أياد صغيرة تمسك بقوة وجبة إفطار منتظرة، وعيون خائفة اتسعت حدقاتها تحت وطأة الفقر، وأجساد نحيلة تأوي تحت صفيح حديد تتسرب من ثقوبه مياه الأمطار: هذا ملمح من ملامح المشهد الذي تفتتح به بعض حسابات وسائل التواصل الاجتماعي في الموسم الرمضاني من كل عام، في تناوب محموم ومنافسة على استقطاب المتابعين ونيل "اللايكات" والمتابعات.
لكن، بالرغم من قسوة المشهد وكثرة استدعائه خلف كاميرات المؤثرين والمؤثرات في استهلاك مكرور، فإن هذه المنصات تحولت بالفعل إلى فضاءات اجتماعية بديلة لممارسة التكافل الاجتماعي والتضامن الإنساني، ولا سيما في بلد مثل سوريا، خارج من سنوات طويلة من الحرب أنهكت قواه الاجتماعية والاقتصادية، وإن كانت هذه المنصات غيرت مفهوم الصدقة أو التبرع من السرية إلى العلانية.
من السرية إلى العلانية
في السنوات الأخيرة، ومع تدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا جراء الحرب الطويلة فيها، مارست وسائل التواصل الاجتماعي دورا خاصا في شهر رمضان، إذ تحولت هذه المنصات إلى "موائد رحمن رقمية" بغية الوصول إلى العائلات المحتاجة، فتغيرت أدوات العمل الخيري الذي تغير معها مفهوم الصدقة. فبعدما كان تقليديا يمارس سرا تطبيقا لمقولة "متى صنعت صدقة، فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك"، صار يمارس على مرأى شاشات الهواتف الذكية في تحول واضح للقيم الاجتماعية ومحاولة أوسع وأضمن للتأثير الجماهيري.
في هذا السياق، يوضح الباحث في علم الاجتماع الدكتور طلال مصطفى لـ"المجلة"، التحولات الملحوظة التي ظهرت بعد الثورة السورية، يقول: "قبل عام 2011 كانت موائد الرحمن تنظم في المساجد أو في الأحياء بشكل جماعي وتعتمد على تبرعات محلية تقدم غالبا بسرية، وكان الهدف الأساس منها إطعام الصائمين العابرين أو الفقراء في الأحياء الشعبية، لكن مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تحولت هذه المبادارت إلى مشاريع إغاثية".




