الأردن... ما هو أبعد من قرار الحكومة زيادة الرواتب

إجراء زيادة الرواتب لا يندرج ضمن بعده الاقتصادي البحت

أ ف ب
أ ف ب
يرفرف علم أردني كبير أمام حي جبل القلعة في عمّان في 8 يونيو 2018

الأردن... ما هو أبعد من قرار الحكومة زيادة الرواتب

في ظل التحديات الإقليمية التي يواجها الأردن سواء لجهة شمول أراضيه بالقصف الإيراني أو حساسيته الأمنية والسياسية تجاه تطورات الجنوب السوري، فضلا عن الضفة الغربية، صدر قرار حكومي يحمل أبعادا مالية واجتماعية تتجاوز قيمته المباشرة، إذ وجّه رئيس الوزراء جعفر حسان، خلال جلسة مجلس الوزراء يوم الاثنين الماضي، الوزارات والمؤسسات الحكومية إلى إدراج زيادة شهرية مقدارها 30 دينارا لكل موظف ومتقاعد مدني أو عسكري يقل إجمالي راتبه عن 600 دينار، ضمن مشروع موازنة عام 2027.

وبحسب مصادر حكومية، فإن القرار سيشمل نحو 600 ألف موظف ومتقاعد مدني وعسكري، بكلفة سنوية تتجاوز 180 مليون دينار، على أن يتم تمويلها من وفورات خطة ترشيد النفقات التشغيلية في الوزارات والمؤسسات الحكومية، والتي تستهدف تخفيض هذه النفقات بنسبة 15 في المئة.

وتقول مصادر قريبة من رئيس الوزراء إن القرار لم يأت استجابة لضغط اجتماعي آني، ولا في إطار زيادة إنفاق تقليدية، بل ضمن توجه حكومي يقوم على إعادة توزيع الإنفاق العام من داخل الجهاز الحكومي، بدلا من توسيع العجز أو تحميل الموازنة أعباء إضافية غير ممولة.

وتشير المصادر ذاتها إلى أن الحكومة بدأت في الأشهر الأخيرة مراجعة تفصيلية لبنود الإنفاق التشغيلي في المؤسسات العامة، بهدف تحرير هامش مالي يمكن توجيهه نحو إجراءات ذات أثر اجتماعي مباشر، مع الحفاظ على الالتزامات المالية للدولة وعدم توسيع فجوة العجز.

وتزامن القرار الحكومي مع لقاء عقده الملك عبدالله الثاني في قصر الحسينية مع شخصيات اقتصادية، أكد خلاله أن الاقتصاد الوطني أثبت قدرته على مواجهة الأزمات وتجاوزها بكفاءة. وقد عكست المناسبة، وفق مراقبين، تقاطعا واضحا بين التوجيهات الملكية المرتبطة بتحسين معيشة الأردنيين، ومحاولة الحكومة ترجمة هذه التوجيهات إلى إجراءات مالية محددة قابلة للإدراج في الموازنة.

حكومة حسان تبدو حريصة على تقديم نفسها كحكومة تعمل بمنهجية مالية وإدارية واضحة، لا كحكومة تكتفي بإدارة ردود الفعل

وتبدو الحكومة، في هذا السياق، حريصة على رسم مسافة عمل واضحة بين المرجعية السياسية العليا وبين مسؤوليتها التنفيذية المباشرة. فهي تتحرك ضمن التوجيهات الملكية العامة التي تضع تحسين معيشة المواطن في صدارة الأولويات، لكنها لا تكتفي بإحالة القرار إلى تلك التوجيهات، بل تقدمه بوصفه نتاج حسابات حكومية محددة، لها كلفتها ومصدر تمويلها وآليتها الزمنية. وبذلك تسعى حكومة حسان إلى تأكيد أن دورها لا يقف عند تلقي الاتجاهات العامة، بل يمتد إلى تحويلها إلى سياسات قابلة للقياس والمساءلة، بما يمنح القرار طابعه المؤسسي لا الرمزي فقط.

ويكتسب القرار أهميته من طبيعة الفئة المستهدفة، إذ يشمل الموظفين والمتقاعدين الذين يقل إجمالي رواتبهم عن 600 دينار، وهي شريحة واسعة تعتمد على الدخل الثابت في مواجهة ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. ورغم أن قيمة الزيادة الشهرية لا تمثل تحولا كبيرا في دخل الأسرة، فإن الحكومة تراهن على أثرها التراكمي في تخفيف الضغط على الفئات الأقل دخلا، وتنشيط محدود لحركة الاستهلاك في الأسواق المحلية.

رويترز
أعتراض صواريخ إيرانية أطلقت على قاعدة أميركية في الأردن و21 هدفًا آخر في الخليج، في 10 يونيو 2026

غير أن البعد الأهم في القرار، بحسب مصادر حكومية، يتعلق بطريقة تمويله. فالحكومة تسعى إلى تقديم نموذج مختلف في التعامل مع المطالب الاجتماعية، يقوم على تمويل أي زيادة من داخل بنية الإنفاق الحكومي نفسها، لا عبر زيادة الاقتراض أو فتح بنود إنفاق غير ممولة.

وتقول المصادر إن تخفيض النفقات التشغيلية بنسبة 15 في المئة لن يكون إجراء شكليا، بل سيكون جزءا من مراجعة أوسع لآليات الصرف الحكومي، تشمل الإنفاق الإداري والخدمات التشغيلية ومصاريف المؤسسات العامة، بهدف ضبط الكلفة وتوجيه جزء من الوفورات إلى أولويات اجتماعية.

ويأتي القرار في ظل ظروف اقتصادية وإقليمية معقدة، إذ يواجه الأردن ضغوطا ممتدة مرتبطة بالتوترات في الإقليم، وانعكاساتها على قطاعات حيوية مثل النقل والسياحة والاستثمار، إضافة إلى أثر الاضطرابات الإقليمية على مزاج السوق وثقة المستثمرين.

وترى أوساط اقتصادية أن الحكومة تسعى، من خلال هذه الخطوة، إلى تحقيق توازن صعب بين الانضباط المالي من جهة، والاستجابة الاجتماعية من جهة أخرى. فالمعادلة التي تواجهها عمّان لا تسمح بإنفاق توسعي مفتوح، لكنها في الوقت نفسه لا تحتمل تجاهل الضغوط المعيشية المتزايدة على أصحاب الدخول المحدودة.

ويقول مراقبون إن حكومة حسان تبدو حريصة على تقديم نفسها كحكومة تعمل بمنهجية مالية وإدارية واضحة، لا كحكومة تكتفي بإدارة ردود الفعل. ويظهر ذلك، بحسب هؤلاء، في ربط القرار بموازنة عام 2027، وفي تحديد كلفته ومصدر تمويله مسبقا، بدلا من الإعلان عن زيادة ثم البحث لاحقا عن تغطيتها المالية.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في السياق الأردني، حيث ارتبطت زيادات الرواتب في مراحل سابقة بضغوط اجتماعية أو سياسية، وكانت غالبا تفتح نقاشا واسعا حول أثرها على الموازنة والعجز والمديونية. أما في الحالة الحالية، فإن الحكومة تقدم الزيادة باعتبارها جزءا من إعادة ترتيب داخلية للإنفاق، لا إضافة جديدة على الالتزامات المالية للدولة.

لا يمثل القرار مجرد زيادة شهرية محدودة لمئات الآلاف من الموظفين والمتقاعدين، بل اختبار مبكر لقدرة الحكومة على إدارة معادلة دقيقة

وتؤكد مصادر قريبة من رئيس الوزراء أن هذا التوجه لا يقف عند قرار الزيادة الشهرية، بل يعبر عن خط حكومي أوسع يهدف إلى إعادة توجيه الإنفاق العام نحو أولويات أكثر اتصالا بالمواطن، من خلال مراجعة بنود الهدر والإنفاق التشغيلي غير الضروري.

وتضيف المصادر أن الحكومة لا تنظر إلى القرار بوصفه معالجة شاملة لأزمة المعيشة، بل باعتباره خطوة ضمن مسار أطول لتحسين كفاءة الإنفاق العام ورفع أثره الاجتماعي، في وقت تضيق فيه مساحة المناورة المالية أمام الدول، ولاسيما في ظل حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

أ ف ب
تُظهر هذه الصورة التي نشرها القصر الملكي الأردني في 16 يونيو 2025 الملك عبد الله الثاني ملك الأردن وهو يترأس اجتماعاً في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات في عمّان

وتحظى هذه المقاربة بغطاء سياسي واضح من التوجيهات الملكية، غير أن الحكومة، وفق متابعين، تحاول في الوقت ذاته أن تقدم ترجمة عملية لهذه التوجيهات من خلال أدوات تنفيذية محددة، تتضمن الأرقام والكلف ومصادر التمويل والجداول الزمنية.

ويقول هؤلاء إن الفارق الأساسي في هذه التجربة لا يتعلق بقيمة الزيادة نفسها، بل بالمنهج الذي تقترحه الحكومة في التعامل مع المال العام، أي الانتقال من منطق الزيادة غير الممولة إلى منطق إعادة التوزيع داخل الإنفاق القائم.

ومع ذلك، ستبقى قدرة الحكومة على تنفيذ خفض النفقات التشغيلية بنسبة 15 في المئة هي الاختبار الحقيقي للقرار. فنجاح الخطة يتوقف على تحويل التعهدات إلى وفورات فعلية، وضمان أن المبالغ التي سيتم توفيرها من الجهاز الحكومي ستصل إلى الفئات المستهدفة، ولا تضيع داخل الدورة البيروقراطية المعتادة.

وبهذا المعنى، لا يمثل القرار مجرد زيادة شهرية محدودة لمئات الآلاف من الموظفين والمتقاعدين، بل اختبار مبكر لقدرة حكومة حسان على إدارة معادلة دقيقة: تحسين الدخل من دون توسيع العجز، والاستجابة للضغط الاجتماعي من دون التخلي عن الانضباط المالي، والعمل تحت سقف التوجيهات الملكية بمنهجية تنفيذية واضحة قابلة للقياس. وبالتالي فإن القرار الحكومي لا يندرج ضمن بعده الاقتصادي البحت، بل إن دافعه الأساسي سياسي من حيث أنه يمثل تحولا في عقل الدولة.

font change