لبنان... بين "نهج مجتبى" و"المفاوضات المباشرة"

حزب الله" يتبنى استراتيجية لا تعنى بأكلاف المعركة إلا في ما يخص قبول بيئته الاجتماعية بها

 أ.ف.ب
أ.ف.ب
نافذة محطمة تُطل على فرق الإسعافات الأولية والقوى الأمنية العاملة قرب مبنى استُهدف بغارة جوية إسرائيلية في مدينة صيدا الساحلية جنوب لبنان في 6 مارس 2026

لبنان... بين "نهج مجتبى" و"المفاوضات المباشرة"

بلغت حرب إيران الثانية يومها الثاني عشر، أي عدد أيام الحرب الأولى في يونيو/حزيران الماضي، مع فارق أنها هذه المرة لم تصل إلى خواتيمها، وقد تحول إعلان نهايتها إلى عنوان اشتباك وتحد بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يقول إن الحرب ستكون رحلة قصيرة الأمد، وأنها ستنتهي قريبا، وبين "الحرس الثوري" الذي يقول إن إيران هي من ستحدد نهاية الحرب، وبين بنيامين نتنياهو الذي يقول إن الحرب لم تنته بعد.

هذا في وقت لا يلوح في الأفق سيناريو نهاية شبيه بسيناريو المرة الماضية، أي أن ينفذ الجيش الأميركي هجوما نوعيا يخرج بعده دونالد ترمب ليقول إن الحرب قد انتهت وحققنا انتصارا ساحقا على طهران. فعنصر المفاجأة يبتعد أكثر فأكثر في الحرب الثانية ولا يبدو أنّ أيا من أطرافها يخبئ مفاجأة لعدوه، فالأوراق جميعها أصبحت مكشوفة، ويوما بعد يوم يتبين أن الحرب تحولت إلى معركة عض أصابع وأن الهدف الرئيس للنظام في إيران أن يحاول رفع أكلاف الحرب إلى أبعد الحدود كرهان أول وأخير لديه للضغط على العالم لإيقافها.

ولعلّ الورقة الرئيسة التي يحاول النظام في إيران أن يلعبها في وجه العالم الخائف هي أن يشعل أو أن تتسبب الحرب في حدوث أزمة طاقة عالمية مع توقف أو تراجع تدفقات الطاقة من المنطقة في ظل إغلاق مضيق هرمز الذي تمر عبره 20 في المئة من النفط والغاز المتداول عالمياً، إن لم يكن بالقوة الإيرانية فبخوف الناقلات من العبور مع رفع كلفة التأمين. وهو ما بدا واضحا من تصريحات "الحرس الثوري"، الذي يبدو أنه أخذ جرعة دعم معنوية كبيرة مع انتخاب مجتبى خامنئي أحد عناصره القدامى الذي شارك في المرحلة الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988). "الحرس الثوري" أعلن الاثنين أنه لن يسمح بشحن "لتر واحد من النفط" من الشرق الأوسط إذا استمر الهجوم ضد إيران، مما دفع ترمب إلى التحذير من أن "الولايات المتحدة ستضرب إيران بقوة أكبر إذا منعت الصادرات من منطقة إنتاج الطاقة الحيوية".

أحد أهم الأسئلة في ما يتعلق بإيران حاليا هو عن السياسة التي سيتبعها "المرشد" الجديد مجتبى خامنئي، فهل سينتهج سياسة متشددة مثل والده الراحل، أم سيتجه إلى إبداء قدر من المرونة

هذه اللهجة التصعيدية من "الحرس الثوري" قد لا ترتبط وحسب بانتخاب "المرشد" الجديد والحاجة إلى مواكبته بخطاب متشدد سياسيا وعسكريا، من مثل إن "الأمن في المنطقة إما أن يكون للجميع وإما لن ينعم به أحد"، بل أيضا ببلوغ الضغط العسكري على إيران حدودا تضطرها إلى استخدام آخر أوراق ضغطها وهي منع صادرات النفط من المنطقة، ولاسيما أن ثمة سؤالا عن مقدار تراجع قدرة إيران على قصف إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة فضلا عن دول الخليج، في وقت أن القصف الإيراني يتفاوت بين يوم وآخر، وهو في تراجع إجمالي إذا ما قيس على الأيام الأولى للحرب، في وقت أن ترمب يقول إن الجيش الأميركي دمّر 80 في المئة من القوى الصاروخية الإيرانية.

(أسوشييتد برس)
مجتبى خامنئي يشارك في "مسيرة يوم القدس" في طهران، إيران، 31 مايو 2019

غير أن أحد أهم الأسئلة في ما يتعلق بإيران حاليا هو عن السياسة التي سيتبعها "المرشد" الجديد مجتبى خامنئي، فهل سينتهج سياسة متشددة مثل والده الراحل، أم سيتجه إلى إبداء قدر من المرونة في التعامل مع التحديات التي تواجهها إيران، سواء داخليا أو خارجيا، بدءا بإبداء استعداد للتفاوض بشأن وقف إطلاق النار، ومن ثم التوصل إلى اتفاق مع الإدارة الأميركية. لكن السؤال الأساسي قد يكون بالاتجاه المعاكس، أي إلى أي حد ستقبل واشنطن بالتفاوض على وقف إطلاق النار، فربما تترك الحرب من دون اتفاق مسبق، أي تتركها معلقة على احتمال تجددها، أو احتمالات توجيه ضربات "محددة" إسرائيلية أو أميركية، من دون الدخول في حملة عسكرية طويلة، أي أن يدخل الصراع وتيرة جديدة، بين الضغوط الاقتصادية القصوى، وبين التهديدات العسكرية، بهدف إنهاك النظام أكثر فأكثر ومنعه من إعادة تسويق نفسه لدى شرائح الإيرانيين التي احتجت ضده في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

وهنا يمكن استحضار نموذج وراثة بشار الأسد لحكم والده حافظ، إذ سرعان ما ظهر أن هذه الوراثة كانت إعلانا لـ"موت" النظام بالمعنى السياسي وإن تأخر دفنه 25 عاما رفض فيها بشار الأسد "تغيير سلوكه" والتفاوض مع واشنطن. السؤال نفسه يطرح مع ثاني عملية توريث سياسي بهذا الحجم في المنطقة، أي توريث مجتبى خامنئي، الذي لا شك وجه صفعة لـ"الأساس الثوري" للنظام الإيراني، لكن الأهم هل يميت وصول مجتبى هذا النظام وإن تأخر دفنه، أم يحييه من جديد، وبأي شروط، وبأية أثمان؟

يحاول الجيش الإسرائيلي من خلال استهداف قيادات "الحرس الثوري" في بيروت ضرب ما يسمى "الحبل السري" الذي يربط "الحزب" بالنظام الإيراني، ماليا وعسكريا

وهذه الأسئلة تعني أيضا "حزب الله" الذي سارع إلى مبايعة "المرشد" الجديد، بالتزامن مع مبايعة مؤيدي النظام له في شوارع طهران رغم الغارات الجوية المتواصلة. ومن نافلة القول إن سلوك "حزب الله" تشددا أم مرونة مرتبط بشكل وثيق بسلوك النظام الإيراني "الجديد"، وهذا ما سيحدد بشكل رئيس جواب "الحزب" على دعوة رئيس الجمهورية جوزيف عون لمفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية، في وقت أن رئيس البرلمان نبيه بري، والذي آثر الصمت منذ بدء الحرب بعد أن تمايز عن "حزب الله" بشأن إعادة استئناف المواجهة، قال الثلاثاء إنه يصر على "الميكانيزم" كآلية لتنفيذ وقف إطلاق النار مع إسرائيل الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. أي إن بري يحاول أن يمسك العصا من المنتصف وهو يتمايز عن رئيس الجمهورية بعد أن تمايز عن "حزب الله"، علما أن الجانبين الأميركي والإسرائيلي لا يبديان تجاوبا بشأن التفاوض، بحسب التسريبات. وذلك في وقت ترتفع الأكلاف البشرية والمادية للحرب، مع بلوغ عدد الضحايا نحو 500 ضحية فضلا عن مئات الجرحى وبلوغ عدد النازحين أكثر من 700 ألف نازح.

رويترز
عامل يقوم بإصلاح واجهة فرع تابع لمؤسسة "القرض الحسن"، تضررت بعدما استهدفها الجيش الإسرائيلي، بيروت21 أكتوبر 2024

لكن "حزب الله" الذي يتبنى استراتيجية "خاصة" لا تعنى بأكلاف المعركة إلا في ما يخص قبول بيئته الاجتماعية بها، وهو ما يحصل حتى الآن رغم "النكبة الشيعية" المتواصلة، مستعد لتوسيع المعركة قدر إمكاناته، في وقت توسع إسرائيل في المقابل حجم أهدافها، لتطال بشكل أساسي البنية التحتية المالية لـ"حزب الله"، مع استهداف فروع "القرض الحسن" مصرفه الخاص. حيث أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف 30 فرعاً لجمعية القرض الحسن خلال الأسبوع المنصرم، وهو الملف الذي فشلت الدولة اللبنانية في إغلاقه والتعامل معه، فرغم الضغوط الدولية وتحديدا من واشنطن التي مورست على لبنان لإغلاق ملف "جمعية القرض الحسن"، كونه جزءا من نظام متكامل بناه "حزب الله" يمتد من السلاح إلى المال والخدمات. اكتفت الدولة بإصدار قرار يحظر التعامل مع مؤسسة "القرض الحسن"، والذي وصفه المبعوث الأميركي توم باراك آنذاك بأنه "إنجاز قيم"، إلاّ أنّ "حزب الله" تحدّى الدولة اللبنانية ومصرف لبنان المركزي وأعلن بعد ثلاثة أيام فقط من إصدار التعميم، أنّ "القرض الحسن" افتتح أربعة فروع جديدة له بعد الحرب الأخيرة على لبنان.

كذلك يحاول الجيش الإسرائيلي من خلال استهداف قيادات "الحرس الثوري" في بيروت ضرب ما يسمى "الحبل السري" الذي يربط "الحزب" بالنظام الإيراني، ماليا وعسكريا. ذلك في وقت تتضارب الأنباء عن الهجوم البري التي ينوي الجيش الإسرائيلي تنفيذه في لبنان، إذ لا يزال يقتصر حتى الآن على توغلات محدودة مع احتلال لمواقع إضافية، في ظل قيام عناصر "حزب الله" بعمليات ضده لا تخلو من إصابات في صفوفه وآلياته.

سوريا الجديدة تحشد قواتها على الحدود وربما للتدخل في لبنان، فهل ستشتعل جبهة شرق لبنان كما جنوبه؟

لكن الأهم أن المواجهة العسكرية بين "حزب الله" وإسرائيل تترافق مع تطورين مهمين، أولهما توتر سياسي وشعبي داخلي غير مسبوق على خلفية دخول "الحزب" في مواجهة جديدة دون اكتراث بأكلافها التي لا تريد غالبية اللبنانيين تحملها، بل إن نائب أمينه العام النائب محمد رعد يقول إن "لصبرنا على شركائنا في الوطن حدودا"، ذلك في ظل انقسام غير مسبوق على مستوى الدولة، وهو ما تمثل في إجراءات وزير العدل بحق المحكمة العسكرية التي أفرجت عن ثلاثة عناصر في "حزب الله" بكفالة مالية زهيدة. أما التطور الثاني فهو دخول سوريا على خط الصراع والاحتقان اللبناني الداخلي، إذ وبعد أن حشدت جيشها على الحدود مع لبنان لـ"حماية أراضيها"، أعلنت الاثنين عن قصف الأراضي السورية انطلاقا من لبنان، وهو ما يعيد تقديم خيار تدخلها العسكري في لبنان، كما أشيع الأسبوع الماضي.

فوفقا لوكالة الأنباء السورية (سانا) فإن "حزب الله اللبناني أطلق القذائف باتجاه نقاط للجيش قرب سرغايا، وسقطت داخل الأراضي السورية". وأفادت "سانا" بأن الجيش رصد وصول تعزيزات "للميليشيات" إلى الحدود السورية–اللبنانية ويجري تقييم الوضع بدقة، مشيرة إلى أنه يتواصل مع الجيش اللبناني لبحث الخيارات المناسبة لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

أ.ف.ب
لقاء الرئيس اللبناني جوزيف عون وتوم باراك في القصر الرئاسي في بعبدا، لبنان في 7 يوليو

وإذا كان هذا التطور سيأخد منحى تصعيديا سواء من جهة "حزب الله" أو الجيش السوري، الذي يتوقع أن يرد على مصادر النيران إن تكررت، فإن اشتعال الحدود الشرقية للبنان سيكون بمثابة الدخول في حرب يصعب الخروج منها ومحاصرة تداعياتها لما ستحمله من مشاعر انتقامية ودفع مذهبي. وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون والسوري أحمد الشرع، أكّدا في اتصال الثلثاء أن "الظرف الدقيق الراهن يتطلّب تفعيل التنسيق والتشاور بين البلدين لاسيما لجهّة ضرورة ضبط الحدود ومنع أي تفلّت أمني من أي جهّة أتى"، وفق بيان الرئاسة اللبنانية.

قيادة الجيش تحت ضغط الانتقادات

بالتزامن مع التطورات الميدانية، تتصاعد أيضا حملة انتقادات واسعة طالت قائد الجيش العماد رودولف هيكل، من قبل بعض نواب "التغيير" ومسؤولين ووسائل إعلامية لبنانية. اعتبر المنتقدون أنّ الجيش اللبناني يتساهل في تنفيذ قرارات الحكومة اللبنانية بشأن نزع سلاح "حزب الله" جنوب الليطاني وشماله، إضافة إلى انتقاد لاذع لما قدّمه الجيش للحكومة اللبنانية من أرقام ووثائق وخرائط تؤكد إنجاز المرحلة الأولى من حصر السلاح جنوب الليطاني، فيما الواقع بدا مغايرا تماما، فـ"حزب الله" الذي يفترض أنّه لم يعد حاضرا عسكريا جنوب الليطاني يطلق الصواريخ منذ بداية الحرب من مناطق كان من المفترض أن يكون الجيش اللبناني قد سيطر عليها، تنفيذا لقرار الحكومة الصادر في جلستي 5 و7 أغسطس/آب الماضي والذي أكّد على حصر السلاح بيد الدولة وحدها.

رغم الحملة التي يتعرض لها قائد الجيش على خلفية نزع سلاح "الحزب" لا بدّ من التأكيد على أنّ الجيش اللبناني يعمل في ظل واقع معقد

ومع تصاعد وتيرة الحملة التي طالت قائد الجيش زار الرئيس عون وزير الدفاع ميشال منسّى وقيادة الجيش اللبناني في اليرزة، حيث أكّد إن "الجيش مؤسسة وطنية تخدم مصلحة لبنان واللبنانيين، وما تعرّض له وقائده من حملات لن يترك أي أثر في أدائه"، معتبرا أنّ "تعرّض الجيش اللبناني للاهتزاز، سيعرّض الوطن بأسره للخطر، وسأقف سدّاً منيعاً عند التعرّض لهذه المؤسسة العسكرية ومن هو على رأسها".

أ.ف.ب
تحتشد الدبابات الإسرائيلية في موقعٍ على طول الحدود بين إسرائيل ولبنان في 8 مارس 2026

إذن ورغم الانتقادات السياسية التي يتعرض لها قائد الجيش على خلفية نزع سلاح "الحزب" إلا أنّ الجيش اللبناني يعمل في ظل واقع معقد، خصوصا مع رفض "حزب الله" خلال الأشهر الماضية خطة الحكومة لتسليم سلاحه كما رفض التعاون "الجدي" مع الجيش، فيما السلطة السياسية التي اتخذت القرار لم تكن قادرة على تنفيذه كما كان مطلوبا، بل يبدو أنّها كانت تنتظر تغيرا إقليميا ما، ولاسيما نجاح المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بما قد يجعل من سلاح "حزب الله" ملحقا بالمفاوصات. 

وسط الرفض الإسرائيلي والواقع الميداني، هل سيطرح مجددا خيار تكليف الجيش بنزع السلاح، أم إن إسرائيل ستتولى المهمة؟

ووسط هذه الضغوط تستمر الدولة منذ 2 مارس/آذار ببذل الجهود لفتح قنوات المفاوضات مجددا، ولكن يبدو أنّ إسرائيل لن تستجيب حاليا، فبحسب "القناة 12"، فإنّ المبعوث الأميركي توماس بارّاك وصف المبادرة بـ"الهراء"، مشدّداً على أنّه "لا مفاوضات دون نزع سلاح (حزب الله) بشكل حقيقي"، فيما رفضت الحكومة الإسرائيلية المبادرة بالكامل، معتبرة أنّ "الوقت قد فات"، وأنّ "التركيز الحالي ينصب على تفكيك قدرات حزب الله".

فوسط الرفض الإسرائيلي والواقع الميداني، هل سيطرح مجددا خيار تكليف الجيش بنزع السلاح، أم إن إسرائيل "ستقفل الحساب" مع "حزب الله" بنفسها؟ وأي أكلاف سيدفعها لبنان إذا ما بقي خيار المفاوضات مقفلا أمامه؟ 

font change

مقالات ذات صلة