هل ينزلق العالم نحو حرب أوسع؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
انفجارات عقب غارات جوية استهدفت مصفاة نفط طهران في 7 مارس 2026

هل ينزلق العالم نحو حرب أوسع؟

هل يقف العالم اليوم على شفير حرب عالمية؟ أثارت هجمات إسرائيل والولايات المتحدة على إيران مخاوف في بعض الأوساط. ففي السابع من مارس/آذار تصدر صحيفة "التلغراف" البريطانية عنوان رئيس حذر من "إمكانية انجرار بريطانيا إلى الحرب العالمية الثالثة". وفي الوقت نفسه حذر ريتشارد شيريف، نائب القائد الأعلى السابق لقوات حلف "الناتو"، من أن هذا الصراع قد يكون "الشرارة الأخيرة لحرب عالمية ثالثة". وقبل ذلك بشهر، اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة مع "هيئة الإذاعة البريطانية" (BBC)، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإشعال فتيل الحرب العالمية الثالثة.

والحديث عن "حرب عالمية" صار لازمة مألوفة في خطاب المحللين منذ انتهاء آخر صراع عالمي عام 1945، فهل الوضع مختلف هذه المرة؟

على الرغم من حجم المأساة التي ينطوي عليها كلا الصراعين في أوكرانيا وإيران بالنسبة للمتضررين، ما زال نطاق التدخل العالمي فيهما محدودا مقارنة بالحروب العالمية السابقة. ولكن، هل يمكن أن يكون شيريف محقا في أن ما يشهده العالم اليوم قد يشعل شرارة حرب أوسع نطاقا؟ وهل لعبت التغيرات الجيوسياسية العالمية الأخيرة دورا في زيادة فرص تحول هذه الصراعات إلى "حروب عالمية؟".

الانزلاق نحو حرب عالمية

في معظم مراحل التاريخ البشري، كانت الحروب العالمية مستحيلة، نظرا لضعف الاتصالات والقدرات الصناعية. وحتى لو كانت الصراعات مروعة في منطقة ما، كحرب الممالك الثلاث في الصين، أو الغزوات المغولية في آسيا، أو حرب الثلاثين عاما في أوروبا، فتلك الحروب لم تكن "عالمية". لكن ذلك تغير عندما أتاحت القدرات اللوجستية والصناعية هذا الاتساع. وعلى الرغم من أن حرب 1914-1918 كانت أول حرب تسمى "حربا عالمية"، فإن الصراعات الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كحرب السنوات السبع والحروب النابليونية، امتدت لتشمل أميركا الشمالية والجنوبية والهند ومنطقة الكاريبي، واتخذت منحى عالميا، وبلغت تلك الصراعات ذروتها الدموية في الحرب العالمية الثانية، التي شارك في القتال فيها أكثر من 70 دولة، وحصدت أكثر من 75 مليون شخص، معظمهم من المدنيين.

تحولت الحروب إلى العالمية بمساعدة التكنولوجيا المتطورة، غير أن العامل الأساسي الذي وسع نطاق تلك الحروب كان التحالفات التي سمحت لنزاع بين طرفين متحاربين بجذب المزيد من الأطراف

ومما لا شك فيه أن هذه الحروب تحولت إلى العالمية بمساعدة التكنولوجيا المتطورة التي سمحت للسفن، ولاحقا للطائرات، بالوصول إلى أقصى بقاع الأرض، غير أن العامل الأساسي الذي وسع نطاق تلك الحروب كان التحالفات التي سمحت لنزاع بين طرفين متحاربين بجذب المزيد من الأطراف. فعلى سبيل المثال ضمنت مثل تلك التحالفات أن لا يقتصر التنافس بين فرنسا وبريطانيا على مستعمراتهما في أميركا الشمالية عام 1756، بل رأينا بروسيا، حليفة لندن، تخوض حروبا ضد حلفاء باريس، روسيا والنمسا، في أوروبا. ومن جهة أخرى خاضت القوات الهندية الخاضعة للقيادة البريطانية معارك ضد القوات الهندية الخاضعة للقيادة الفرنسية في الهند. كما أن شبكة التحالفات الأوروبية المعقدة كانت السبب في أن يشعل اغتيال دوق نمساوي في البوسنة عام 1914 فتيل صراع على مستوى القارة، وأن يكون غزو ألمانيا لبولندا عام 1939 بداية الحرب الأكثر تدميرا في التاريخ.

أ.ف.ب
صورة نُشرت في 1941 تُظهر منصات إطلاق صواريخ سوفياتية أثناء الحرب العالمية الثانية

لكن منذ نهاية تلك الحرب في عام 1945، بذل قادة العالم جهودا واعية لتجنب مثل هذه الصراعات العالمية المدمرة. إن الخوف من الدمار المتبادل المؤكد عبر الأسلحة النووية، وظهور نظام سياسي ثنائي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وإنشاء الأمم المتحدة، كانت كلها عوامل أساسية لعبت دورا هاما في تعزيز تلك الجهود. لم تختف الحروب كليا، وكان الكثير منها مروعا، إلا أن معظمها ظل محصورا في مناطق محددة. وعندما امتدت، كان ذلك داخل المنطقة المرتبطة وليس على مستوى العالم. ففي عام 1962 على سبيل المثال، تمكنت واشنطن وموسكو، بصعوبة بالغة، من تجنب صراع مباشر حول كوبا. وبدلا من ذلك، فضلت القوى العظمى خوض الحروب بالوكالة، ودعم الأطراف المتنافسة في الحروب الأهلية حول العالم، في أماكن مثل فيتنام وأفغانستان وأنغولا.

خلافا للحرب في أوكرانيا، فقد امتد الصراع مع إيران بالفعل خارج حدود الدولة المستهدفة. حيث وصل رد طهران إلى دول الخليج وجهات إقليمية أخرى باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ

لم تعاود الحروب العالمية الظهور بعد انتهاء الحرب الباردة. شهدت فترة ما بعد عام 1991، التي تميزت بالهيمنة الأميركية "أحادية القطب" عددا من الحروب، أشعلت واشنطن معظمها في سعيها لفرض هيمنتها العالمية. لكن ومع قيام الولايات المتحدة بدور الحكم العالمي، لم يكن ثمة مجال أمام أي تحالف منافس لتحديها بشكل فعلي، وبقيت الصراعات محصورة في نطاق محلي كما كان الحال أيام الحرب الباردة.

هل تتزايد المخاطر في عالم متعدد الأقطاب؟

إن التحول إلى عالم متعدد الأقطاب اليوم ينبغي أن يقرع أجراس الخطر. فقد كانت التعددية القطبية هي النموذج السائد الذي اندلعت في ظله الحروب العالمية قبل عام 1945. ويرى الباحثون في العلاقات الدولية أن التعددية القطبية تزيد من فرص نشوب صراعات واسعة النطاق، بسبب وجود تنافسات متعددة بين كتل القوى التي يمكن أن تشعل فتيل الصراع، أكثر مما قد تتسبب به الثنائية أو الأحادية القطبية حيث تقل هذه النزاعات. لا بد من القول إنه وعلى الرغم من كل هذه المخاوف، لم يشهد عصر تعدد الأقطاب بعدُ صراع "القوى العظمى" الذي يحذر منه خبراء العلاقات الدولية.

أ.ف.ب
المدمرة البريطانية "دراغون" التابعة للبحرية الملكية البريطانية، تغادر قاعدة بورتسموث البحرية الملكية متجهةً إلى شرق البحر الأبيض المتوسط ​​لتعزيز الدفاعات البريطانية في المنطقة في 10 مارس 2026

تشبه الحرب الأوكرانية حتى الآن، على الرغم من طول مدتها وقسوتها، الصراعات بالوكالة التي شهدتها الحرب الباردة. فقد امتنع داعمو أوكرانيا: الولايات المتحدة والقوى الأوروبية، عن الانخراط في الحرب بشكل مباشر. واكتفوا بتقديم الأموال والأسلحة إلى كييف، في عمل يشابه ما قامت به واشنطن من تسليح للمجاهدين الأفغان في ثمانينات القرن الماضي، أو تسليح الصين والاتحاد السوفياتي للفيتكونغ وتدريبهم. وعلى نحو مماثل، تشبه الحرب على إيران حتى الآن الصراعات الأميركية خلال مرحلة الهيمنة الأحادية. فكما كان الحال مع غزوها للعراق وأفغانستان، أو قصفها لصربيا عام 1999، تعد الحرب على إيران صراعا غير متكافئ، حيث تتمتع الولايات المتحدة ومعها حليفتها إسرائيل بتفوق عسكري ساحق، وتسعى إلى فرض هيمنتها على قوة إقليمية أضعف بكثير، ولا تخوض حربا ضد منافس من القوى العظمى.

لكن وخلافا للحرب في أوكرانيا، فقد امتد الصراع مع إيران بالفعل خارج حدود الدولة المستهدفة. حيث وصل رد طهران إلى دول الخليج وجهات إقليمية أخرى باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ، في حين دفعت الضربات الداعمة لـ"حزب الله" إسرائيل إلى شن حملة واسعة وضعت لبنان في قلب الصراع. ومن المحتمل أن يرى حلفاء إيران من الحوثيين وقوات "الحشد الشعبي" و"حماس"، في كل من اليمن والعراق وفلسطين ساحات لتوسيع رقعة الصراع، إلا أنه لن يرقى إلى صراع عالمي، على الرغم من آثاره المدمرة على الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. وللوصول إلى هذا المستوى من الصراع، لا بد من تدخل قوى عالمية، وهو ما يبدو مستبعدا في الوقت الراهن.

إذا نجح ترمب في إيران، أو بوتين في أوكرانيا، فهل ثمة احتمال متزايد في لجوئهم أو لجوء من يأتي بعدهم إلى نفس الأسلوب في أماكن أخرى؟

تحظى إيران بعلاقات وثيقة مع كل من روسيا والصين، إلا أنها لا تمتلك تحالفا عسكريا مماثلا للتحالفات التي جمعت بريطانيا وفرنسا عام 1756 أو القوى الأوروبية عام 1914. وعلى الرغم من أن روسيا تبادلت مع طهران الخبرات المتعلقة بقيادة الطائرات المسيرة، فإن هذا لا يجعل الحربين الأوكرانية والإيرانية جزءا من صراع واحد مترابط، كما كان الحال على سبيل المثال في الحرب الصينية-اليابانية التي أصبحت جزءا من الحرب العالمية الثانية بعد عام 1941. حتى إن الرئيس دونالد ترمب قد عرض تخفيفا مؤقتا للعقوبات على موسكو لتسهيل إدخال النفط الروسي إلى السوق؛ وهذا لا يوحي بسلوك حكومة ترى إيران وروسيا عدوا واحدا.

تحطيم المعايير

يصعب في الوقت الراهن أن نتصور كيف يمكن للحرب في أوكرانيا أو الحرب على إيران أن تتوسع لتتحول إلى صراعات عالمية. يكمن الخطر الأكبر في أن تمهد هذه الحروب الطريق لعصر جديد من الصراعات التي يمكن أن تتصاعد بدورها. لقد تجاهل كل من بوتين وترمب الأعراف الدولية عندما شنا حربيهما. ولم يبدِ أي منهما محاولات لعرض مظالمهما في الأمم المتحدة، أو لحشد الدعم الدولي، كما كان الحال في معظم الصراعات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من أن كليهما وجد مبررات لإضفاء الشرعية على أفعاله، لم يقتنع بتلك المبررات إلا قلة قليلة، ويرى معظم الناس في ذلك استعراضا للقوة من قبل القوى العظمى. وهذا يزيد من احتمال أن تحذو قوى عالمية أخرى حذوهما لتحقيق مصالحها الخاصة.

رويترز
طائرات من طراز "أف 18" على سطح حاملة الطائرات الأميركية "أبراهام لنكولن" في خليج عُمان بالقرب من مضيق هرمز، في 15 يوليو 2019

هل يمكن أن نرى الصين تستهدف تايوان بطريقة ما، أو إثيوبيا تضغط على إريتريا، أو هل نشهد توغلا أعمق للهند في كشمير؟ وإذا نجح ترمب في إيران، أو بوتين في أوكرانيا، فهل ثمة احتمال متزايد في لجوئهم أو لجوء من يأتي بعدهم إلى نفس الأسلوب في أماكن أخرى؟ يشير باحثو العلاقات الدولية إلى أنه في نظام عالمي متعدد الأقطاب، كلما زاد عدد الجهات الفاعلة المستعدة لاستخدام القوة لتحقيق أهدافها، زادت احتمالات اندلاع الصراع. وفي مثل هذه البيئة، من المرجح أن تسعى الدول، للدفاع عن نفسها في المستقبل، إلى إقامة تحالفات عسكرية كتلك التي شهدها عام 1914، والتي تفتقر إليها إيران حاليا. وهذا كله يزيد من فرص اندلاع حرب عالمية في المستقبل، حتى وإن بدت بعيدة الآن.

font change

مقالات ذات صلة