على مدى عقود، مثّل الدعم الأميركي لإسرائيل واحدا من الثوابت النادرة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وتعاملت معه إدارات ديمقراطية وجمهورية على السواء باعتباره مسلّمة استراتيجية، لذلك قلّما واجه تشكيكا داخل واشنطن، كما حظي بقبول واسع لدى الرأي العام الأميركي. غير أن هذا الإجماع أخذ يتعرض لضغوط متزايدة، وتساعد الحرب مع إيران في تسريع وتيرة هذا التحول.
جسّد استطلاع أجرته مؤسسة "غالوب" في فبراير/شباط 2026 تحولا لافتا. فللمرة الأولى منذ أن بدأت المؤسسة قياس هذه القضية، أعرب الأميركيون عن تعاطف أكبر مع الفلسطينيين مقارنة بالإسرائيليين. وقال 41 في المئة إنهم يتعاطفون أكثر مع الفلسطينيين، مقابل 36 في المئة مع الإسرائيليين. وقبل ثلاثة أعوام فقط، كانت هذه النسب شبه معكوسة تماما.
قلّما يشهد الرأي العام تحولا بهذا القدر من الحدة من دون عوامل تدفعه نحو هذا التحول. ولا يقتصر هذا العامل اليوم على الحرب المدمرة في غزة، بل يشمل أيضا تنامي الانطباع بأن الولايات المتحدة زجّت نفسها في صراع جديد في الشرق الأوسط من دون رؤية واضحة لما تسعى إلى تحقيقه.
وحتى قبل أن توجه الولايات المتحدة ضرباتها الأولى إلى إيران، كانت استطلاعات الرأي تشير باستمرار إلى أن أكثرية الأميركيين ترفض الانخراط العسكري المباشر في حرب من هذا النوع. ولم يكن هذا الرفض محصورا في تيار سياسي أو فئة عمرية بعينها، بل امتد عبر مختلف الأحزاب والأجيال. وبعد عقدين من الحروب المكلفة في العراق وأفغانستان، بقي الأميركيون مترددين في خوض مواجهة طويلة جديدة في الشرق الأوسط.
ومع ذلك، تنخرط الولايات المتحدة الآن في صراع من هذا النوع؛ صراع تبدو أهدافه وكأنها تتبدل مع كل مرحلة. ففي البداية، قُدّم التحرك على أنه محدود ومركّز، بوصفه حملة تستهدف إضعاف القدرات النووية الإيرانية ومنع طهران من الاقتراب أكثر من امتلاك سلاح نووي. لكن هذا الوصف لم يلبث أن اتسع، وبدأ مسؤولون يتحدثون عن حمل إيران على تغيير سلوكها الإقليمي.

