بصدور كتابه الأحدث في الشهر الأول من عام 2026، "أوديسة والقوة الفائقة" (Odyssée et surpuissance - 2026)، يبدو أن الفيلسوف الفرنسي جيل ليبوفتسكي (1944) أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع بجامعة غرونوبل، قرر أن يغلق قوس "الخفة" ليفتح أفقا أكثر حدة وخطورة. ففي هذا العمل الجديد، لم يعد ليبوفتسكي يكتفي برصد سيولة المجتمع واستهلاكه العابر، بل ينتقل إلى تحليل "القوة الفائقة" التي تمنحها التقنية والذكاء الاصطناعي للإنسان المعاصر، محولا حياتنا إلى "أوديسة" تقنية كبرى تضع الوجود البشري نفسه على المحك.
يدعونا هذا المنعطف الجديد في فكره لإعادة قراءة المسار الطويل الذي سلكه ليبوفتسكي منذ بداياته. فقبل أن يصل إلى تساؤلات "القوة الفائقة" والذكاء الاصطناعي، كان أرسى دعائم فهمنا للعالم المعاصر عبر مفاهيم بدت وقتها ثورية، من "عصر الفراغ" إلى "مملكة الزائل". وبين تلك البدايات وهذا العمل الأخير، تبرز محطات مفصلية شكلت وعينا بالأنوثة، والاستهلاك، والأصالة، وهي المحطات التي خضت غمارها ليس كقارئة فحسب، بل كمترجمة عاشت مع نصوصه وتلمست تحولاتها العميقة.
عصر "الانفجار الكبير": حين تتحول الحداثة إلى حضارة القوة الفائقة
يتجاوز ما يطرحه ليبوفتسكي في هذا العمل، مجرد التحليل السوسيولوجي المعتاد. فهو يصف لحظة تشبه "الانفجار الكبير" الذي يعيد رسم معالم الحضارة الإنسانية برمتها. نحن نعيش، وفق تعبيره، لحظة تحول وجودي تزعزع أركان العلم، والتكنولوجيا، والبيئة، وحتى الهوية الفردية. في كتابه "أوديسة والقوة الفائقة"، يرسم ليبوفتسكي ملامح هذه المرحلة الجديدة التي يطلق عليها "حضارة القوة الفائقة" La civilisation de la surpuissance، وهي المرحلة التي تدفع فيها جميع الحدود البشرية إلى أقصى مداها، ليصبح المجهول هو عنوان المستقبل في مجالات الذكاء الاصطناعي، وغزو الفضاء، والتلاعب بجوهر الحياة ذاتها.





