سياق إقليمي متحول… حسابات الأردن في الضفة الغربية

إشارات مبكرة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
مسجد قبة الصخرة في البلدة القديمة في القدس الشرقية المحتللة،27 ديسمبر 2025

سياق إقليمي متحول… حسابات الأردن في الضفة الغربية

في عمّان، لم يكن ملف الضفة الغربية يُقرأ بوصفه خبرا من خارج الحدود، بل كملف يقترب من قلب الدولة نفسها. فكل خطوة إسرائيلية على الأرض هناك، تُقرأ في الأردن كإشارة مبكرة إلى تغير أعمق في قواعد الإقليم، لا يتعلق بالفلسطينيين وحدهم، بل بتوازنات شرق المتوسط كلها. الضفة بالنسبة لعمان ليست جغرافيا أخرى، بل جدار الأمان الأول، وإذا اهتز هذا الجدار، لن يكون السؤال عن فلسطين فقط، بل عن استقرار الأردن نفسه.

مع تصاعد الحديث الإسرائيلي عن ضم تدريجي، وإعادة صياغة الوضع القانوني للأرض، وتراجع قدرة السلطة الفلسطينية على الإمساك بالمشهد، عاد القلق الأردني القديم بثقل أكبر، ليس لأن عمان تفاجأت، بل لأنها ترى أن ما كان يُدار في الظل لعقود، يقترب اليوم من لحظة الإعلان الصريح، وفي هذه اللحظة، يصبح السؤال في دوائر القرار أكثر قسوة: ما السيناريو الذي يجب الاستعداد له، الفوضى أم التهجير؟

المحلل الاستراتيجي الدكتور عامر السبايلة يميل إلى أن الفوضى هي الأخطر، فالأردن- برأيه- يعرف كيف يدير ضغوطا ديموغرافية تراكمت عبر عقود، لكنه سيواجه تحديا مختلفا تماما إذا تحولت الضفة إلى مساحة سائبة، تتنازعها مجموعات مسلحة ومراكز نفوذ محلية، بلا سلطة قادرة على الضبط، وفي هذه الحالة، لا تعود الحدود مجرد خطوط على الخريطة، بل تتحول إلى نقاط تماس مفتوحة، يدخل منها السلاح، والتهريب، والخوف، ومعها خطاب سياسي متوتر قد يضغط الداخل الأردني قبل أن يصل أي لاجئ جديد.

ويضيف السبايلة أن ما يجعل هذا السيناريو أكثر واقعية هو تغير في التفكير الإسرائيلي نفسه، ففي الماضي كان الاستقرار الحدودي شرطا إسرائيليا أساسيا، أما اليوم، فهناك استعداد أكبر للتعايش مع اضطراب طويل إذا كان الثمن تثبيت السيطرة، هذه النقلة في العقيدة الإسرائيلية ليست تفصيلا تقنيا، بل تحول في فلسفة إدارة الصراع، ويعني فيما يعنيه أن نقل العبء إلى الجوار لم يعد فكرة مستبعدة، بل نتيجة محتملة لسياسة تراكم الوقائع.

السلطة الفلسطينية، بكل ما فيها من ضعف وأزمات، تبقى الإطار الوحيد القادر على منع الضفة من التحول إلى مساحة فوضى أو إلى أرض بلا إدارة

في المقابل، يرى المحلل السياسي الدكتور عمر الرداد أن التهجير يبقى الخطر الأكثر قسوة على الأردن، لأنه يضرب مباشرة التوازنات الديموغرافية ويضع الدولة أمام معادلة داخلية حساسة، فالضم الواسع- حسب الرداد- لا يعني فقط تغيير حدود، بل يعني بوضوح وحسم إلغاء فكرة الدولة الفلسطينية نفسها، ومعها يصبح الضغط على السكان خيارا سياسيا واقعيا، سواء عبر خنق الاقتصاد أو مصادرة الأرض أو إغلاق الأفق السياسي، وعندها لا يعود النزوح حدثا طارئا، بل نتيجة منطقية لمسار طويل، يضع الأردن أمام تحدي إدارة موجات بشرية جديدة في بلد يعاني أصلا اقتصادا هشّا وحدودا مشتعلة في الإقليم. ويؤكد الرداد أن الظهير الحقيقي لأي تنسيق أردني يجب أن يكون مع المملكة العربية السعودية كونها اللاعب الإقليمي الأكثر قوة.

أ.ف.ب
ملك الأردن عبد الله الثاني ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في قصر الحسينية بعمّان 24 يوليو 2022

أما الكاتب والمحلل السياسي حسين الرواشدة فيذهب إلى زاوية أخرى، يرى فيها أن أخطر ما قد يحدث هو تحويل ملف الضفة إلى أزمة أردنية داخلية، فإسرائيل- حسب الرواشدة- لا تحتاج إلى مواجهة الأردن مباشرة إذا استطاعت دفع النقاش داخله إلى صراع هويات أو إلى حالة شك متبادل بين الأردنيين، عندها تتحقق لها النتيجة بأقل كلفة، من خلال دولة منشغلة بذاتها، وحدود رخوة، وملف فلسطيني يتحول من قضية سياسية إلى عبء داخلي.

غير أن النقطة التي تتكرر في قراءة عقل الدولة الأردنية وعلى أعلى المستويات، هي أن تقوية السلطة الفلسطينية لم تعد خيارا دبلوماسيا أو مجاملة سياسية، بل صارت ضرورة أمن إقليمي، فالسلطة الفلسطينية، بكل ما فيها من ضعف وأزمات، تبقى الإطار الوحيد القادر على منع الضفة من التحول إلى مساحة فوضى أو إلى أرض بلا إدارة، وسقوطها يعني فتح الباب أمام سيناريوهات لا يمكن ضبطها، من مجموعات مسلحة إلى اقتصاد ظل إلى تدخلات إقليمية، وكلها ستجد طريقها إلى الأردن بحكم الجغرافيا.

في قراءة عمان، ليست الضفة ملفا فلسطينيا فقط، بل اختبار مبكر لقدرة الدولة الأردنية على أن تسبق العاصفة قبل أن تصل، وأن تدعم السلطة الفلسطينية كي تبقى

لهذا، لم يعد دعم السلطة الفلسطينية بالنسبة لعمان ملفا تضامنيا، بل أصبح جزءا من حسابات الدفاع عن النفس، فاستقرار الضفة ليس هدية للفلسطينيين، بقدر ما هو شرط لاستقرار الأردن نفسه، وحين تتراجع السلطة، تتراجع معها القدرة على ضبط الأرض والسكان، ويصبح الخيار أمام الناس الهجرة أو المواجهة، وكلاهما يحمل للأردن كلفة سياسية واقتصادية وأمنية.

وفي هذه اللحظة، يدرك الأردنيون أن قدرتهم في الضغط على واشنطن محدودة جدا، كما أن العلاقة مع الولايات المتحدة علاقة أمنية واستراتيجية عميقة، لكنها لا تمنح عمّان حق الفيتو على قرارات إسرائيل، لذلك تميل السياسة الأردنية إلى خطاب آخر، مفاده أن استقرار الضفة ليس مسألة أخلاقية فقط، بل مصلحة غربية أيضا، لأن أي انفجار هناك لن يبقى داخل فلسطين، بل سيخلق فراغا يمتد إلى الأردن ومصر وربما أبعد.

في المحصلة، يقف الأردن أمام معادلة قاسية، فهو لا يستطيع تجاهل ما يجري في الضفة، ولا يستطيع كذلك الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، وبين الفوضى التي يخشاها بعض الخبراء، والتهجير الذي يحذر منه آخرون، يبقى التحدي الحقيقي هو حماية الداخل الأردني من أن يصبح ساحة أخرى للصراع، فالدول لا تسقط دائما بالحروب، فأحيانا تسقط حين يُنقل الصراع إلى داخلها بهدوء.

ولهذا، في قراءة عمان، ليست الضفة ملفا فلسطينيا فقط، بل اختبار مبكر لقدرة الدولة الأردنية على أن تسبق العاصفة قبل أن تصل، وأن تدعم السلطة الفلسطينية كي تبقى، وأن تحمي الداخل كي لا ينكسر، وأن تدرك أن استقرار الأردن يبدأ من الضفة الغربية، لا من حدوده معها فقط.

font change