هل تخوض أميركا وإيران حربهما الأخيرة؟

عندما تضع الحرب أوزارها، قد لا تُقرأ فقط بوصفها مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، بل كلحظة كاشفة في تاريخ أطول، لحظة تتقاطع فيها تحولات عسكرية واقتصادية وأمنية ستترك أثرها على الإقليم والعالم

هل تخوض أميركا وإيران حربهما الأخيرة؟

استمع إلى المقال دقيقة

لا تحمل الحروب دائما المعنى نفسه. قد تكون إعلانا عن ذروة القوة، أو إشارة مبكرة إلى حدودها. وبين هذين المعنيين، يبرز السؤال: هل تخوض أميركا وإيران حربهما الأخيرة، لإنقاذ الدور أم لوقف الانهيار؟

في لحظات الصعود، تستخدم القوى الكبرى القوة لترسيخ موقعها وتحديد الحدود. هكذا بدت حرب تحرير الكويت عام 1991، أكثر من مجرد عملية عسكرية، كانت إعلانا عن نظام دولي جديد تقوده الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وتكرر المشهد في البلقان خلال التسعينات، حيث مارست واشنطن دور الحكم القادر على إعادة رسم التوازنات على أنقاض "أوروبا الشرقية". وحتى حربا أفغانستان والعراق بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، انطلقتا من هذا الإحساس بالتفوق، قبل أن تتحولا تدريجيا إلى تجربتين كشفتا كلفة الهيمنة وحدودها.

لكن التاريخ يقدم أيضا دروسا مضادة. ففي منتصف الخمسينات، حققت بريطانيا وفرنسا (وإسرائيل) تفوقا عسكريا سريعا في حرب السويس، لكنهما خسرتا ما هو أكبر، موقعهما في النظام الدولي. وتكررت هذه المفارقة في تجارب أخرى عندما خاضت إمبراطوريات حروبها الأخيرة في سنواتها الأخيرة، من الدولة العثمانية، إلى الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وصولا إلى روسيا الاتحادية في أوكرانيا. في هذه الحالات، لم تكن الحرب أداة توسع، بل محاولة لوقف تراجع ظهرت ملامحه. معارك عجلت المسار بدل أن توقف حركة التاريخ أو تغيّر اتجاهه.

ماذا عن حرب إيران؟ عسكريا، تبدو الفجوة واضحة. الضربات الأميركية–الإسرائيلية أظهرت تفوقا تقليديا وذكيا حاسما استهدف الأصول العسكرية والقيادات. لكن رد طهران اتخذ مسارا مختلفا. فقد قامت إيران بما كانت دول الجوار تحذر منه عبر العقود، التوسيع الأفقي للصراع وساحاته والاعتداء العدواني على الجوار، واستخدام أدوات غير تقليدية عبر المسيّرات والصواريخ، والضغط على ممرات حيوية كمضيق هرمز، وعرقلة خطوط الإمداد. بل ووصلت الاستهدافات إلى جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، بمدى يضع عواصم أوروبية مثل لندن وباريس وبرلين وروما ضمن نطاق صواريخ طهران.

هل تكشف هذه المواجهة حدود "إمبراطورية الميليشيات والمسيّرات" ومخاطرها على الجوار القريب والبعيد

من هنا، يبرز سؤال آخر: هل تخوض إيران حربها الأخيرة؟ أي هل تكشف هذه المواجهة حدود "إمبراطورية الميليشيات والمسيّرات" ومخاطرها على الجوار القريب والبعيد، عندما تُواجه بضربات مباشرة تستهدف بنيتها وقيادتها؟ وهل يمكن لنفوذ قائم على التشظي أن يتحول سريعا إلى عبء استراتيجي، يسرع الغياب بدل أن يرسخ الحضور؟

حتى الآن، لا تبدو الحرب قادرة على فرض تسوية المنتصر أو "الاستسلام غير المشروط" كما في حروب سابقة. وكأن القوة، رغم فعاليتها العسكرية، تفقد جزءا من قدرتها على صناعة نتائج سريعة وحاسمة. من هذه الزاوية، قد لا تكون الحرب مجرد اختبار لعلاقة الولايات المتحدة بإيران، بل اختبار لتحالفات وعلاقات إقليمية ودولية ونظام عالمي يتغير ببطء، نظام لم تعد فيه القوة العسكرية وحدها كافية لفرض التوازنات، ولا التراجع عنها ممكنا من دون كلفة.

عندما تضع الحرب أوزارها، قد لا تُقرأ فقط بوصفها مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، بل كلحظة كاشفة في تاريخ أطول، لحظة تتقاطع فيها تحولات عسكرية واقتصادية وأمنية ستترك أثرها على الإقليم والعالم

من سيربح هذه الحرب عسكريا؟ سؤال مهم. لكن السؤال الأهم: ماذا ستكشف؟ هل ما زالت الولايات المتحدة قادرة على تحويل تفوقها العسكري إلى نظام مستقر؟ أم إن هذا التفوق بات يعمل في بيئة مختلفة، حيث تستطيع قوى أخرى، وفي مقدمتها الصين، أن تعيد تشكيل موازين القوة من خارج ميادين القتال؟ هل تنتقل أميركا من حرب إيران بعد فنزويلا إلى كوبا؟ وأي إيران ستخرج من ركام الحرب؟ وأي شرق أوسط سيتشكل؟ وما دور إسرائيل والدول الإقليمية الأخرى الفاعلة؟

عندما تضع الحرب أوزارها، قد لا تُقرأ فقط بوصفها مواجهة جديدة في الشرق الأوسط، بل كلحظة كاشفة في تاريخ أطول، لحظة تتقاطع فيها تحولات عسكرية واقتصادية وأمنية ستترك أثرها على الإقليم والعالم.

قد لا تكون هذه "الحرب الأخيرة" لأيٍّ من الطرفين، لكنها من نوع مختلف. حرب لا تنتهي بانتصار واضح، ولا تؤسس لنظام جديد بالوضوح الذي عرفه القرن العشرون، بل تكشف أن القوة، رغم استمرارها، لم تعد كافية وحدها لتحديد شكل العالم.

عام 2026 دخل التاريخ بالفعل، وسيعود إليه المؤرخون، لا فقط بوصفه عام حرب، بل بوصفه لحظة اختبار لمعنى القوة وحدودها في عالم يتغير.

font change