حفصية حرزي لـ"المجلة": فخورة بكوني فنانة نسوية

تعود بفيلمين يتناولان عوالم المرأة وتحدياتها

Thomas SAMSON / AFP)
Thomas SAMSON / AFP)
حفصية حرزي بعد فوزها بجائزة سيزار لأفضل ممثلة عن فيلم "بورغو"، 2025

حفصية حرزي لـ"المجلة": فخورة بكوني فنانة نسوية

شاركت الممثلة الفرنسية ذات الأصول الجزائرية والتونسية حفصية حرزي هذا العام بمهرجان "كان" السينمائي بفيلمين: "كلمات حب" لرودي روزنبرغ، و"حفلة عيد الميلاد" لليا ميسيوس، الذي عرض في المسابقة الرسمية والمقتبس من رواية "إثارة" للكاتب لوران موفينييه. يختلف الفيلمان جذريا في النبرة والجماليات، غير أنهما يلتقيان عند صورة واحدة: أم مستعدة لفعل أي شيء من أجل حماية أطفالها.

في "كلمات حب"، تؤدي حفصية حرزي دور امرأة تساعد ابنتها في البحث عن الأب الذي تخلى عنها. ويتناول فيلم رودي روزنبرغ، بنبرة أكثر دفئا ووجدانا، الجراح التي يتركها الغياب، وإمكان ترميم الروابط العائلية بعد انكسارها. أما "حفلة عيد الميلاد"، فيمضي إلى توتر أشد قتامة. فالفيلم الذي تشارك في بطولته مونيكا بيلوتشي، يتكشف في أجواء خانقة يتحول فيها البيت العائلي إلى فضاء للخوف والمقاومة. وفي الفيلمين معا، تجسد حرزي نساء يرفضن الاستسلام للخطر أو للهجران.

تشرح الممثلة لـ"المجلة": "عندما عرض علي رودي روزنبرغ دور إريكا في ’كلمات حب’، هذه الأم التي ترافق ابنتها في البحث عن الأب الذي تركهما، قال لي: إنها ليست أما صالحة، إنها أم سيئة، في إشارة إلى فيلمي ’الأم الصالحة’. فقلت له: لا، لا، لقد اخترتني، إذن هي أم صالحة. أردت حقا الدفاع عن شخصيتي، لأنها امرأة قد تفعل أي شيء من أجل أطفالها، حتى حين تختلف معهم في خياراتهم".

تستدعي هذه الصورة الأمومية، على نحو بديهي، فيلم "الأم الصالحة"، ثاني أفلام حرزي مخرجة. عرض الفيلم في مهرجان "كان" عام 2021 ضمن قسم "نظرة ما"، متتبعا حكاية امرأة من الطبقة العاملة في مرسيليا أنهكتها القسوة الاجتماعية، لكنها ظلت مصممة على إبقاء عائلتها متماسكة. ومنذ ذلك الحين، بدت حرزي مشدودة إلى هؤلاء البطلات الصامتات اللواتي غالبا ما يغبن عن شاشة السينما الفرنسية: نساء من الطبقة العاملة وذوات أصول شمال أفريقية، قويات رغم التعب والتضحية. وربما وجدت في أمها مصدر إلهام لها، إذ أنها ربت أربعة أطفال وحدها بعد وفاة والد حفصية، حين كانت هي نفسها لا تزال في عامها الأول.

بدايات

لم تكن بدايات حرزي لتوحي بمسار كهذا. ولدت في مانوسك لأم جزائرية وأب تونسي، وحلمت بأن تصبح ممثلة منذ الثانية عشرة من عمرها، في زمن كان حضور الوجوه الشمال أفريقية على الشاشة شبه غائب. ولكن ذلك كما تقول: "يدفعك، بطريقة ما، إلى الرغبة في النجاح والقتال من أجله".

حين أنظر إلى كل هذه السنوات، أدرك أنني فخورة بمساري، لأنني لم آت من خلفية كانت الأمور فيها سهلة

نشأت في مرسيليا، في بيئة متواضعة بعيدة عن دوائر السينما الباريسية. وتقر بتواضع: "لم أكن أعرف أحدا في عالم السينما، وكلنا نعرف أن الأمر ليس سهلا. والأهم أنني لم أصدق حقا أنني سأصل يوما، لذلك كنت أرى في كل دور فرصة، وأقول لنفسي إنني حتى لو لم أعمل بعده مرة أخرى، فسأكون على الأقل قد حققت حلمي بالسينما ولو مرة واحدة في حياتي".

في مراهقتها، حلمت بالتمثيل، لكنها لم تعرف الطريق إلى هذه المهنة. ثم تبدلت حياتها حين التقت عبد اللطيف كشيش، الذي منحها أول دور كبير لها في فيلم "سر الكسكس" عام 2007.

كان الأثر فوريا. ففي العشرين من عمرها فقط، أدهشت حفصية حرزي الجمهور بعفويتها الخام، وكثافتها الشعورية، وقدرتها على تقمص الشخصية من دون تصنع.

تقول: "في ذلك الوقت، كنت أتساءل لماذا اختارني كشيش. لم أفهم ذلك حقا. وفي النهاية، ربما من الأفضل ألا نعرف. أقول لنفسي إن ذلك كان قدرا. وحين أنظر إلى كل هذه السنوات، أدرك أنني فخورة بمساري، لأنني لم آت من خلفية كانت الأمور فيها سهلة".

IMDb
حفصية حرزي في فيلم "كلمات حب"، 2026

نال أداؤها جائزة "سيزار" لأفضل ممثلة واعدة، ورسخ حضورها بين الوجوه الجديدة في السينما الفرنسية. والأهم أن كشيش فتح بابا نادرا أمام صورة مختلفة للمرأة العربية على الشاشة. فمن خلال حفصية حرزي، اكتشفت السينما الفرنسية ممثلة ترفض الكليشيهات المبسطة عن "فتاة الضواحي" أو النساء الشمال أفريقيات في الأدوار الثانوية.

IMDb
طوبى الغرشي وحفصية حرزي وباستيان بويون في فيلم "حكايات الليل"، 2026

مسيرة يقودها الشغف

سرعان ما بدأت حرزي تختار أدوارا مركبة، مثيرة للجدل أحيانا، وحرة دائما. وهذه الحرية تحديدا ربما أربكت بعض الجمهور الآتي من بيئات عربية ومسلمة. ففي أوساط يثقل فيها الحكم الجماعي وسؤال "ماذا سيقول الناس؟" على النساء، خاضت حفصية حرزي، وكتبت أيضا، مشاهد تتناول الرغبة والجنسانية والهشاشة والعنف، من دون أن تسعى إلى الامتثال لصورة "مقبولة".

وجاء فيلمها الروائي الثالث "الأخت الصغيرة"، الحائز جوائز عدة والمتوج في مهرجان "كان" السينمائي عام 2025 وفي جوائز "سيزار" في العام نفسه، دليلا آخر على هذه الجرأة الفنية. والفيلم مقتبس من الرواية ذات الطابع السيري لفاطمة دعاس، ويتتبع شابة من عائلة مسلمة تكتشف مغايرتها، وهي لا تزال شديدة التعلق بإيمانها وقيمها.

Julie SEBADELHA / AFP
حفصية حرزي ومونيكا بيلوتشي وعدد من صناع فيلم "حكايات الليل" خلال مؤتمر صحافي في مهرجان كان السينمائي، 2026

لم يكن هذا الخيار مدفوعا برغبة في الاستفزاز. بالنسبة إلى حرزي، ينبع الأمر من علاقة غريزية بالخلق الفني. وقد بدت دائما محكومة بمبدأ واحد: تصوير البشر قبل تحويلهم إلى رموز هوية. ولعل هذا الاستقلال يفسر اتساع صدى مسيرتها اليوم خارج فرنسا.

تقول: "لا أعرف إن كان ذلك قد نجح دائما، لكنني لم أرد يوما أن أخون نفسي. السينما هي شغفي الحقيقي، ومنذ البداية كنت أعرف أنني لا أفعل ذلك من أجل المال أو أي شيء آخر. أردت ببساطة أن أكتشف مهنة، مع البقاء وفية لقناعاتي والتزاماتي".

كل إنسان مختلف عن الآخر، لكنني أقول إن المهم هو أن تتبع قلبك وأن تثق بنفسك

بالنسبة إلى كثير من المشاهدين في العالم العربي، تمثل حفصية حرزي شخصية فريدة: امرأة من خلفية شمال أفريقية استطاعت أن تفرض صوتها داخل سينما أوروبية غالبا ما تهيمن عليها سرديات أخرى. فهي لا تسعى إلى تجسيد "تمثيل مثالي"، ولا تحمل باستمرار خطابا نضاليا مباشرا. ومع ذلك، فإن حضورها في هذا الفضاء يكتسب دلالة رمزية وازنة. وتقترح المخرجة قائلة: "كل إنسان مختلف عن الآخر، لكنني أقول إن المهم هو أن تتبع قلبك وأن تثق بنفسك".

 Valery HACHE / AFP
فريق عمل فيلم "حكايات الليل" خلال العرض في مهرجان كان السينمائي، 2026

أمام الكاميرا وخلفها: فنانة متعددة الأبعاد

على مر السنين، بنت حفصية حرزي سيرة سينمائية عميقة ومركبة، متنقلة بين سينما المؤلف وأعمال أقرب إلى الجمهور الواسع. غير أن الأهم أنها شقت طريقها تدريجيا إلى خلف الكاميرا. فمنذ أول أفلامها مخرجة، "أنت تستحق حبيبا"، كشفت عن حساسية شخصية عميقة: نظرة حميمة إلى العلاقات العاطفية والوحدة وتناقضات النساء. ثم جاء "الأم الصالحة"، وهو على الأرجح أكثر أعمالها التصاقا بسيرتها وعالمها، راسخا في مرسيليا وفي الوقائع الاجتماعية للعائلات المنتمية إلى الطبقات العاملة.

غيّر انتقالها إلى الإخراج طريقة النظر إليها. لم تعد حرزي الممثلة التي كشفها كشيش فحسب، بل صارت مخرجة ذات رؤية خاصة، تلتقط الأجساد والصمت والتوترات الاجتماعية الخفية. وغالبا ما تنشغل أفلامها بنساء يواصلن السير رغم الإنهاك، وبشخصيات تقاوم من دون بطولات صاخبة.

ولهذا يبدو حضورها اليوم في "كلمات حب" و"حفلة عيد الميلاد" منسجما إلى هذا الحد. ففي الفيلمين، تمنح الأمهات اللواتي تؤدي أدوارهن عمقا إنسانيا شديد الصفاء: صلابة تمتزج بالحنان، وقدرة على الحماية من دون تحويل هؤلاء النساء إلى صور مثالية.

تشرح المخرجة ليا ميسيوس لـ"المجلة": "حفصية مختلفة جدا عن الشخصية في رواية لوران موفينييه. فهي في الرواية شقراء، ترتدي سروال جينز ضيقا، تدخن باستمرار، وصريحة جدا. لكنني كنت دائما مفتونة بحفصية، لذلك عدلت الشخصية حولها. إنها غامضة في الحياة كما في موقع التصوير. لا تعرف تماما ما الذي تفكر فيه. بالنسبة إلي، كانت مناسبة تماما للدور". وأقرت ميسيوس كذلك بأن تصوير حرزي كان تجربة شديدة الإثارة للاهتمام.

تضحك حرزي وهي ترد: "كان أصدقائي يقولون لي ذلك دائما، وأمي أيضا. حين كان الناس يسألونها عن حالي، كانت تقول دائما إنها لا تعرف، لأنني لا أتكلم أبدا! أظن أن ذلك أفادني في النهاية. كثيرا ما قال الناس إنني غريبة لأنني هادئة، لكنني لا أرى في الهدوء أمرا غريبا على الإطلاق. لكل منا شخصية مختلفة، ولا أفهم لماذا يجب أن يدخل الجميع في القالب نفسه".

 Sameer AL-DOUMY / AFP
الممثلة الفرنسية ذات الأصول الجزائرية حفصية حرزي خلال جلسة تصوير لفيلم "حكايات الليل" في مهرجان كان السينمائي، 2026

في مهرجان "كان"، تتحرك حفصية حرزي اليوم بخفة لافتة. فالسجادة الحمراء في قصر المهرجانات، التي بدت ذات يوم رمزا بعيد المنال، صارت أرضا مألوفة لها. ومع ذلك، تحتفظ بشيء نادر في السينما الفرنسية المعاصرة: صورة فنانة لم تقطع صلتها تماما بجذورها الشعبية، ولا بمرسيليا، المدينة التي لا تزال تشكل مخيلتها.

لكل منا شخصية مختلفة، ولا أفهم لماذا يجب أن يدخل الجميع في القالب نفسه

تروي رحلتها وجها آخر للسينما الفرنسية: حكاية ممثلة من أصول شمال أفريقية رفضت أن يحدد الآخرون أدوارها نيابة عنها. اختارت حفصية حرزي، عوضا عن ذلك، أن تبني مسيرتها وهي تتبع حدسها.

ومع عودتها أخيرا إلى "كان" في فيلمين بارزين، تبدو تلك الحرية الخيط الأوضح في مسيرتها كلها. إنها حرية فنية انتزعتها بالتدرج، منذ بداياتها مع كشيش وصولا إلى مكانتها الراهنة في قلب سينما المؤلف الفرنسية. أما خلف الفساتين والسجاد الأحمر وومضات الكاميرات، فتظل حرزي مشدودة إلى ما قادها منذ البداية: الرغبة في سرد حكايات إنسانية عميقة.

وحين تسأل إن كانت تعد نفسها فنانة نسوية، تجيب على الفور: "نعم، أنا كذلك، وفخورة جدا بذلك".

font change