حروب إسرائيل المستمرة

منذ الصعود الثاني لنتنياهو ازدادت قوة اليمين الفاشي، الذي لا يرى الشعب الفلسطيني والمنطقة العربية والإسلامية سوى أهداف للتطويع

 أ ف ب
أ ف ب
رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو يرفع خريطة للشرق الاوسط اثناء كلمته امام الجمعية العامة للامم المتحدة في 26 سبتمبر

حروب إسرائيل المستمرة

حيفا- المواجهة الحالية تدخل أسبوعها الرابع. الجوانب المتعلقة بتفجرها لا زالت غير واضحة، لكن استمرارها وتعاظم آثارها أدى إلى زيادة التحليلات التي تحاول فهم ملابساتها. إذا بدأنا من الجوار العربي لإيران، فيبدو أن الدول العربية في الجوار المباشر ليست معنية بها، وهي تعاني جراء الاستهداف الإيراني وتخشى من ازدياد مضطرد في التبعات الإنسانية والاقتصادية والأمنية لاستمرار المواجهة، ولذلك تتطلع دول الخليج، وباقي الدول العربية المتضررة، إلى إيقاف الحرب وتطويق تبعاتها، بما يضمن مصالحها.

بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الأصوات القادمة منها تنقسم إلى أربعة توجهات. الأول، من الإدارة الحالية ورئيسها، دونالد ترمب، ويحاول تبرير الحرب وتبعاتها، على اعتبار أن المواجهة كانت حتمية ولم يكن القرار إلا بحكم التحدي الذي تفرضه إيران بصفتها تهديدا جديا للأمن القومي للولايات المتحدة. يبدو أن هذا الفهم يلاقي صعوبة جدية في تسويقه، فالرأي العام الأميركي في غالبيته يعارض هذه الحرب، وبعض أركان الإدارة الأميركية يعارضونها كذلك، وهنالك معارضة إعلامية وسياسية في الكونغرس. يضاف إلى ذلك توجهات مختلفة جذريا عن هذا الموقف، وبالأساس من الصعب قبول التبرير القائل بأن إيران تمثل تهديدا جديا ومباشرا للأمن القومي الأميركي. الثاني، وهو الآتي من اليمين الأميركي ومصوتي الجمهوريين وبعض أقطاب مؤيدي "أميركا أولا" وينادي بانغلاق أميركي مقابل العالم والابتعاد عن التدخل خارج الولايات المتحدة، ويقف في هذا الصف متحدثون مركزيون مثل تاكر كارلسون، وحتى إن هنالك من يقول إن نائب الرئيس، فانس، هو كذلك من مؤيدي هذا الموقف. الثالث، هو من مؤيدي وأقطاب الديمقراطيين، الذين يرون أن إيران تمثل تحديا جديا للمصالح الأميركية والإسرائيلية لكنهم يعتقدون أن الحرب ليست مصلحة أميركية، وكان من الأفضل الاستمرار في ضغط العقوبات لإرغام إيران على الانصياع للموقف الذي يطالبها بالكف عن تخصيب اليورانيوم لأهداف عسكرية، والتوقف عن تطوير قدراتها في مجال الصواريخ الباليستية والكف عن دعم قوى محلية مساندة لها في أجزاء مختلفة من الشرق الأوسط. والرابع، هو الموقف المرتبط باليسار الأميركي، وهو معارض لسياسات السيطرة واستعمال القوة المركزية ويرفض التحالف الأميركي-الإسرائيلي، ويطالب بتغيير جدي في مسار السياسات الأميركية، وخصوصا في علاقتها بإسرائيل. هذا تيار نامٍ، لكنه لا زال بعيدا عن التأثير الجدي في القرار الأميركي وخصوصا فيما يخص المنطقة العربية وإسرائيل.

منذ الصعود الثاني لنتنياهو ازدادت قوة اليمين الفاشي، الذي لا يرى الشعب الفلسطيني والمنطقة العربية والإسلامية سوى أهداف للتطويع

العامل المركزي والشريك الفاعل في الحرب هو إسرائيل. وهنالك دلائل واضحة تشير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، نجح- مرة أخرى- في إقناع ساكن البيت الأبيض بأن يشرع في حرب أخرى، والدخول في مواجهة عسكرية تحقق مصالح أو على الأقل رؤية إسرائيلية بالأساس، وتخدم مصالح جيو-استراتيجية إسرائيلية، لكن الأمر لا يقف عند تلك المصالح الكبرى، بل يمتد ليشمل مصالح سياسية واقتصادية وشخصية، يقوم على تحديدها اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو ويضمها إلى مجموعة "إنجازاته". وهي بذلك تضم إلى مجموعة "الحروب المستمرة" لإسرائيل. حروب خاضتها إسرائيل بشكل تاريخي ومنذ استقلالها عام 1948، لكنها بالتأكيد اتخذت منحى جديدا مع صعود اليمين الجديد إلى الحكم، أي بعد صعود نتنياهو الثاني عام 2009 للحكم في إسرائيل.

رويترز
انفجار في اعقاب غارة اسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية في السادس من مارس

منذ الصعود الثاني لنتنياهو ازدادت قوة اليمين الفاشي، الذي لا يرى الشعب الفلسطيني والمنطقة العربية والإسلامية سوى أهداف للتطويع، وبالأساس من خلال استعمال القوة العسكرية، المدعومة كليا من قبل الإدارات الأميركية. فما إن تفرغ إسرائيل من حرب، حتى تبدأ أخرى، ووصلت الذروة في حرب الإبادة ضد غزة خلال عامين ونيف، بدءا بالتداعيات المباشرة لهجوم "حماس" على منطقة غلاف غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وترافق مع ذلك هجوم غير مسبوق ضد الضفة الغربية والقدس، كما الشروع في هجوم عسكري إسرائيلي في لبنان واليمن وقطر وسوريا وصولا إلى إيران. سلسلة الحروب المستمرة هدفها واحد: تشديد السيطرة على فلسطين التاريخية ومنع إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومعارضة وقمع كل قوة عربية أو إسلامية تبدي معارضة جدية للسياسات المعلنة في إسرائيل.

تحولت الولايات المتحدة من داعم لإسرائيل، إلى شريك في حروبها، وجرها نتنياهو بدعم اللوبي المساند لإسرائيل وأقطاب اليمين الأميركي إلى حرب، من الصعب الانتصار بها

اليمين الجديد في إسرائيل وشكل الحكم الذي شكله هو التفسير المركزي لحروب إسرائيل المستمرة على المنطقة العربية والإسلامية، وخصوصا في فلسطين وجوارها المباشر، إنها حرب اليمين الجديد، كما حروب اليمين التاريخي في أوروبا قبل اندلاع الحربين العالميتين، إنها الصلة المباشرة بين تطلعات التوسع والإلحاق للجوار المباشر والسعي إلى تحطيم كل قوة تسمع صوتا آخر وتقول لا لسياسات التوسع والتفوق العرقي والقمع. في الواقع ليس لإسرائيل التي يسيطر عليها اليمين بقيادة نتنياهو ويشاركه فيه أمثال بن غفير وسموتريتش وحتى أقطاب المعارضة الحزبية– عدا القلائل والمهمشين- أي مشروع آخر، وأي استعداد للتعامل بشكل أقل عنفا أو الجنوح لأي مسار سلمي يفكر ويعمل على التفاهم مع الفلسطينيين أولا، ومع الجوار العربي والإسلامي ثانيا. ويضاف إلى ذلك، مصلحة نتنياهو السياسية والشخصية في البقاء بالحكم من خلال تسويق "إنجازات عسكرية" تعيد الثقة والدعم له ولليمين بقيادته إلى وضع أفضل يمكّنه من خوض الانتخابات العامة المقررة في أكتوبر/تشرين الأول القريب، والفوز بها، عدا ذلك فإن مصير نتنياهو قد يكون السجن بتهم الفساد والرشوة، مرورا بالإهمال في منصبة كما تجلى ذلك في ما يسمى إسرائيليا "إخفاق السابع من أكتوبر 2023".

هذه المرة في الحرب مع إيران استطاع نتنياهو أن يحصد إنجازين مهمين. الأول، إقناع الإدارة الأميركية بشراكة كاملة في الحرب ونفقاتها وعملياتها وتوابعها، وبذلك تحولت الولايات المتحدة من داعم لإسرائيل، إلى شريك في حروبها، وجرها نتنياهو بدعم اللوبي المساند لإسرائيل وأقطاب اليمين الأميركي إلى حرب، من الصعب الانتصار بها، بل إن نتائجها غير مضمونة، عدا كونها لا تفيد في تعزيز المصالح الأميركية، وعلى الغالب سوف تضر بها اقتصاديا وأمنيا واستراتيجيا، وتؤثر سلبا على النقاشات الأميركية داخليا. إنها حرب إسرائيلية جر فيها نتنياهو الولايات المتحدة إلى مواجهة مكلفة بغير إرادة مستقلة، كما سبق وصرح وزير الخارجية، ماركو روبيو في أحد تصريحاته بعد نشوب المواجهة العسكرية.

أ ف ب
رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو يسلم رسالة الى الرئيس الاميركي دونالد ترمب اثناء اجتماعهما في البيت الابيض في 7 يوليو

الإنجاز الثاني، هو توريط دول عربية في حرب ليس لهذه الدول أي مصلحة جدية فيها. إنها حرب إسرائيل والولايات المتحدة، التي أدت إلى قرار إيراني باستهداف أراض عربية وبالتالي إلى رد عربي عسكري مباشر أو على الأقل سياسي ودبلوماسي في وجه إيران وحربها ضد المصالح والقواعد الأميركية والدول التي تستضيفها. هكذا حقق نتنياهو هدف إغراق المنطقة العربية في استنزاف مباشر مقابل إيران وعمّق الخلافات بين دول المنطقة، وبالتالي حقق أحد أهم أهداف الحرب وهو استنزاف العالم العربي وتعميق الخلافات بينه وبين جواره الإسلامي وتعميق التفوق العسكري الإسرائيلي، وبالتالي تعميق السيطرة على فلسطين التاريخية ومحاولة تحييد العالم العربي من التصدي لسياسات إسرائيل للسيطرة على فلسطين التاريخية أولا، والهيمنة العسكرية على الجوار العربي، وخصوصا في لبنان وسوريا.

هنالك وهمٌ عند البعض من المحللين، بأن حروب إسرائيل سوف تستوفي أسبابها وتصل آخرها عند الانتصار على إيران، وربما تغيير النظام أو تفكيك إيران إلى دويلات وخلق حالة من الحرب الأهلية، كما حصل في العراق بعد الاحتلال الأميركي والإطاحة بصدام حسين عام 2003. لكن هذا وهماً ليس له أساس. الحروب الإسرائيلية المستمرة هي نتيجة مباشرة ومرافقة لصعود اليمين الجديد- الذي يتزعمه نتنياهو- ولتطلعاته للسيطرة والاستحواذ والهيمنة، هذا اليمين هو الاستمرار المباشر للتلازم المتين بين صعود اليمين واستعمال القوة والقمع والسيطرة، داخليا وخارجيا. في حال انتصار إسرائيل وتطلعاتها في الحرب الحالية، فإن ذلك يعني المزيد من تمكين نتنياهو واليمين في إسرائيل، وبالتالي فإن ذلك يعني نجاح المراهنة على الحروب ضد الشعب الفلسطيني والمنطقة العربية والإسلامية، وبذلك ستفتح الطريق أمام حروب إضافية تكون امتدادا للحروب المستمرة لإسرائيل. وعندما تتوقف هذه الحرب ستجد إسرائيل ضالتها في أهداف عربية وإسلامية أخرى وستبقى المنطقة العربية وشعوبها ضحايا لهذه الحروب، ولإسرائيل وليمينها ولتطلعاته.

font change

مقالات ذات صلة