لم أكن لأصدق، وربما لا أحد كان يمكنه أن يصدق، عندما شاع الخبر عما قام به الفيلسوف الشهير، الذي تتلمذ عليه، خلال عقدين من الزمن، جميع من سيصبحون كبار فلاسفة فرنسا بعد سارتر، والذي كنا، ونحن طلبة بداية الستينات، نلتهم مقالاته، ونعتبره خير من أحيا الماركسية وأنعشها، وأعاد النظر في أهم مفهوماتها، كالأيديولوجية والتناقض والبنية والتاريخ، وفجأة نسمع أنه ارتكب إحدى أبشع الجرائم في حياة المثقفين الفرنسيين، وأنه، بعد أربع وثلاثين سنة من العشرة، قتل رفيقة دربه صباح يوم الأحد 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1980 في أحد المساكن الوظيفية للمدرسة العليا في شارع "أولم" حيث كان يشغل معلما يسهر على تهييئ الأساتذة الشباب لاجتياز مباريات التبريز.
وأنا أتابع منشورات لوي ألتوسير، التي كانت وقتها تباع بمآت الآلاف من النسخ، والتي نقلت إلى نحو ثلاثين لغة، كنت أسمع بين حين وآخر، أنه يخضع لجلسات تحليل نفسي. لم يكن ليخطر ببالي أن الأمر لم يكن يتعلق بفضول معرفي، وأن الفيلسوف ذا الأسلوب المغرق في الدقة والأناقة، والمنفتح على التيارات المستجدة بما فيها التحليل النفسي، يدخل بين حين وآخر، وبكيفية تزداد خطورة، في نوبات عصبية تجبره على الإقامة في المستشفى.
ظل شخص آخر
بعد الفاجعة، سيعود لوي ألتوسير في نصوصه السيرذاتية إلى تفاصيل حياته منذ الطفولة. وسيقف مطولا عند حادثة تبدو بسيطة لأول وهلة، وهي أن الاسم الذي يحمله، هو اسم عمه الذي كان من المفترض أن يتزوج أمه قبل أن يتزوجها أبوه بعدما توفي العم لوي خلال الحرب العالمية الأولى. وسيقول إنه أحس طوال حياته أنه لا يوجد حقا لذاته، وأنه كان يحيا بدلا من شخص آخر، وأنه "سيبقى ظلا لعمه". هذه الحادثة مفتاح احتفظ به كثر ممن حاولوا فهم الهشاشة النفسية التي ستسم حياته إلى الأبد.
ما إن التحق بالمدرسة العليا للمعلمين سنة 1939 بتفوق كبير، وسنه لا تتجاوز العشرين عاما، حتى نودي عليه للالتحاق بالتجنيد دفاعا عن الوطن. سينضم إلى إحدى جبهات غرب فرنسا، إلا أنه سرعان ما وقع في قبضة المحتل، فأودع السجن الألماني لمدة خمس سنوات. ومن باب المفارقات التي هزت حياته سيكون هذا السجن تحولا عميقا مفاجئا في حياته. كان تحولا سياسيا، وانقلابا فكريا. ففي هذا المعسكر سيلتقي هذا الشاب الكاثوليكي، لأول مرة في حياته، مناضلين عمال شيوعيين حقيقيين. كان طيلة شبابه معتنقا وفيا للكاثوليكية، بل إنه انخرط في حركات الشباب الكاثوليكي.



