سلوى بكر لـ"المجلة": الأدب يولد من الأسئلةhttps://www.majalla.com/node/329210/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D8%B3%D9%84%D9%88%D9%89-%D8%A8%D9%83%D8%B1-%D9%84%D9%80%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D9%8A%D9%88%D9%84%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A6%D9%84%D8%A9
جاء فوز الروائية والكاتبة المصرية سلوى بكر بجائزة "البريكس" الأدبية في دورتها الأولى ليتوج مسارها الأدبي وإسهاماتها الثرية في عالم الرواية. ولدت بكر في حي المطرية بالقاهرة عام 1949، ونالت بكالوريوس إدارة الأعمال من كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1972، ثم حصلت على الليسانس في النقد المسرحي عام 1976. بدأت رحلتها الصحافية بالكتابة النقدية، حيث عملت لسنوات عدة ناقدة سينمائية ومسرحية في مجلات عربية مختلفة، قبل أن تتفرغ للإبداع الأدبي.
أصدرت مجموعتها القصصية الأولى عام 1985 بعنوان "زينات في جنازة الرئيس"، وأتبعتها بمجموعات قصصية قصيرة متنوعة، إلى أن أصدرت روايتها الأولى، "العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء" عام 1991، التي تمحورت حول عوالم المحرومين والمهمشين. هنا حوار "المجلة" معها.
هل دخولك إلى عالم الأدب اختيار أولي، أم طريق انفتح لك شيئا فشيئا مع التجربة؟
لم يكن الأدب خيارا مخططا له منذ البداية، بل شغف رافقني منذ الطفولة حين ارتبطت روحي بقراءة الأدب والتاريخ، بينما ظلت الكتابة أمرا أهابه لسنوات. فقد نشأت في زمن تزدهر فيه الترجمات الرفيعة وأعمال كبار الكتاب، مما جعل سقف التذوق عاليا والخطوة الأولى أصعب. وكان كتاب "كليلة ودمنة" أول ما أسرني وجذبني إلى عالم السرد.
الإسلام السياسي لم يأت ليعيدنا إلى جوهر الدين، بل ليخدم مشروعا سياسيا كبيرا
بعد تخرجي وعملـي لست سنوات كمفتشة تموين، بدأت أكتب دون أن أجرؤ على النشر خوفا من ألا تكون نصوصي جديرة بالخروج الى العلن. حتى سألني الصديق شعبان يوسف يوما إن كنت أعرف من يكتب القصص، فأخبرته بأنني أكتب. قرأ نصوصي وقدمها الى الراحل يحيى الطاهر عبد الله الذي كان يعرفني كقارئة لا ككاتبة، ومن هنا بدأت رحلتي الحقيقية مع الكتابة.
أعلن فوزك بجائزة بجائزة "البريكس" الأدبية في دورتها الأولى، هل ترين هذا الفوز شهادة اعتراف بإبداعك؟
في الحقيقة، لا تعنيني هذه التعبيرات، اعتراف أو غير اعتراف، فأنا منذ أن بدأت بالنشر، كتب عني معظم النقاد المرموقين في ذاك الوقت، ومنهم علي الراعي وحمدي النساج وإبراهيم فتحي وفريال غزول وغيرهم. ثم عندما أصدرت رواية "العربة الذهبية" في العام 1991، قوبلت باحتفاء هائل، وهذه الرواية ترجمت إلى لغات عدة.
كل هذه الأمور تجعلني أقول إن كان هناك ثمة اعتراف بما أقدمه، ناهيك طبعا عن القراء وأنا أعتبر القراء هم الأهم، فهذا ينبع من أن لدي رصيدا من الاعتراف الأدبي إن جاز التعبير. ولكن بلا شك أن هذه الجائزة تؤكد هذا الاعتراف الذي تحقق أيضا بمجموعة من الجوائز التي نلتها قبل ذلك. وكل هذا يشكل اعترافا، ولكن هذه الجائزة ربما تنقل الاعتراف الأدبي إلى مستوى أرحب وأكبر وخصوصا ضمن بلدان ربما لا تعرف الأدب المصري والعربي.
الإسلام السياسي
في روايتك الأخيرة، "فيلة سوداء بأحذية بيضاء"، ترصدين تحولات المجتمع المصري وبزوغ الجماعات المتطرفة، وتأثيرها العميق على حياة الناس وأفكارهم حتى يومنا هذا. لماذا اخترت هذه المرحلة بالذات، وما الرسالة التي حملتها الرواية إلى القارئ؟
اخترت هذه المرحلة لأنها لحظة فاصلة، لحظة تحولات جذرية في وعي المجتمع المصري وقيمه، حيث ظهر الإسلام السياسي كقوة تفرض شعارات ضخمة مثل "الإسلام الصحيح"، لكنه في الحقيقة لم يأت ليعيدنا إلى جوهر الدين، بل ليخدم مشروعا سياسيا كبيرا. هذا المشروع يبدأ من الاستعمار الحديث ممثلا في الولايات المتحدة، ويمتد ليكون أداة في صراع الإقليم بين القوى الكبرى، وصولا إلى محاولات الهيمنة التركية عبر مشروع الخلافة الإسلامية.
غلاف رواية "فِيَلة سوداء بأحذية بيضاء"
لكن الإسلام الذي نعرفه نحن، مختلف تماما، إنه دين المعاملة الطيبة، وحب الخير للآخرين كما نحب لأنفسنا، دين ينهى عن الغش والخداع، كما جاء في الحديث الشريف: "من غشنا فليس منا". دين يستند إلى القرآن الكريم والهداية القيمية، لا إلى شعارات سياسية تغطي مصالح القوى الكبرى.
هذه التحولات لم تقتصر على الفكر والقيم، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية. فقد بدأ نمط الحياة في المجتمع المصري يتغير، فمعظم البيوت صارت تعتمد على عاملات منزليات مستوردات من دول بعيدة، بينما المرأة المصرية العاملة تضطلع بكل واجبات الأسرة، وتعمل في الحقول والمصانع والمهن المختلفة. هذا التباين يكشف بوضوح الصراع بين التقدم والرجعية، بين من يريد أن يواكب الإنسانية وما أنجزته التكنولوجيا، وبين من يحاول أن يعيد المجتمع إلى مواضعه الأكثر تخلفا.
روايتي، إذن، ليست مجرد سرد لتاريخ أو لحظة، بل هي محاولة لفهم انعكاسات هذه التغيرات على حياة الناس اليومية، وعلى وعيهم وقيمهم، ورسالة إلى القارئ تدعو الى التأمل والوعي، لتأكيد أن جوهر الدين والمجتمع لا يستعاد إلا بالمعرفة والفهم والتمسك بالقيم الإنسانية الأصيلة.
نساء مصريات يخبزن في فرن طيني تقليدي داخل مطبخ "النوايا" المجتمعي في قرية أبو صير بمحافظة الجيزة
لعلك سعيت بصورة أخرى إلى معالجة الأمر نفسه في روايتك، "البشموري"، التي أثارت ضجة لدى صدورها؟
كل ما يقدمه الإسلام السياسي بدءا من إرضاع الكبير، وصوت المرأة عورة، وافعلوا هذا ولا تفعلوا هذا، ارتدوا النقاب وأطلقوا اللحى...، هذا الأمر لم نعرفه في إسلامنا الإنساني ولا أقول الوسطي، بل الإنساني الذي يجعل الإنسان المصري بما لديه من جينات حضارية ممتدة يسلك دائما مسلكا إنسانيا باسم الإسلام والمسيحية.
المسألة الأخطر هي محاولة تزييف التاريخ، وهذا يحدث بقوة، سواء في الرواية العربية أو الأجنبية
عندما جاء هذا الإسلام السياسي أصيبت النساء بسهمه الأكبر من الأضرار والخسائر. المرأة المصرية التي كانت أنجزت منجزا هائلا منذ نهايات القرن الـ 19 ومنذ قاسم أمين ودعوته إلى تحرير المرأة وإلى عمل المرأة وإلى تعليم المرأة وما تلا ذلك، والذي جعل المرأة المصرية تخرج في تظاهرات إلى جانب الرجال خلال ثورة 1919، كل هذا الأمر أراد هذا التيار السياسي المرتبط بالاستعمار الجديد، أن يعود بمصر إلى الوراء وإلى دولة الخلافة وإلى عودة النساء إلى البيوت وإلى التعامل مع النساء كموضوع للجنس وخدمات ضيقة جدا تحت مسمى خدمات الأسرة، الطبيخ والخبز وإنجاب الأطفال.
غلاف رواية "البشموري"
الرواية والتاريخ
كيف تنظرين الى العلاقة الجدلية بين الرواية والتاريخ، هل هناك تقاطع أم علاقة بنيوية؟ أم بمعنى أن الرواية هي التاريخ في حد ذاته؟
المسألة الأخطر هي محاولة تزييف التاريخ، وهذا يحدث بقوة، سواء في الرواية العربية أو الأجنبية، هناك تزييف للتاريخ، مثلا هناك من يرغب في تزييف التاريخ المصري القديم الواردة فيه الثبوت الآثارية، يرغب في تزييف هذا التاريخ استنادا إلى الميثولوجيا الدينية، وهذا أخطر أنواع التزييف، لأنه يعني سرقة التاريخ وحقائقه المثبتة.
هل أنت مع التسميات الكثيرة الرائجة إلى رواية تاريخية وأخرى سياسية وثالثة اجتماعية إلخ؟
طبعا هي تسميات تمييزية، بمعنى محاولة لفهم الإطار العام الذي يدور فيه العمل الأدبي. أنا لست ضد هذه التقسيمات، ولكن التعريف بهذه التقسيمات هو المشكلة. بمعنى أن تكتب رواية وتكون مثلا الخلفية فيها حرب أكتوبر، هل هذه رواية حرب؟ هذه ليست رواية حرب. إنما عندما تكتب رواية عن تفاصيل إنسانية في المقام الأول، عاشها من شاركوا في حرب أكتوبر من الجنود والضباط، فهذه رواية. مثلا عندما كتب الشاعر عبد العزيز موافي "معركة رأس العش"، لفت النظر إلى ما دار إنسانيا في معركة رأس العش. لأن الجندي هو في المقام الأول إنسان لديه مشاعر وآمال وأحلام وأسرة ورغبة في الحياة. مثلا عندما كتب همنغواي عن الحرب الإسبانية، رأينا التفاصيل الإنسانية قبل المعارك وخلالها وبعدها.
هل تعتقدين أن الرواية التاريخية يجب أن تظل وفية للوقائع أم أن الخيال هو الأداة الأهم في رسم الأحداث؟
أرسطو يقول عبارة جميلة جدا في معرض التمييز بين التاريخ والشعر، وهو يقصد بالشعر الدراما، وهي أن التاريخ يروي ما قد حدث، أما الشعر أو الأدب أو الدراما فهي تتناول ما يمكن أن يكون، ما يمكن أن يحدث، وهذا هو الأدب، وهو لا يتأتى إلا من خلال طرح الأسئلة.
النجّارة المصرية أسماء مجاهد، البالغة من العمر 31 عاما، تعمل في مشغلها بحي عابدين في وسط القاهرة، 26 فبراير 2018
العشوائيون
هل يسعدك القول إنك تكتبين عن المهمشين والمستضعفين؟
أنا أكتب عن العشوائيين. وهؤلاء مهمشون بالطبع، لأن ليس لديهم خبرات ومعارف وتعليم تؤهلهم لمواجهة الحياة. فمثلا المرأة التي تزوجت بعد أنا غاب عنها زوجها سبع سنوات، وهو الذي خرج ولم يعد، تتم محاكمتها بتهمة الجمع بين زوجين، هذه امرأة مسكينة، لا تعرف القانون ولا تعرف شيئا، ولا هي امرأة منحرفة، بل مجرد امرأة لديها أطفال تريد إطعامهم.
ترين ما يكتب اليوم من نقد، وهل لدينا حركة نقدية جادة؟
هذا سؤال معقد للغاية، ولا أجد نفسي قادرة على تقديم إجابة نهائية عنه. ومع ذلك، أرحب بكل اجتهاد يبذل في هذا المجال، فالناس يسعون باستمرار لإبداء آرائهم، كل من منظوره، وأنا منهم في المناسبة.
لا انفصال بين الثقافة والسياسة والاقتصاد والاجتماع، فهذه المجالات تتشابك كما تتشابك خيوط النسيج الواحد
لست ناقدة، ولا أكاديمية، ولا أتبنى موقف الحكم المطلق. كل شخص يدلي بدلوه، وتبقى صدقية ما يكتب عن هذا العمل أو ذاك، شأن القارئ وحده، شأن الذائقة الخاصة لكل فرد. فالنقد ليس قوانين صارمة، بل هو ذائقة شخصية. فقد تسحر رواية قلبك وتأسرك، بينما يمر بها آخر بلا أي أثر. كل شيء مرهون بمرجعياتك، بتجربتك، بتعليمك، وبطريقتك في رؤية العالم.
الأدب والسياسة
هل ترين أن الأدب قادر على أن ينفصل عن السياسة، أم أن الواقع يفرض حضوره بقوة؟
لا انفصال بين الثقافة والسياسة و الاقتصاد والاجتماع، فهذه المجالات تتشابك كما تتشابك خيوط النسيج الواحد، ولكن السؤال الأهم، هل يقود الثقافي السياسي أم يقود السياسي الثقافي؟ أيهما يمسك بزمام الآخر؟ أهي الثقافة التي تقود السياسة، أم السياسة التي توجه الثقافة؟ ذلك هو جوهر المسألة في هذا السياق.
ما المشاعر التي تسيطر عليك بعد الانتهاء من كتابة رواية أو عمل أدبي؟
لا أخفيك سرا ليس لديّ أي مشاعر، ولا أشعر بأي شيء يسيطر عليّ، هذا عمل كتبته وليس لي علاقة به بعد ذلك. فعند الانتهاء منه أتركه للقارئ لأني بمجرد الانتهاء منه انتهت مهمتي تماما ولا أحب الرجوع إليه مرة ثانية بعد أن يصدر.
هل تؤمنين بوجود اختلاف في الإبداع ما بين الرجل والمرأة؟
طبعا، لأن الرجل يكتب من منظوره والمرأة تكتب من منظورها. الرجل يرى المرأة موضوعا للجمال، وللجنس. فحين يريد أن يصفها يقول إن جسمها ملفوف، وصدرها مثل الرمان، وعينيها خضراوان إلخ. أما إذا قالت المرأة هذا الكلام، فستبدو غير طبيعية. المرأة بالنسبة إليّ نبيلة، وشهمة، وذكية. وقلما يصف الرجل المرأة بصفات وجدانية أو روحية، إنما يصفها دائما بصفات جسدية حسية.
كتبك تحمل عناوين جاذبة، فهل تشتغلين على اختيار العنوان قبل الكتابة؟
في الحقيقة لا اشتغل على أي عنوان، ولكن يأتي العنوان بإلهام رباني، لا أخطط ولا أسعى لجذب القارئ بالعنوان. هو عندما يقرأ العمل المكتوب يقيمه كيفما يشاء.