غزة... حُلم عودة المستوطنين يصطدم بمخطط ترمب

الرؤية الأميركية تمثل طوق نجاة مؤقتا لأهل القطاع الفلسطيني

أ.ف.ب
أ.ف.ب
فتاة تقف في بركة ماء بمخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بعد هطول أمطار غزيرة في حي الزيتون بمدينة غزة في 11 ديسمبر 2025

غزة... حُلم عودة المستوطنين يصطدم بمخطط ترمب

في 23 ديسمبر/كانون الأول الحالي، صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، خلال مشاركته في مراسم توقيع اتفاقية بناء 1200 وحدة سكنية في مستوطنة بيت إيل قرب رام الله بالضفة الغربية المحتلة، بأن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب أبداً بشكل كامل من غزة، مضيفا: "عندما يحين الوقت، في شمال غزة، سنشكل وحدات ناحال- أحد ألوية الجيش الإسرائيلي- بدلا من المجتمعات الإسرائيلية النازحة، سنفعل ذلك بالطريقة الصحيحة وفي الوقت المناسب".

تصريحات الوزير الإسرائيلي، أثارت غضب مسؤولين أميركيين، ما دفعه للتراجع عنها في بيان صدر عن مكتبه، قائلاً إن الحكومة الإسرائيلية "لا تنوي إقامة مستوطنات في غزة"، وموضحا أنّ "وجود لواء ناحال في غزة سيكون لأغراض أمنية فقط". تبع ذلك ردود فعل عربية ودولية وفلسطينية عبرت عن استغرابها ورفضها للتصريحات التي تتعارض مع المخطط الأميركي والورقة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والمكونة من 20 بندا بشأن اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة بين "حماس" وإسرائيل، ومن أبرزها البند والخرائط التي أكدت على انسحاب الجيش الإسرائيلي من كامل غزة على عدّة مراحل.

في تصريحاته الأخيرة، ذكر كاتس أنّ لواء ناحال، وهو أحد ألوية الجيش الإسرائيلي، هو من سيقوم بإنشاء البؤر الاستيطانية أو الأمنية، وهنا تكمن خطورة الأمر

لم تكن تصريحات كاتس بشأن عودة الاستيطان في قطاع غزة هي الأولى، إذ سبقتها تصريحات مشابهة خلال العامين الماضيين من حرب الإبادة الجماعية على الفلسطينيين في القطاع، من قبل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، وكذلك رئيسة المنظمة الاستيطانية المتطرفة "ناشالا" أو "الوطن"، دانييلا فايس، والتي تحدثت عدّة مرات سابقا في مقابلات صحافية، أنّ لديها بالفعل قائمة تضم أكثر من 500 عائلة يهودية من المستوطنين مستعدين للاستيطان في غزة بشكل فوري.

مستوطنات غزة

في تصريحاته الأخيرة، ذكر كاتس أنّ لواء ناحال، وهو أحد ألوية الجيش الإسرائيلي، هو من سيقوم بإنشاء البؤر الاستيطانية أو الأمنية، وهنا تكمن خطورة الأمر. يشرف لواء ناحال على برنامج نواة ناحال وهو برنامج يجمع بين خدمة المجتمع الإسرائيلي والخدمة العسكرية، وعادة ما ينفذ برامجه في مناطق تسعى الحكومة الإسرائيلية لتشجيع الاستيطان فيها، وذلك من خلال العمل على دعم الإنتاج المحلي للمجتمعات المحلية من خلال الزراعة على سبيل المثال.

رويترز
عناصر من الشرطة الإسرائيلية يحملون مستوطناً يهودياً من سطح مبنى في مستوطنة غاديد بمنطقة غوش قطيف، جنوب قطاع غزة، في 19 أغسطس 2005

وتستقطب برامج نواة ناحال شباب وعائلات شابة إسرائيلية ملتزمة بالعيش والعمل معا في إطار المجتمع، تبدأ العملية بالزراعة أو مبادرات تطوعية محددة، وعند بلوغ سن التجنيد، تلتحق المجموعة بشكل جماعي بالجيش لتبقى وحدة متماسكة خلال فترة الخدمة العسكرية لتعود فيما بعد لتكوين أسر في مجتمعها مع ضمان النمو وتكوين أجيال جديدة من الجنود، أي إن البؤر الأمنية التي تذرّع بها كاتس بإشراف "ناحال" قد تتطور في المستقبل لتتحول إلى مستوطنات مدنية "حينما يحين الوقت المناسب" كما حدث في عام 1970 عند إنشاء مستوطنة كفار داروم كأول مستوطنة إسرائيلية في غزة.

في عام 2005، أنهت إسرائيل وجودها الاستيطاني وحتى العسكري من داخل القطاع، بعد 38 عاما من احتلالها بشكل مباشر

ففي يونيو/حزيران من عام 1967، استكملت إسرائيل بعد شنها حربا واسعة، احتلال كامل أرض فلسطين وأجزاء من أراضٍ عربية، إذ احتلت قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان السورية وسيناء المصرية، ثم بدأت القوات الإسرائيلية بناء المستوطنات على أراضي الفلسطينيين، من بينها أراضي غزة. على غرار ذلك، أنشأت مستوطنة كفار داروم جنوب شرق مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وكانت أول مستوطنة تقام على أرض القطاع في عام 1970 وكذلك أول نقطة عسكرية زراعية، ثم تحولت فيما بعد إلى مستوطنة مدنية.

وقد توالت عمليات إنشاء المستوطنات الإسرائيلية بشكل متتالٍ، مثل تجمع مستوطنات غوض قطيف وهو أكبر تجمع استيطاني داخل غزة، أقيم على أراضي مدينتي رفح وخانيونس جنوب القطاع، ومستوطنة نتساريم التي أقيمت شمال مدينة غزة، ومستوطنة موراغ والتي كانت أحد أبرز المستوطنات الكبرى وارتبط اسمها بالممرات العسكرية الإسرائيلية، حتى وصل عدد المستوطنات إلى 21 مستوطنة إسرائيلية استحوذت على 20 في المئة من مساحة القطاع البالغة 365 كيلومترا مربعا.

أ.ف.ب
فلسطينيون يتجهون إلى مدينة غزة عبر "ممر نتساريم" من النصيرات وسط قطاع غزة في 11 أكتوبر 2025

ضمت المستوطنات أعدادا قليلة من المستوطنين، وكان يشكل عددهم أقل من واحد في المئة من تعداد سكان غزة الذي بلغ مليونا و300 ألف فلسطيني أواخر ثمانينات القرن الماضي، إلا أن الجيش الإسرائيلي اضطر إلى إحاطة المستوطنين بمساحات أمنية عازلة واسعة ومحصنة، وعمل على حمايتها بأعداد كبيرة من الجنود ما شكلّ عبئا أمنيا دائما وتكاليف مالية ولوجستية كبيرة على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.

وفي عام 2005، أنهت إسرائيل وجودها الاستيطاني وحتى العسكري من داخل القطاع، بعد 38 عاما من احتلالها بشكل مباشر، وعبر خطة عرفت باسم "فك الارتباط" كان قد أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق آرئيل شارون في حينها، بذريعة التكلفة الأمنية العالية وفي إطار التركيز على توسعة الاستيطان في أراضي الضفة الغربية والقدس، وأبقى سيطرة حكومته عسكريا على حدود غزة البحرية والبرية والجوية حتى ما قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حينما شنت إسرائيل حربها على القطاع بعد اقتحام الفصائل الفلسطينية للحدود والمستوطنات الحدودية في ذلك اليوم.

حُلم عودة الاستيطان

في 12 سبتمبر/أيلول 2005، غادرت غزة آخر الدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية، بعد تفريغ المستوطنات من 8 آلاف مستوطن بالقوة، في مشاهد نقلتها عدسات الكاميرات، وانطلق حُلم اليمين المتطرف ومنظمات ومؤسسات الاستيطان في انتظار لحظة مناسبة للإعلان عن عودة الاستيطان والمستوطنين لإنشاء مستوطنات في غزة مجددا، حتى وجدوا في حرب الإبادة الأخيرة والتي سيطر خلالها الجيش على معظم القطاع، ولا يزال يسيطر على أكثر من 50 في المئة من مساحته حتى خلال تطبيق المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، وجدوا فرصة مناسبة لإطلاق أحلامهم ومخططاتهم لإنشاء مستوطنات ساحلية، مشابهة لأماكن المستوطنات السابقة التي تفككت قبل 20 عاما.

على الصعيد السياسي الفلسطيني، لا يملك السياسيون أيا من القدرات الحقيقة والقوة للجم المطامع الإسرائيلية سوى إصدار بيانات الإدانة والرفض

وكما ذكرت سابقا، صدر الكثير من التصريحات الإسرائيلية من وزراء يمينيين متطرفين أمثال بن غفير وكاتس، وكذلك من رؤساء منظمات استيطانية أمثال فايس، بشأن عودة الاستيطان، حتى إنّ منظمات يمينية نظمت رحلات بحرية قبالة سواحل قطاع غزة خلال الحرب لمستوطنين من مختلف الأعمار لمشاهدة عمليات القصف والتدمير الإسرائيلية في غزة خلال الحرب الأخيرة، وهدفت لتعبئة الأجيال القادمة وزرع فكرة عودتهم إلى غزة التي يزعمون أنها جزء من أرض إسرائيل الضائعة.

وفي الوقت الذي عملت ولا تزال تعمل فيه المنظمات والشخصيات الإسرائيلية اليمينية المتطرفة على تعبئة المستوطنين لتحقيق "حُلم العودة"، إلا أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وفي تصريحات إعلامية عدّة، استبعد فكرة عودة إنشاء مستوطنات في غزة، وهو ما يتوافق مع الموقف الأميركي سياسيا وصاحب المطامع الاقتصادية الاستثمارية في أرض قطاع غزة، والتي عبّر عنها ترمب وفريقه السياسي في تصريحات سابقة، من خلال إعلان المخططات لغزة الجديدة وفق الرؤية الأميركية اقتصاديا، وإنهاء تهديدها الأمني إسرائيليا.

المخطط الأميركي

يقع الضرر الأكبر من عودة الاستيطان في قطاع غزة، على أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون على أراضيهم التي يحلم اليمين المتطرف بمصادرتها لتنفيذ مخططاته الاستيطانية، ونهب خيراتها من ماء وأراض زراعية خصبة تساهم في تطوير مجتمعاتهم، إلا أنّ الفلسطينيين وبعد عامين من الإبادة والقتل والتدمير تضاءلت قدرتهم على المواجهة والاستمرار في تحمل الخسائر البشرية والمادية بعد إنهاك إسرائيلي مُتعمد وتشكيل بيئة طاردة للسكان دون الحصول على أي دعم حقيقي في سبيل إعادة بناء الإنسان الفلسطيني على أرضه ودعمه في إعمار ما دمرته الحرب.

رويترز
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحفي بعد اجتماع في نادي مارالاغو التابع لترمب في بالم بيتش، فلوريدا، الولايات المتحدة، في 29 ديسمبر 2025

وعلى الصعيد السياسي الفلسطيني، لا يملك السياسيون أيا من القدرات الحقيقة والقوة للجم المطامع الإسرائيلية سوى إصدار بيانات الإدانة والرفض من خلال التصريحات ومطالبة الدول العربية والغربية بالتدخل والضغط على إسرائيل لمنع عودة الاستيطان، لكن لم يأت ذلك بنتيجة على الأرض، مثال على ذلك التوسعات الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس على مدار العقدين الأخيرين وبما يخالف القوانين الدولية التي تضرب بها إسرائيل عرض الحائط وتستمر في الإعلان عن إنشاء بؤر استيطانية ومستوطنات، كان آخرها الإعلان عن بناء 1200 وحدة استيطانية ضمن تصريحات كاتس الأخيرة.

مرحلة الإعمار وفق الرؤية الأميركية تتعارض مع حلم اليمين الإسرائيلي المتطرف بعودة الاستيطان

جاء الموقف الأميركي الرافض لتصريحات كاتس بشأن الاستيطان في غزة، لكنه لم يتطرق لأي رفض أو معارضة أو منع لما يجري من توسعات في الضفة الغربية، الأمر الذي يشير إلى تعارض المصالح الأميركية-الإسرائيلية والمخططات المستقبلية بشأن قطاع غزة على وجه الخصوص، ووفق ورقة ترمب التي نصّت بشكل واضح ووافقت عليها الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو، على انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة تدريجيا وفق مراحل تنفيذ الاتفاق والذي من المفترض أن يؤدي في نهايته لانسحاب من كامل أراضي القطاع، وإحلال قوات دولية على طول الحدود، والبدء في مرحلة إعادة إعمار غزة.

أ.ف.ب
جنود إسرائيليون يجلسون فوق دبابات في موقع جنوبي، قرب السياج الحدودي بين إسرائيل وغزة، في 30 أكتوبر 2025

لكن مرحلة الإعمار وفق الرؤية الأميركية تتعارض مع حلم اليمين الإسرائيلي المتطرف بعودة الاستيطان، وذلك بعد ما أعلنت عنه الولايات المتحدة الأميركية من مشروع إعمار القطاع ويحمل اسم "شروق الشمس" ويهدف لإنشاء مدينة تكنولوجية تُنفذ على عدّة مراحل بدءا من رفح جنوب القطاع وصولا إلى مدينة غزة في شماله.

قد لا يكون المشروع الأميركي المطروح قابلا للتنفيذ مع بقاء أكثر من مليوني فلسطيني في غزة دون تهجير أو ترحيل طوعي أو إجباري لأكثر من نصفهم، إلا أنّ الرؤية الأميركية والتي لا تزال حبرا على ورق، وربما بشكل غير مقصود، تمثل طوق نجاة مؤقت للغزيين.

font change

مقالات ذات صلة