"ضجيج العصر" في السمفونية الخامسة لديمتري شوستاكوفيتش

لحظة انتصار الفن على الرعب

NBCU Photo Bank/NBCUniversal via Getty Images
NBCU Photo Bank/NBCUniversal via Getty Images
المؤلف الموسيقي السوفياتي دميتري شوستاكوفيتش في أربعينات القرن العشرين

"ضجيج العصر" في السمفونية الخامسة لديمتري شوستاكوفيتش

تعتبر السمفونية الخامسة للموسيقار الروسي ديمتري شوستاكوفيتش (1905-1975) من أكثر الأعمال الموسيقية إثارة للجدال والفضول في تاريخ الموسيقى. فهي لم تكن مجرد عمل موسيقي فني، بل كانت "رسالة نجاة" في زمن الرعب.

استلهم الروائي البريطاني جوليان بارنز هذه السمفونية وظروف تأليفها في روايته الشهيرة "ضجيج العصر" The Noise of Time الصادرة عام 2016، محولا الحقائق التاريخية في حياة الموسيقار الروسي إلى دراسة نفسية عميقة حول العلاقة بين الفن والسلطة ومديات التأثير المتبادل بينهما.

ومن قرأ الرواية سيتذكر رعب الأنتظار الذي كابده شوستاكوفيتش عام 1937، بعد الهجوم عليه بسبب أوبرا "الليدي ماكبث من منسك" التي عرضت قبل ذلك بسنة، فقد شنت صحيفة "البرافدا" الرسمية للاتحاد السوفياتي وبأمر من ستالين شخصيا، هجوما عنيفا على الموسيقار، ووصفت موسيقاه بأنها "فوضى لا تمت الى الموسيقى بصلة". كانت تلك الفترة هي ذروة التصفيات الجسدية في الاتحاد السوفياتي التي عرفت بـ"عصر التطهير"، فقد أختفى وأعدم الكثير من أصدقاء وأقارب شوستاكوفيتش، وكان هو نفسه ينام بملابسه وجهز حقيبة صغيرة وضعها بجانب الباب تحسبا للاعتقال في أي لحظة. في تلك اللحظة المفصلية في حياته كان عليه تقديم عمل يرضي ستالين والحزب الشيوعي ويظهره كـ"موسيقار سوفياتي مخلص"، وإلا واجه مصيرا مجهولا.

مختبر السمفونية

بدأ جوليان بارنز رواية "ضجيج العصر" بالمشهد الشهير حيث يقف الموسيقار ليلا بجانب المصعد في مبنى شقته، حاملا حقيبة صغيرة، في انتظار أن تأتي "الشرطة السرية" لاعتقاله، كي يجنب زوجته وابنته الصغيرة رؤيته وهو يعتقل داخل الشقة. هذا القلق الوجودي كان المختبر الذي ولدت فيه السمفونية الخامسة. يشعر القارئ أن الموسيقى لم تكن مجرد إبداع، بل كانت محاولة لاستعادة الحق في الحياة.

لذلك جاءت السمفونية محاولة حقيقية للبقاء على قيد الحياة. عزفت للمرة الأولى في لينينغراد في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1937. أطلق عليها أحد نقاد السلطة: "رد فنان سوفياتي على نقد عادل"، نالت السمفونية​ نجاحا منقطع النظير، وصفق الجمهور لمدة تزيد على 40 دقيقة، وبكى الكثيرون خلال الحركة الثالثة الحزينة. اعتبرها الحزب الشيوعي آنذاك انتصارا لتيار الواقعية الاشتراكية، لأنها تنتهي بنغمة انتصار كبرى وتعتمد بناء كلاسيكيا مفهوما، على عكس أعماله التجريبية السابقة.

تتكون السمفونية من أربع حركات، تأخذ المستمع في رحلة من المعاناة إلى "الانتصار": الحركة الأولى تراجيدية جدا وكأنها حوار ونشيج بين الآلات الوترية. ثم تأتي الحركة الثانية تصاعدية راقصة لكنها رقصة مشوهة أو غير منضبطة، وتعود الحركة الثالثة الى الأسى لكن بآلات النفخ وارتطام آلات النحاس، ثم الحركة الرابعة، عاصفة وهادرة تنتهي بإيقاع عسكري قوي وصاخب.

الحركة الأخيرة في السمفونية الخامسة ليست انتصارا حقيقيا... إنها كأن شخصا يضربك بهراوة ويقول لك: عليك أن تفرح

ولسنوات، اعتبرت الخاتمة (الحركة الرابعة) نشيدا للنصر السوفياتي. لكن شوستاكوفيش يذكر في مذكراته: "إن الحركة الأخيرة في السمفونية الخامسة ليست انتصارا حقيقيا... إنها كأن شخصا يضربك بهراوة ويقول لك: عليك أن تفرح، عليك أن تفرح".

ازدواجية القناع والوجه

في العودة الى الرواية، فإن بارنز يركز على فكرة "التقية الفنية"، أي كيف يمكن الفنان أن يقول شيئا للسلطة بينما يعطي معنى مغايرا تماما للجمهور الحقيقي. يصور بارنز شوستاكوفيتش كشخص "يستهزئ وهو يطيع". ويشرح كيف أن شوستاكوفيتش صمم خاتمة السمفونية الخامسة لتكون "صاخبة بشكل أجوف"، لكي يخدع الآذان البليدة للبيروقراطيين الذين يبحثون عن نصر عسكري، بينما يفهم المستمع الذكي أنها صرخة يأس. وفعلا، فالموسيقى في الحركة الأخيرة ليست مبهجة تماما، بل ميكانيكية، قسرية، وتكرر نغمة "لا" بقوة صاعقة، مما يوحي بأن هذا "الفرح" هو فرح زائف وسطحي فرض على صاحبه بالقوة.​ لذلك فإن هذه السمفونية هي موسيقى مواربة وبمثابة معجزة فنية لأنها نجحت في إرضاء الديكتاتور (ستالين) بينما همست للضحايا (الشعب) بمرارة الحقيقة. لقد أنقذت حياة شوستاكوفيتش المهنية والجسدية، وظلت واحدة من أعظم سمفونيات القرن العشرين.

 AFP
صورة غير مؤرخة لجوزيف ستالين

ويشير عنوان الرواية "ضجيج العصر" إلى الأيديولوجيات والهتافات السياسية والتهديدات التي تملأ العالم. وعلى لسان شوستاكوفيتش في الرواية، يرى بارنز أن الموسيقى هي ما يتبقى عندما يتحول الضجيج إلى صمت. استخدم بارنز السمفونية الخامسة كمثال على العمل الإبداعي الذي "نجا" من ضجيج (ستالين/ الأنظمة الديكتاتورية) وتجاوز عصره ليصبح ملكا للإنسانية، وليس مجرد وثيقة سياسية.

 PIERRE VERDY / AFP
الكاتب البريطاني جوليان بارنز قبيل مشاركته في برنامج أدبي لقناة TF1 الفرنسية في باريس، 2004

واستلهم بارنز أسلوب شوستاكوفيتش في "السخرية السوداء". يظهر ذلك حينما يشعر شوستاكوفيتش بالاحتقار الذاتي أحيانا بسبب التنازلات التي قدمها مثل كتابة مقالات تمجد نظام ستالين، لكنه كان يرى في موسيقاه وخاصة في الحركة الثانية من السمفونية (السكيرتزو/ وتعني الدعابة وهي هنا دعابة قاتمة) النبع الفني الوحيد الذي لا يمكن السلطة أن تلوثه تماما.

لم تكن الرواية في مجملها مجرد سرد متواصل، بل هي بنية بهيكلية هندسية دقيقة جدا تعتمد على الرقم 3، وهنا تتجلى براعة جوليان بارنز، وهو تقسيم جوهري يعكس محطات الاستسلام في حياة شوستاكوفيتش. يفصل بين الأجزاء الثلاثة فاصل زمني مدته 12 عاما وهي على التوالي:

الجزء الأول: "على عتبة المصعد" أي عام 1936، بعد نشر مقال "فوضى بدلا من الموسيقى" في صحيفة "برافدا". ثم تأليف السمفونية الخامسة.

الجزء الثاني: "على متن الطائرة" عام 1948 في فترة الحرب الباردة، في رحلة عودته من الولايات المتحدة الأميركية، بعد مشاركته في مؤتمر السلام الثقافي والعلمي بين أميركا والاتحاد السوفياتي في نيويورك. يشعر شوستاكوفيتش بالمهانة لأنه اضطر لقراءة خطاب أعدته له السلطة، يهاجم فيه مؤلفه المفضل سترافينسكي. لم يعد الخوف من الموت هو المحرك، بل الخوف من فقدان النزاهة الفنية. لقد تحول من "عدو للشعب" إلى "دمية في يد النظام".

استخدم بارنز السمفونية الخامسة كمثال على العمل الإبداعي الذي "نجا" من ضجيج الديكتاتورية وتجاوز عصره ليصبح ملكا للإنسانية

الجزء الثالث: "في السيارة" عام 1960، عام انضمامه الرسمي الى الحزب الشيوعي. شوستاكوفيتش يجلس في المقعد الخلفي لسيارة حكومية فارهة مع سائق، وقد أصبح "مواطنا مكرما" وعضوا في الحزب. لكنه يعاني من الرعب الروحي والخيانة الذاتية وهذا أقصى أنواع العذاب بالنسبة لموسيقار، أن تضمه السلطة التي قتلته معنويا وتجعله واحدا منها. الانضمام الى الحزب كان بالنسبة اليه "انتحارا" لم يملك الشجاعة لتنفيذه جسديا.

 AFP
دميتري شوستاكوفيتش يعمل على سمفونيته السابعة "لينينغراد" خلال حصار المدينة عام 1941

هذا التقسيم الثلاثي يجعل الرواية تشبه السونيتة الموسيقية، حيث تتكرر الثيمات وتتطور، لكنها تنتهي بنغمة من الحزن العميق على الروح التي تحطمت من الداخل. وفي كل جزء، يعود بارنز بذاكرة البطل إلى السمفونية الخامسة كنقطة تحول، ويسأل السؤال الأخلاقي الصعب: هل يمكن الفن أن يظل نقيا إذا كان الفنان نفسه قد تلوث بالتنازلات؟

لم يكتب جوليان بارنز سيرة روائية جافة، بل استلهم السمفونية الخامسة كرمز للمأساة الإنسانية، حيث يضطر العبقري لتمثيل دور "الأحمق" أو "المطيع" لكي يحافظ على صوته الحقيقي داخل نوتاته الموسيقية.

 Isabel Infantes / POOL / AFP
قائد الأوركسترا الإيطالي أنطونيو بابانو خلال حفل خاص احتفاء بمرور 22 عاما على توليه الإدارة الموسيقية لدار الأوبرا الملكية في لندن، 2024

عن الأداء الاستثنائي للمايسترو انطونيو بابانو

اتيحت لي اخيرا فرصة ثانية (الأولى كانت في قاعة ألبرت هول قبل سنوات) لحضور عرض لهذه السمفونية بقيادة بقيادة المايسترو السير أنطونيو بابانو، وعزف أوركسترا لندن السمفونية (LSO) ، في مركز الباربيكان الثقافي في لندن. وتعد تجربة سماع شوستاكوفيتش تحت قيادة بابانو تجربة استثنائية، خاصة لشخص قرأ رواية جوليان بارنز "ضجيج العصر" التي تناولت تلك المرحلة الصعبة والمعقدة في حياة شوستاكفتيش. بابانو ليس مجرد قائد سمفوني، بل هو أحد أعظم قادة الأوبرا في العالم (بقيادة دامت عقودا في كوفنت غاردن). وهذا انعكس على قراءته لشوستاكوفيتش، فقد تعامل مع السمفونية الخامسة كأنها مسرحية من غير كلمات. ركز مثلا على "الشخصيات" داخل الموسيقى، فنجد آلات النفخ الخشبية (مثل الفلوت والأوبوا) تتحدث كأنها أصوات بشرية وحيدة ومذعورة وسط صخب الأوركسترا. نجح المايسترو بابانو في إبراز المعاناة الإنسانية، وبرع في جعل الصمت يبدو ثقيلا في الحركة الثالثة تماما مثلما وصف جوليان بارنز لحظات انتظار شوستاكوفيتش أمام المصعد. قاد بابانو الأوركسترا بقوة جعلت الضجيج في الحركة الرابعة يبدو مؤلما وليس احتفاليا، وهو ما يتماشى بدقة مع رواية "ضجيج العصر".

انتصر الفنان الذي كان يختبئ خلف المصعد، ليس بالسلاح، بل بالجمال الذي استطاع تهريبه وسط الزحام

يشبه الانتقال من قراءة الرواية إلى مقاعد مركز الباربيكان لحضور عرض حي للسمفونية الخامسة، العثور على مفتاح فك شفرة لعمل فني معقد. في الرواية، رسم بارنز لنا شوستاكوفيتش الإنسان، المحطم، المذعور، والساخر الذي يحارب الضجيج السياسي بالصمت أو بالموسيقى المبطنة. لكن في قاعة العرض، ومع ضربات عصا أنطونيو بابانو، يتحول هذا الإنسان إلى صوت كوني يتجاوز محنته الشخصية. الرواية والعرض يثبتان حقيقة واحدة: السلطة التي طاردت شوستاكوفيتش تلاشت وأصبحت مجرد "ضجيج" في سجلات التاريخ، بينما بقيت السمفونية الخامسة نقية تتجدد في كل مرة تعزف فيها. لقد انتصر الفنان الذي كان يختبئ خلف المصعد، ليس بالسلاح، بل بالجمال الذي استطاع تهريبه وسط الزحام.

font change

مقالات ذات صلة