الأردن... إدارة القلق الإقليمي والتكيف مع تحولات النظام الدولي

عمان تتعامل مع ملف الإسلام السياسي ضمن مقاربة تقوم على ضبط التوازنات الاجتماعية والسياسية بدقة

أ ف ب
أ ف ب
الملك عبد الله الثاني ملك الأردن يلقي خطاباً أمام البرلمان، في العاصمة عمّان، في 14 أكتوبر 2018

الأردن... إدارة القلق الإقليمي والتكيف مع تحولات النظام الدولي

في عمّان، حيث تُدار السياسة العميقة بعقل حسابي أكثر مما تُدار بخطابات علنية واستعراضات بلاغية، تبدو الدولة وكأنها تعيد قراءة موقعها في لحظة تاريخية تشبه المراحل التي سبقت إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط أكثر من مرة خلال القرن الماضي. وخلال نقاشات مغلقة مع شخصيات مطلعة على مسارات التفكير داخل دوائر القرار، يظهر أن التقديرات الاستراتيجية لم تعد تكتفي بقراءة المشهد الإقليمي كما هو، بل تذهب إلى محاولة استشراف صورته بعد أن تتغير موازين القوة فيه، وهو إدراك يتكرر في أكثر من حديث مع مسؤولين أو متابعين قريبين من تلك الدوائر، بأن الحفاظ على الاستقرار لم يعد مسألة إدارة أزمات يومية، بقدر ما أصبح عملية إعادة تعريف شاملة، لدور الدولة داخل إقليم يتغير بسرعة غير مسبوقة.

في هذا السياق، تشير تقديرات دوائر قريبة من صناعة القرار، كما يتضح من أحاديث مع مطلعين على توجهات المرحلة، إلى أن عمّان تنظر بجدية متزايدة إلى إعادة صياغة مفهوم الردع الوطني، ليس ضمن التعريف العسكري التقليدي فقط، بل عبر الاستثمار في أدوات دفاعية تكنولوجية متقدمة، في قراءة تعكس إدراكا بأن طبيعة التهديدات المحيطة بالأردن لم تعد تقليدية، وأن المنطقة تحولت تدريجيا إلى مسرح لصراعات غير متكافئة تقودها جماعات عابرة للحدود أو فواعل مسلحة تعمل ضمن حروب بالوكالة، وهو ما يدفع إلى تبني مقاربات دفاعية تعتمد على المرونة العملياتية والتكنولوجيا الدقيقة ومنخفضة الكلفة "على رأسها تكنولوجيا الطائرات المسيرة"، بالتوازي مع استمرار الاعتماد على المؤسسة العسكرية باعتبارها الركيزة الصلبة في معادلة الاستقرار الوطني، وهي قناعة تتكرر في أحاديث غير رسمية مع شخصيات عسكرية سابقة وحالية ترى أن المرحلة المقبلة ستعيد تعريف شكل الحروب، أكثر مما ستعيد تعريف أطرافها.

وتتزامن هذه القراءة مع تقديرات أمنية يجري تداولها داخل الأوساط الاستراتيجية، سُمعت أصداؤها في أكثر من نقاش خاص، تشير إلى أن أي تصعيد إقليمي واسع النطاق، خصوصا في حال اندلاع مواجهة مباشرة بين إيران وخصومها، قد لا يبقى محصورا داخل حدود الدول، بل قد يمتد إلى ساحات نفوذ الجماعات المسلحة المنتشرة في المنطقة، بما في ذلك احتمالات تمدد تأثير قوى مسلحة غير حكومية قرب الحدود الأردنية، وهو سيناريو يتم التعامل معه ضمن تصور استراتيجي يقوم على الجاهزية العسكرية العالية، وعلى المعرفة التفصيلية بالجغرافيا العملياتية للمسرح الإقليمي، وهي مسألة يجري الحديث عنها داخل الأوساط العسكرية باعتبارها أحد أهم عناصر التفوق الدفاعي الأردني.

الدولة الأردنية تخوض عملية تحديث هادئة داخل مؤسساتها، تقوم على مراجعة أدوات العمل التقليدية وإعادة تأهيلها لتواكب طبيعة التحديات الجديدة التي تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والإعلامية والاقتصادية والتكنولوجية

غير أن إعادة تعريف أدوات القوة لا تقتصر على البعد العسكري، إذ تشير مصادر مطلعة، وهو ما يلمسه المتابع عند الاستماع إلى نقاشات مع شخصيات قريبة من المؤسسات السيادية، إلى أن الدولة الأردنية تخوض في الوقت ذاته عملية تحديث هادئة داخل مؤسساتها، تقوم على مراجعة أدوات العمل التقليدية وإعادة تأهيلها لتواكب طبيعة التحديات الجديدة التي تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والإعلامية والاقتصادية والتكنولوجية، وهي عملية توصف داخل تلك الدوائر بأنها إعادة هندسة تدريجية لبنية الدولة العميقة حتى في أكثر أجهزتها حساسية، في ظل قناعة متزايدة بأن الحفاظ على الاستقرار يتطلب تحديث أدوات الحكم بقدر ما يتطلب حماية الحدود.

على المستوى الإقليمي، تبدو العلاقة الأردنية مع الحكومة الإسرائيلية الحالية وكأنها دخلت مرحلة إدارة صراع منخفض الثقة إلى حد تلاشيها مع حكومة بنيامين نتنياهو، وهو توصيف يتكرر في أحاديث دبلوماسية خاصة مع شخصيات مطلعة على مسارات التواصل السياسي في المنطقة، حيث تشير تقديرات إلى أن عمّان باتت تتعامل مع التطورات الإسرائيلية من منظور استراتيجي طويل المدى، يقوم على تعزيز التنسيق مع أطراف إقليمية رئيسة، خصوصا القاهرة، بهدف منع فرض وقائع سياسية أو أمنية جديدة على الأرض، لا سيما في ملفات غزة ومستقبل الضفة الغربية، وعدم إعطاء نتنياهو أي فرصة للتمدد الدبلوماسي بأي صيغة في القاهرة أو عمّان.

بترا
٠٥جنود أردنيون في صورة التُقطت في يونيو 2025

وفي هذا السياق، تعيد عمّان طرح مقاربة سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تقوم على إعادة نقل النقاش إلى مستوى الشرعية الدولية، حيث تشير تقديرات قريبة من القرار، سُمعت ملامحها في جلسات نقاش خاصة مع شخصيات سياسية مطلعة، إلى أن استمرار تآكل إمكانية تطبيق حل الدولتين، قد يضع إسرائيل أمام معادلة استراتيجية معقدة، تتمثل في الاختيار بين نموذج دولة واحدة ديمقراطية أو مواجهة ضغوط دولية متصاعدة نتيجة ترسيخ نموذج يقوم على الفصل العنصري، وهي مقاربة تدرك عمّان أنها لا تمثل حلا فوريا، لكنها تشكل إطارا سياسيا طويل الأمد يعيد تشكيل البيئة الدولية للصراع.

أما في ملف غزة، فتشير تقديرات مطلعة، كما يظهر من أحاديث مع متابعين قريبين من دوائر صنع القرار، إلى أن الأردن يتعامل مع ترتيبات ما بعد الحرب ضمن توازن دقيق بين الضغوط الدولية للمشاركة في إعادة ترتيب المشهد الأمني، وبين الحرص على عدم الانخراط الميداني المباشر داخل القطاع، حيث يميل التفكير الأردني إلى نماذج دعم مؤسسي أو تدريبي غير مباشر، تشمل تأهيل كوادر فلسطينية– من غزة- ضمن أطر مهنية منظمة، وهو نهج يعكس فلسفة سياسية اعتمدها الأردن تاريخيا تقوم على دعم الاستقرار الإقليمي دون تحمل أعباء السيطرة الأمنية المباشرة.

ملف الإسلام السياسي أحد أكثر الملفات حساسية في الحسابات الاستراتيجية الأردنية، وتشير تقديرات قريبة من مركز القرار، إلى أن الدولة تتعامل مع هذا الملف ضمن مقاربة تقوم على ضبط التوازنات الاجتماعية والسياسية بدقة

داخليا، يبقى ملف الإسلام السياسي أحد أكثر الملفات حساسية في الحسابات الاستراتيجية الأردنية، وتشير تقديرات قريبة من مركز القرار، إلى أن الدولة تتعامل مع هذا الملف ضمن مقاربة تقوم على ضبط التوازنات الاجتماعية والسياسية بدقة، في ظل تقديرات أمنية ترى أن الرأي العام لا يطلع إلا على جزء محدود من التعقيدات المرتبطة بهذا الملف، وهو ما يدفع إلى اعتماد سياسة تقوم على ضبط الإيقاع بدلا من المواجهات المفتوحة التي قد تحمل كلفة داخلية مرتفعة، وما يخفيه جبل الجليد "المعلوماتي الأمني" تحت السطح كاف لتأجيج شعبي وجماهيري على كل قواعد "التيار الإخواني" في الأردن.

أ ف ب
الملك عبد الله الثاني (الثالث من اليسار) وابنه ولي العهد الأمير الحسين (يمين) يقفان لالتقاط صورة إلى جانب رئيس المجلس الأوروبي (الثاني من اليسار) ورئيسة المفوضية الأوروبية، عمّان في 8 يناير 2026

في موازاة هذه التحديات الأمنية والسياسية، يظهر رهان واضح على الاقتصاد باعتباره أحد أهم أدوات الاستقرار الاستراتيجي، حيث تشير مصادر مطلعة، وهو ما يتضح في أحاديث مع شخصيات اقتصادية قريبة من دوائر القرار، إلى أن الدولة تنظر إلى المشاريع الاقتصادية الكبرى، خصوصا مشاريع المياه والنقل والتوسع الحضري، باعتبارها مشاريع سيادية لا تقل أهمية عن المشاريع الدفاعية، لأنها تعيد تشكيل الاقتصاد الأردني ليصبح أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الإقليمية، كما تعكس هذه المشاريع ثقة متزايدة في قدرة الحكومة الحالية على تنفيذ تحولات اقتصادية طويلة المدى.

ضمن هذا التوجه، تكشف تقديرات اقتصادية يجري تداولها داخل الأوساط الاستثمارية، وظهرت ملامحها في نقاشات خاصة مع مسؤولين اقتصاديين، أن الأردن يعمل على تنويع شراكاته الاستثمارية الدولية، مع توجه متزايد نحو شرق آسيا باعتباره شريكا قادرا على لعب دور أكبر في مشاريع البنية التحتية الكبرى، في قراءة تعكس إدراكا بأن النظام الاقتصادي العالمي يشهد انتقالا تدريجيا في مراكز الثقل نحو الشرق، وأن الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي يتطلب إعادة توزيع شبكة التحالفات الاستثمارية بما يتناسب مع التحولات العالمية، خصوصا في ظل مخاوف تقليدية من تقلبات مصادر التمويل الإقليمية.

هذه المقاربة الاقتصادية ترتبط ارتباطا مباشرا بالتحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي، حيث يتغير ميزان القوة العالمي نتيجة انتقال مركز الثقل في الطاقة من النفط التقليدي إلى الطاقة المتجددة والمعادن الاستراتيجية، وصعود اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا، كعامل حاسم في إعادة توزيع القوة بين الدول، وتحول سلاسل التزويد العالمية إلى أداة نفوذ جيوسياسي تستخدمها الدول الكبرى لإعادة رسم خرائط النفوذ.

في مثل هذه اللحظات الانتقالية من التاريخ، لا تكون قدرة الدول على البقاء مرتبطة فقط بحجم قوتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بقدرتها على التكيف مع التحولات العميقة في النظام الدولي

في ظل هذه التحولات، يبدو أن الأردن يحاول إعادة تعريف موقعه باعتباره دولة عبور جيوسياسي بين الخليج وبلاد الشام، وبين الشرق والغرب، مستفيدا من موقعه الجغرافي واستقراره السياسي النسبي، لكنه في الوقت ذاته يدرك، كما يلمسه المتابع في نقاشات مع شخصيات قريبة من صناعة القرار، أن هذا الموقع لم يعد كافيا بذاته، وأن الحفاظ عليه يتطلب إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية، والتحالفات الخارجية ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى.

في مثل هذه اللحظات الانتقالية من التاريخ، لا تكون قدرة الدول على البقاء مرتبطة فقط بحجم قوتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بقدرتها على التكيف مع التحولات العميقة في النظام الدولي. وتجارب التاريخ تشير إلى أن الدول التي نجحت في عبور مراحل إعادة تشكيل النظام العالمي لم تكن تلك التي حاولت مقاومة التحولات، بل تلك التي نجحت في إعادة تعريف أدوارها داخلها، ويبدو أن الأردن، وهو يقف عند تقاطع جغرافي وتاريخي معقد، يحاول اليوم إدارة أعصابه داخل بيئة استراتيجية تتغير قواعدها باستمرار، في عالم تتحرك فيه مراكز القوة كما تتحرك التيارات البحرية العميقة، حيث يصبح التحدي الأكبر أمام الدول الصغيرة ليس فقط حماية حدودها، بل الحفاظ على قدرتها على إعادة تعريف نفسها داخل زمن التحولات الكبرى.

font change

مقالات ذات صلة