في عمّان، حيث تُدار السياسة العميقة بعقل حسابي أكثر مما تُدار بخطابات علنية واستعراضات بلاغية، تبدو الدولة وكأنها تعيد قراءة موقعها في لحظة تاريخية تشبه المراحل التي سبقت إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط أكثر من مرة خلال القرن الماضي. وخلال نقاشات مغلقة مع شخصيات مطلعة على مسارات التفكير داخل دوائر القرار، يظهر أن التقديرات الاستراتيجية لم تعد تكتفي بقراءة المشهد الإقليمي كما هو، بل تذهب إلى محاولة استشراف صورته بعد أن تتغير موازين القوة فيه، وهو إدراك يتكرر في أكثر من حديث مع مسؤولين أو متابعين قريبين من تلك الدوائر، بأن الحفاظ على الاستقرار لم يعد مسألة إدارة أزمات يومية، بقدر ما أصبح عملية إعادة تعريف شاملة، لدور الدولة داخل إقليم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
في هذا السياق، تشير تقديرات دوائر قريبة من صناعة القرار، كما يتضح من أحاديث مع مطلعين على توجهات المرحلة، إلى أن عمّان تنظر بجدية متزايدة إلى إعادة صياغة مفهوم الردع الوطني، ليس ضمن التعريف العسكري التقليدي فقط، بل عبر الاستثمار في أدوات دفاعية تكنولوجية متقدمة، في قراءة تعكس إدراكا بأن طبيعة التهديدات المحيطة بالأردن لم تعد تقليدية، وأن المنطقة تحولت تدريجيا إلى مسرح لصراعات غير متكافئة تقودها جماعات عابرة للحدود أو فواعل مسلحة تعمل ضمن حروب بالوكالة، وهو ما يدفع إلى تبني مقاربات دفاعية تعتمد على المرونة العملياتية والتكنولوجيا الدقيقة ومنخفضة الكلفة "على رأسها تكنولوجيا الطائرات المسيرة"، بالتوازي مع استمرار الاعتماد على المؤسسة العسكرية باعتبارها الركيزة الصلبة في معادلة الاستقرار الوطني، وهي قناعة تتكرر في أحاديث غير رسمية مع شخصيات عسكرية سابقة وحالية ترى أن المرحلة المقبلة ستعيد تعريف شكل الحروب، أكثر مما ستعيد تعريف أطرافها.
وتتزامن هذه القراءة مع تقديرات أمنية يجري تداولها داخل الأوساط الاستراتيجية، سُمعت أصداؤها في أكثر من نقاش خاص، تشير إلى أن أي تصعيد إقليمي واسع النطاق، خصوصا في حال اندلاع مواجهة مباشرة بين إيران وخصومها، قد لا يبقى محصورا داخل حدود الدول، بل قد يمتد إلى ساحات نفوذ الجماعات المسلحة المنتشرة في المنطقة، بما في ذلك احتمالات تمدد تأثير قوى مسلحة غير حكومية قرب الحدود الأردنية، وهو سيناريو يتم التعامل معه ضمن تصور استراتيجي يقوم على الجاهزية العسكرية العالية، وعلى المعرفة التفصيلية بالجغرافيا العملياتية للمسرح الإقليمي، وهي مسألة يجري الحديث عنها داخل الأوساط العسكرية باعتبارها أحد أهم عناصر التفوق الدفاعي الأردني.

