بلاغة النص الذي يفكر بصوت مرتفع في شذرات سيمون ويل

عندما تغدو القراءة عودة أصفى إلى الذات

Wikimedia Commons
Wikimedia Commons
الفيلسوفة والكاتبة الفرنسية سيمون فايل

بلاغة النص الذي يفكر بصوت مرتفع في شذرات سيمون ويل

تبدأ الحكاية من مساحة صغيرة على طرف الورقة يلتقط فيها القلم خاطرا عابرا ثم يتبعه بخاطر آخر يوضحه أو يعدله، ومن هذه الحركة الأولى تظهر الفيلسوفة والناشطة السياسية الفرنسية سيمون ويل (1909-1943) في هيئة كاتبة يعيش فكرها لحظة تشكله، تكتب لتفهم وتفهم لتكتب، ويصل إلى القارئ في السطر القصير صوت عقل يتقدم ثم يستأنف سيره بهدوء وثقة. يقرأ القارئ هذه الشذرات فيقترب من فكر يختار الصدق والدقة والإصغاء وتغدو النبرة جزءا من المعنى لكشفها مقدار احترام الكاتب لما يقول، عندئذ تمنحه كتابة ويل لحظة ولادة الفكرة ذاتها، فتربط الثقة بمسار التفكير وبالطريق الذي تسلكه العبارة نحو معناها.

غالبا ما تخرج شذرات ويل من دفاتر وملاحظات، وقد رأى كثير منها النور بعد رحيلها حين جمع غوستاف تيبون أوراقها تحت عنوان "الثقل والنعمة" (La Pesanteur et la grâce)، لذلك يحمل هذا الأصل اليومي أثره في الأسلوب، فالجملة تجري بخفة على اللسان ثم تستقر بثقلها في الذهن لأن وراءها حياة مشبعة بالتجربة والالتزام. عاشت ويل بين الفكر والعمل، دخلت المصنع لتختبر ما يصنعه الإيقاع القاسي في الروح، واقتربت من قضايا الظلم والاقتلاع، ثم كتبت عن الانتباه والنعمة بوصفهما سبيلين إلى مقاومة القسوة، فبقيت في أوراقها حرارة إنسانية تقرب الفكرة من الوجدان وتمنح اللغة قدرة على صقل الضمير والنظرة معا.

تستند هذه البلاغة إلى عهد بسيط مع الكلمات، إذ تصاغ العبارة عند ويل على نحو يظهر الطريق الذي سلكته الفكرة ويجعل التفكير خبرة مشتركة بين الكاتب والقارئ، لذلك تمنح هذه الكتابة الجملة وقتها وتدع المعنى يعمل في الداخل حتى تغدو الشذرة صيغة تختصر العبارة وتوسع أثرها في آن واحد. من هنا يتنوع الإيقاع من جملة خاطفة تشعل الشرارة إلى جملة أوسع تضم السياق ثم إلى وقفة خفيفة تترك أثرها في الذهن، فينساب النص بسلاسة ويظل ملموسا حتى حين يقترب من الأفكار الكبيرة.

أثر القلم يظل حاضرا

تقيم سيمون ويل في منطقة تتجاور فيها الملاحظة الخاطفة والتأمل الطويل، ولذلك تقدم الشذرة بوصفها مسودة واعية تحتفظ بحرارة اللحظة وتمنحها في الآن نفسه ترتيبا يهيئها للبقاء. في مقدمة "الثقل والنعمة" يبرز هذا المعنى حين تقترب الكتابة من فعل الترجمة، فالكاتب يسعى إلى نقل حقيقة تتكون في الداخل قبل استقرارها في اللغة. من هنا تكتسب المسودة قيمتها عند ويل، فهي مساحة أمانة ودقة وتربية على الإصغاء إلى ما تريد العبارة أن تقوله قبل فرض زينة زائدة أو صوغ متعال عليها.

يتنوع الإيقاع من جملة خاطفة تشعل الشرارة إلى جملة أوسع تضم السياق ثم إلى وقفة خفيفة تترك أثرها في الذهن

يتصل بهذا المعنى ما تسميه "جهد التعبير"، لأن العبارة المصفاة تهذب الفكر بقدر ما تهذب اللغة، وحين يحذف الكاتب الزوائد يقترب من حقيقة ما يرى ويكتشف أن الصفاء يحتاج شجاعة وأن الدقة عمل أخلاقي قبل أن تكون مهارة أسلوبية. لذلك تبدو مراجعة العبارة عند ويل مراجعة للنظر أيضا، ويصير الخطأ خطوة في التعلم وتغدو المراجعة صورة من صور الاحترام للواقع وللقارئ وللذات التي تسعى إلى كلمة تستحق أن تبقى.

غلاف "الثقل والنعمة"

تنكشف هذه الأخلاق في الشذرات التي تعيد ترتيب خبرات كبرى في سطور قليلة، ففي "الثقل والنعمة" تختزل ويل جانبا من رؤيتها في عبارة حاسمة: "وحدها النعمة تشق طريق الاستثناء"، وبها تظهر أن النفس تميل إلى العادة وإلى ما يهبط بها، ثم يفتح المعنى بابا آخر للحركة والصعود، وحين تكتب عن الفراغ واحتماله تجعل من الصبر تربية داخلية تفسح مكانا لما يستحق أن يستقبل. وفي الكتاب نفسه تعيد تعريف الحب تعريفا بالغ الرهافة حين تقول: "الحب الخالص هو القبول بالمسافة"، فترد العلاقة إلى العدل وتخرجها من الامتلاك، وتجعل المسافة علامة احترام وثقة لا علامة برود أو انقطاع.

يمتد هذا الحس الإنساني إلى نصوص أخرى عند ويل، ففي "الإلياذة أو قصيدة القوة" (L'Iliade ou le Poème de la force) تبلغ الفكرة حدها الأقصى حين ترى القوة قدرة على تحويل الإنسان إلى شيء، وبذلك تنقل الحرب من ساحة بعيدة إلى خبرات يومية يعرفها القارئ في القسوة والإهانة والخوف. ثم تعود في "التجذر" (L'Enracinement) لتمنح المفهوم الاجتماعي وزنه الوجودي في عبارة شديدة الكثافة: "لعل التجذر هو الحاجة الأشد أهمية والأقل تعرفا في النفس الإنسانية". بهذا تتجاوز الشذرة عندها حدود الخاطرة العابرة لأنها تولد تعريفات تعيش طويلا وتربط الفكر بما يمس الكرامة والعدالة ومعنى الانتماء في حياة الإنسان.

 AFP
بورتريه للفيلسوف والناقد الفرنسي رولان بارت في باريس، 1977

يزداد هذا المعنى وضوحا في ضوء بعض التصورات النقدية للشذرة والكتابة، فالشذرة عند رولان بارت تبقي المعنى في حركة مفتوحة، وعند تيودور أدورنو تكتسب الفكرة صدقها من طريقة ظهورها لا من ادعاء اليقين الجاهز، وتلتقي تجربة ويل مع هذين المعنيين لأنها تظهر الفكر أثناء تكونه وتدع أثر القلم حاضرا في الجملة. عند هذا الحد يتضح سر جاذبية كتابتها، فالجمال فيها يخرج من عبارة عرفت حجمها الدقيق، والعمق يثبت في نص يفكر بصوت مرتفع ويجعل القارئ شاهدا على ولادة المعنى.

الشذرة ترتيب جديد للزمن

يوحي شكل الشذرة بالسرعة، غير أن شذرات سيمون ويل تنشئ إيقاعا أبطأ يدعو القارئ إلى الوقوف عند الجملة لأن معناها يتجاوز حجمها، وفي زمن تمتلئ فيه القراءة بالإشارات والرسائل والتحديثات، تمنحه هذه الكتابة سطرا قصيرا وتفتح حوله حيزا من الصمت، فيدرك أن القراءة حضور قبل أن تكون جمعا للمعلومات، وأن البطء هنا كيفية تلق لا مقدار وقت. لهذا تعود العبارة إلى الذهن بعد الفراغ من الصفحة، فترافق القارئ في موقف عابر أو في لحظة انتظار أو عند غضب مفاجئ أو لقاء إنساني دافئ، بذلك يصير الأثر ممتدا في اليوم العادي ويغدو النص حجرا صغيرا يحمله المرء في داخله من غير أن يثقله، لكنه يذكره بنفسه كلما تحركت الخبرة حوله.


تتجاوز الشذرة عندها حدود الخاطرة العابرة لأنها تولد تعريفات تعيش طويلا وتربط الفكر بما يمس الكرامة والعدالة

تظهر هذه القدرة بأجلى صورة حين ترى ويل العالم مرة بوصفه بابا مغلقا ومرة بوصفه طريق عبور، ثم تستحضر صورة سجينين يتخاطبان عبر الجدار فيصير الحاجز نفسه وسيلة التواصل، فتفتح هذه المفارقة العين على علاقة المنع بالإمكان والألم بالمعنى، وترد الخبرة اليومية إلى أفق أوسع من غير إطالة أو شرح مباشر. من هنا يلتقي نص ويل بما سماه فيكتور شكلوفسكي "التغريب"، إذ تستعيد الأشياء حيويتها حين ترى من زاوية جديدة، ويغدو الجدار في الشذرة فكرة تبطئ النظر وتمنح الإدراك كثافة إضافية، فيشعر القارئ أن العائق الذي يعترضه قد يحمل في باطنه معنى التعلم أو إمكان النضج أو بداية فهم لم يكن حاضرا من قبل.

غلاف "في انتظار الإله"

يزداد هذا البطء عمقا حين تدخل ويل إلى معنى الانتباه، ففي "انتظار الإله" (Attente de Dieu) تقول: "الانتباه، في أسمى درجاته، هو الصلاة ذاتها"، وبذلك ترفع الانتباه من عادة ذهنية إلى مقام روحي يقيس صفاء الحضور وصدقه، ثم تكثف الفكرة في عبارة أخرى بالغة الشهرة: "الانتباه هو أندر أشكال الكرم وأنقاها"، فتجعل الكرم قدرة على منح الحضور الكامل للآخر. عند هذا الحد تصبح الشذرة مقاومة هادئة لعجلة الاستهلاك لأنها تعيد إلى العطاء معناه الإنساني الأول، أي أن يعطي المرء من قلبه ووقته وإصغائه، لذلك يكتشف القارئ أن النظرة الصادقة والإصغاء المخلص قد يكونان أبلغ أثرا من النصيحة السريعة ومن المواساة التي تمر على الألم من بعيد.

لهذا يبلغ النص عند ويل أثره الأوضح حين يلتفت إلى المتألم وإلى إصلاح النفس، فهي ترى أن الانتباه الصافي يوسع إنسانية المنصت ويمنح المتألم شعورا بأن وجوده صار مرئيا، ثم تعود في "الثقل والنعمة" إلى التمييز بين شدة الإرادة وصفاء الانتباه، فترجع التحول العميق إلى رؤية تتكرر وتترسخ أكثر مما ترجعه إلى اندفاع عابر، وبهذا تصبح القراءة عندها تربية للنفس بقدر ما هي تذوق للأسلوب. من هنا يكتسب بطء الشذرة معنى نقديا أيضا، وذلك لأنها تترك في النص فراغا مثمرا يشارك القارئ في ملئه من خبرته وذاكرته، فيتحرك المعنى بين الورق والحياة بدل أن يظل محبوسا في الجملة وحدها، فتغدو القراءة مشاركة فعلية في صنع الأثر لا تلقيا سلبيا لخاتمة جاهزة.

ثم يكتمل هذا الترتيب الجديد للزمن حين تربط ويل الانتظار بالهبات العميقة التي تنضج على مهل، ففي "انتظار الإله" يصبح الانتظار اليقظ تهيئة للقلب وتربية للروح، وفي "الثقل والنعمة" يغدو الفرح الصافي ثمرة استعداد وصبر وقابلية للاستقبال، لا أثر اندفاع عابر ولا نتيجة استعجال. عند هذا الحد تمنح شذرات ويل القارئ وقتا جديدا، فيقرأ سطرا واحدا ثم يجده مرافقا له في يومه وعمله وعلاقته بالآخرين، وبذلك تغدو القراءة تجربة حياة يعيش فيها المعنى على مهل ويثبت أثره طويلا.

أثر يبقى

تظهر سيمون ويل، عبر الشذرة والمسودة، أن البلاغة قد تغدو خلقا يمارس في طريقة النظر قبل أن يستقر في العبارة، فالجملة عندها تمضي هادئة ومشحونة بصرامة رقيقة تمسك بالمعنى في قدره الدقيق، وتعلم قارئها أن الفكرة تزداد قوة كلما عرفت حجمها، وأن البساطة المصفاة ثمرة عمل وصبر، وأن أثر القلم حين يبقى ظاهرا يهب الطريق صدقه ويمنح الملاحظة حدة إضافية. ومن هذا الأثر تستعيد الكلمة وزنها وتستعيد الوقفة الصغيرة معناها، ويصير الانتقال الخافت في النص جزءا من تربية الحس، حتى تبدو الشذرة عند ويل تمرينا هادئا على العدل يبدأ من العين التي ترى جيدا ثم يمتد إلى النفس وهي تختار موضعها في العالم.

تصبح الشذرة مقاومة هادئة لعجلة الاستهلاك لأنها تعيد إلى العطاء معناه الإنساني الأول

لهذا تبقى كتابة ويل في القارئ على هيئة نبرة أكثر من بقائها على هيئة خلاصة، نبرة تدعوه إلى أن يمهل الكلمة زمنها، وأن يصغي إلى ما يتكون في داخله قبل أن يستعجل الحكم أو يلقي العبارة الأولى، عندئذ تغدو القراءة عودة أصفى إلى الذات وإلى الآخرين معا، ويغدو الفكر أقرب إلى هيئة عيش منه إلى مادة تقتنى. ربما كان هذا هو الأثر الأبعد لهذه الكتابة: إنها تترك الإنسان أقرب إلى سطر واحد يعرف كيف يبدأ، ويعرف كيف يترك في اليوم العابر فسحة لمعنى يستحق أن يعاش كل يوم.

font change