة، فقد وجدت نفسها غير قادرة على بلع أوكرانيا، ما يفسر طول نفسها، وتأنيها، في عدم الذهاب إلى الحد الأقصى في الحرب الأوكرانية. هذا ينطبق على تركيا، التي ظلت تنأى بنفسها عن التعرض لقوة "قسد" في شمال شرق سوريا.

على ذلك، فقد انتهج النظام الإيراني خيارات سياسية وعسكرية ضد مصلحة شعبه وضد جيرانه، وهي سياسات قوضت كل المكاسب التي حققها في العقود الماضية، إذ إن هذه السياسات التي أفضت إلى خسارته على صعيد الإقليم، باتت تهدد وجوده داخل حدوده أيضا.

مشكلة النظام الإيراني أنه في نشوته إزاء التمدد الإقليمي الذي حاز عليه من إيران إلى لبنان مرورا بسوريا والعراق، لم يستوعب حدود إمكانياته وقدراته، ولم يستوعب أيضا طبيعة أو قواعد اللعبة الدولية.

بديهي، لا حاجة للتأكيد أن الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، يريدان تطويع النظام الإيراني لصالحهما، في محاولتهما إعادة الهندسة الإقليمية للمنطقة، من كل النواحي، لكن ما يجب ملاحظته أيضا أن النظام الإيراني فعل كل شيء خاطئ للوصول إلى هذه النقطة، في تعامله مع شعبه، وبتعامله مع الدول المجاورة، وطريقة إدارته للعراق ولبنان، ثم بمشاركته قتل السوريين، دفاعا عن نظام الأسد، طيلة 14 عاما، وها هو يقصف في العربية السعودية وقطر والكويت والإمارات والبحرين وعمان، أكثر مما قصف في إسرائيل؛ مع ملاحظة أنه حرص على النأي بنفسه سابقا، ليس فقط عن عملية "طوفان الأقصى"، وإنما حتى عن تقويض إسرائيل لـ"حزب الله" (أواخر 2024)، وهو درة التاج في ميليشياته في المنطقة.

ما يفيد ذكره هنا أن الحرب الراهنة لا تحجب حقيقة أن النظام الإيراني ذاته كان الطرف الإقليمي الأكثر فعالية في دول المشرق العربي، منذ عام 2003، أي طوال أكثر من عقدين، إذ كان بمثابة الشريك الإقليمي الأكبر للولايات المتحدة، إبان غزوها العراق (وغزوها أفغانستان)، حيث سلمت العراق لأميركا على طبق من فضة عبر الميليشيات الطائفية التابعة له، وعبر صوغ دستور يقوم على المحاصصة الطائفية في ذلك البلد، مع تسهيل الحاكم العسكري بول بريمر كل ذلك بحله كل أجهزة الدولة العسكرية والمدنية والخدمية في العراق.

وفقا لذلك بات النظام الإيراني في العقدين الماضيين يفعل كل شيء لتصديع بني الدولة والمجتمع في المشرق العربي، بحيث إنه هو بالذات الذي قدم خدمة كبيرة لإسرائيل، إذ إنه استطاع في العقدين الماضيين، فعل ما لم تستطع إسرائيل فعله منذ قيامها (1948).

إيران اليوم ضعيفة ومستنزفة، ومثلا فإن الناتج القومي الإجمالي لتركيا ثلاثة أضعاف مثيله في إيران، رغم أن مساحتها ضعف مساحة تركيا، مع تساو في عدد السكان، وامتلاك إيران لثروة نفطية وغازية هائلة

في غضون كل ذلك، لم يفهم النظام الإيراني، أو لم يكن يريد أن يفهم، طبيعة اللعبة، والتقاطعات، وما هو مسموح به، وما هو غير مسموح، أي إنه سار إلى مصيره بقدميه، فبعد انتهاء الاستثمار الأميركي والإسرائيلي بالسياسات الإيرانية الإقليمية العنجهية، أو بعد انتهاء المهمة بخراب دول المشرق العربي، بات المطلوب تحجيمه أو إعادته خلف حدوده.

لم يلتقط النظام الإيراني، المنفصم عن الواقع، هذه الحقيقة، الأمر الذي أخذه نحو المبالغة بقدراته، والاستهانة بقوة الولايات المتحدة، إلى حد تحديها عسكريا، والاستخفاف بقدرات إسرائيل الصغيرة، التي تعهد بعض قادته بمحوها في ساعات أو أيام، كونها "أوهن من خيوط العنكبوت"، مع التهديد بدول مجموعة "بريكس"، وبقطع إمدادات النفط من مضيق هرمز، وقصف المصالح الأميركية في المنطقة، في السعودية والكويت وعمان وقطر والبحرين والإمارات، ورفض نزع سلاح "حزب الله".

 أيضا لم يبال قادة إيران، بكل ما حصل منذ أواخر 2023، لجهة انهيار ما يسمى "محور المقاومة والممانعة"، مع تدمير قطاع غزة، وهيمنة إسرائيل على الفلسطينيين من النهر إلى البحر، والمصير البائس لـ"حزب الله" في لبنان، وانهيار النظام السوري (أوخر 2024)، وحتى إنه لم يتعظ من مصرع خامنئي، ومعظم قادة الصف الأول في نظامه، بحيث بات المطلب الأميركي اليوم لا يقف، فقط، عند منع النظام من حيازة قوة نووية، وإنما بات يتوسع إلى نزع ترسانته من الصواريخ الباليستية، وكف يده عن دعم الميليشيات، وعدم توجيه أي تهديد لإسرائيل من أي نوع، بل إن الأمر تجاوز كل ذلك إلى السعي لإنهاء النظام الإيراني ذاته، باستنزاف موارده، وضرب بناه التحتية، وحتى من خلال احتلال أجزاء من إيران.

هذا كله تفعله الولايات المتحدة وإسرائيل بالطبع، بيد أن ذلك ما فعله النظام الإيراني بشعبه أيضا، فإيران اليوم ضعيفة ومستنزفة، ومثلا فإن الناتج القومي الإجمالي لتركيا ثلاثة أضعاف مثيله في إيران، رغم أن مساحتها ضعف مساحة تركيا، مع تساو في عدد السكان، وامتلاك إيران لثروة نفطية وغازية هائلة.

في المحصلة إيران قوية إزاء شعبها، وجوارها، ولكنها منكشفة وضعيفة إزاء إسرائيل والولايات المتحدة، وتلك مسؤولية النظام الإيراني ذاته.

font change