غزة - في حرب الإبادة على قطاع غزة، لم تحترق المنازل أو تتعرض أخرى للتدمير والتجريف فقط، بل اختفى بعضها دون حتى أن يبقى له أثر أو دليل على وجوده السابق، ووصل الأمر إلى تمزق واحتراق وربما اختفاء حقائب جلدية صغيرة أو ملفات بلاستيكية تحمل داخلها ما هو أثمن من الذهب بالنسبة للكثير من الفلسطينيين.. "سندات الملكية للمنزل أو الشقة أو قطعة أرض، ورقة حصر الإرث، ورخصة البناء، البطاقة الشخصية، شهادة الميلاد، عقد الزواج، وحتى الشهادات الجامعية". كانت تُجمّع في حقائب صغيرة توضع في مكان معلوم لدى غالبية أفراد الأسرة لحملها سريعا في أي طارئ، إلا أن البعض لم يتذكرها أو اعتقد أنه عائد قريبا.
ربما انتهت الحرب، لكن القصف والتدمير لم ينته أو يتوقف حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار الذي مضت عليه أربعة أشهر. عاد كثير من الغزيين لمناطق سكنهم لكن النسبة الأكبر لم تعد، وأصبح السؤال الأكثر شيوعا بعد العودة ليس "أين بيتي؟" بل "كيف أثبت أنه كان لي بيت هنا؟".
في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت جهات رسمية في غزة أن النسبة الأكبر من الوحدات السكنية تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي منذ أكتوبر 2023. ووفق تقديرات صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة وتقارير أممية لاحقة، فإن أكثر من 60–70 في المئة من المباني السكنية تضررت أو دُمّرت بدرجات متفاوتة، مع تسوية أحياء كاملة بالأرض، خصوصا في شمال وشرق القطاع.
من جهتها، حذرت وزارة الحكم المحلي وسلطة الأراضي الفلسطينية من أن تدمير المباني طال أيضا الأرشيفات المنزلية والوثائق العقارية الخاصة بالمواطنين، في وقت تعرّضت فيه مقار بلدية وسجلات محلية ومبانٍ وأرشيف غالبية الوزارات في غزة لأضرار أو تعطّل بفعل القصف وانقطاع الخدمات، أو حتى التدمير الكلي.
من جهتها، وبعد تصاعد التصريحات الإسرائيلية التحريضية على تهجير الفلسطينيين خلال الحرب إلى خارج القطاع، والدعوة إلى عودة الاستيطان، ومع فقدان جزء من الأرشيف الرسمي والفردي نتيجة القصف والتدمير، شددت الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية، خلال بيان سابق، على رفضها "أي مساس بسجلات الأراضي أو استغلال حالة الحرب لإحداث تغييرات في الملكيات"، مؤكدة أن الحقوق "لا تسقط بفقدان الوثيقة، لكنها تحتاج إلى آليات حماية وتوثيق عاجلة".
أما الأمم المتحدة فقد أكدت في تقاريرها الإنسانية خلال الحرب، أن الدمار الواسع للبنية المدنية، بما فيها المساكن والمقار الحكومية، يهدد قدرة السكان على الوصول إلى الخدمات الأساسية وإثبات حقوقهم المدنية والعقارية، ودعت في حينها إلى حماية السجلات الرسمية وتسهيل إعادة إصدار الوثائق.


