قد لا يكون ستيفن ميلر مسؤولا منتخبا، غير أن موقعه في الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، جعله في نظر كثيرين القوة الفكرية الدافعة خلف أجندة "أميركا أولا" ذات الطابع الاستقطابي الحاد.
ويتمتع ميلر، المعروف بولائه المطلق لترمب، بميزة نادرة تمثلت في خدمته في إدارتي ترمب معا. وغالبا ما يتصدر المشهد لتبرير القرارات الأكثر إثارة للجدل، متكفلا بصوغ الأسس النظرية والسياسية التي تقوم عليها خيارات الرئيس. ومنذ الأيام الأولى للعام، سارع ميلر، الذي يشغل رسميا منصب نائب كبير موظفي البيت الأبيض للسياسات، إلى الدفاع عن قرار ترمب استخدام القوة العسكرية لإطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما إلى مركز احتجاز في نيويورك لمحاكمتهما بتهم الإتجار بالمخدرات.
وقد قدّم التدخل العسكري الأميركي بوصفه السبيل الأنجع للتصدي لتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، ووسيلة للحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين. كما دافع بلا تحفظ عن إعلان ترمب أن واشنطن ستتولى إدارة فنزويلا مؤقتا إلى أن تستعيد البلاد استقرارها بعد عقود من سوء الحكم.
وكان أكثر مباشرة حين تولى الدفاع عن مطالبة ترمب، بأن تتولى الولايات المتحدة السيطرة على جزيرة غرينلاند في القطب الشمالي، وهو طرح أثار استياء عميقا لدى حلفاء واشنطن في "حلف شمال الأطلسي"، في أوروبا وكندا.
وبعيدا عن حضوره الإعلامي في الدفاع عن قرارات البيت الأبيض، يُنظر إلى ميلر، الذي يعمل عن كثب مع سوزي وايلز، كبيرة موظفي ترمب، بوصفه المحرك الأساسي لعدد كبير من سياسات الإدارة. وتوصف مواقفه بالتشدد، حتى بالقياس إلى مقاييس الرئيس نفسه.
ويُنسب إليه أنه مهندس الحملة الصارمة ضد الهجرة، إذ دفع نحو تضييق مسارات الهجرة القانونية، وقاد التوجه لنشر عناصر وكالة الهجرة والجمارك في مدن أميركية كبرى، لفرض تطبيق صارم لقوانين الهجرة.
ويمتد نفوذه داخل الإدارة ليشمل معظم الملفات الكبرى، من الهجرة والأمن الداخلي إلى إنفاذ القانون والسياسة الخارجية والتجارة والتعليم. ويذهب منتقدوه إلى أن كثيرا من السياسات المثيرة للجدل في الولاية الثانية لترمب تُصاغ في مكتب ميلر قبل أن تُعلن من المكتب البيضاوي.
بعيدا عن حضوره الإعلامي في الدفاع عن قرارات البيت الأبيض، يُنظر إلى ميلر، الذي يعمل عن كثب مع سوزي وايلز، كبيرة موظفي ترمب، بوصفه المحرك الأساسي لعدد كبير من سياسات الإدارة
وقد أقر ترمب مرارا بأهمية الدور الذي يؤديه مستشاره، مقدما إياه في التجمعات الانتخابية بعبارة "ستيفن ميلر العظيم". ويُعد ميلر من أكثر مستشاري ترمب قربا وثقة، ومن أطولهم بقاء في موقعه. فقد انضم إلى حملة ترمب الأولى في يناير/كانون الثاني 2016، وفي وقت غادر فيه كثير من المعينين مناصبهم خلال العام الأول من الولاية الأولى، حافظ ميلر على موقعه، ليكون من بين القلة الذين خدموا في الولايتين معا.
ويقال إن الرجلين نسجا علاقة عمل وثيقة، إذ يجتمعان يوميا برفقة كبيرة موظفي ترمب، سوزي وايلز، لمراجعة جدول الرئيس، والاطلاع على الأوامر التنفيذية المقرر توقيعها. ويعكس موقع ميلر في قلب آلية القرار ما قاله ترمب عنه، واصفا أكثر رجاله ولاء بأنه يقف "في الصدارة" بين أعضاء إدارته. وكشفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، مؤخرا أن عبارة تتردد باستمرار في المكتب البيضاوي: "أين ستيفن؟ قولوا له أن ينجز ذلك".
ترمب، إلى جانب (من اليسار إلى اليمين) نائب رئيس الموظفين ستيفن ميلر، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغست، يتحدث إلى الصحافة عقب العمليات العسكرية الأمريكية في فنزويلا
ومن بين مهامه الرئيسة أيضا أداء دور حلقة الوصل بين البيت الأبيض والكونغرس، حيث يطلع المشرعين على خطط الرئيس، ويشرح لهم مساراتها التنفيذية.
ويقول جمهوريون إن ميلر ظل على تواصل شبه يومي مع ترمب حتى خلال السنوات الأربع، التي كان فيها خارج الحكم. غير أن نفوذه لا يرتبط بقربه من الرئيس فحسب، بل يتصل أيضا باتساع صلاحياته وتدخله في ملفات قد لا يتوقعها كثيرون، من بينها المواجهة التي تخوضها إدارة ترمب، مع قطاع التعليم العالي وجامعة "هارفارد".
وبرز ميلر بصورة خاصة في الدفاع عن طرح الإدارة بأن الاستحواذ على غرينلاند يمثل "ضرورة" للأمن القومي الأميركي. وقال في مقابلة مع شون هانيتي على "فوكس نيوز"، مبررا مقترح ترمب للسيطرة على الجزيرة القطبية: "المجال الجديد للمنافسة الدولية سيكون المنافسة القطبية. هناك تُنفق موارد متزايدة من قبل خصومنا ومنافسينا سعيا للسيطرة على الحركة والملاحة ومسارات العبور في المنطقة القطبية".
وأضاف أن الدنمارك "لا تستطيع الدفاع" عن غرينلاند، مشيرا إلى ضعف قدراتها العسكرية والاقتصادية، وبالتالي لا يحق لها المطالبة بالأرض. وقال: "لكي تسيطر على إقليم، عليك أن تكون قادرا على الدفاع عنه وتطويره وإعماره. وقد فشلت الدنمارك في كل هذه الاختبارات".
"السلاح والجريمة والحرية"
نشأ ميلر في عائلة يهودية ليبرالية سياسيا في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا. ويُروى أنه اتجه إلى الفكر المحافظ بعد قراءته كتاب "السلاح والجريمة والحرية" الصادر عام 1994 لواين لابيار، أحد أبرز وجوه جماعة الضغط القوية "الرابطة الوطنية للأسلحة".
وفي المرحلة الثانوية، كان من أشد المنتقدين لما اعتبره نزعة ليبرالية في مدرسته، وبدأ يظهر في برامج إذاعية محافظة. ثم التحق بجامعة "ديوك"، حيث درس العلوم السياسية، وكتب عمودا بعنوان "ميلر تايم" في صحيفة الجامعة "ذا كرونيكل". وبحسب عدد من زملائه السابقين، فقد تبنى دور المستفز، وكانت مقالاته تثير انقساما حادا.
وبعد تخرجه عام 2007، اتجه إلى العمل السياسي الجمهوري، فعمل مساعدا في الكونغرس. وفي عام 2009 بدأ العمل مع السيناتور جيف سيشنز من آلاباما، المعروف بمواقفه المناهضة للهجرة. ومع الوقت أصبح رئيسا للاتصالات، ويقال إنه شجع سيشنز على تبني خطاب أكثر صداما، وكان يزوده باستمرار بنقاط الحديث.
وكانت مواقف ميلر من ملف الهجرة، تجد صدى لدى ستيف بانون، أحد أبرز وجوه موقع "برايتبارت" المحافظ، وكثيرا ما عمل الثلاثة في تنسيق وثيق لدفع رؤيتهم السياسية إلى الواجهة. ويُنسب إليهم أنهم مهدوا الأرضية الفكرية والسياسية، التي أسهمت في إيصال ترمب إلى البيت الأبيض عام 2016.
وخلال السباق الرئاسي في ذلك العام، انضم ميلر إلى حملة ترمب مستشارا للسياسات. وكان بانون ضمن فريق الحملة، فيما كان جيف سيشنز أول سيناتور يعلن تأييده لترمب. ثم تولى ميلر كتابة الخطابات، واعتلى المنصة أحيانا لتمهيد الطريق قبل ظهور ترمب في التجمعات الانتخابية. وبعد الفوز، عُيّن مستشارا أول للسياسات في الإدارة، وتصدرت صياغة سياسة الهجرة جدول أعماله. وكان من أبرز المدافعين عن سياسة فصل الأطفال عن ذويهم، ممن عبروا الحدود الأميركية المكسيكية بصورة غير قانونية، كما دعم ما عُرف بـ"حظر السفر" الذي قيّد دخول مواطني عدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة إلى الولايات المتحدة.
وفي عام 2020 تزوج ميلر من كايتي وولدمن، مسؤولة الاتصالات في واشنطن التي عملت ناطقة باسم مايك بنس، نائب ترمب في ولايته الأولى. وأقيم حفل الزفاف في "فندق ترمب الدولي" في واشنطن، وحضر ترمب شخصيا ليرفع نخب العروسين. وقال في كلمته، وفق ما أوردته "فانيتي فير" من أنه "الوحيد الذي يمكنه إقامة حفل زفاف في عطلة يوم الرؤساء".
دأب حاكم كاليفورنيا الديمقراطي غافين نيوسوم، الذي يُنظر إليه على أنه مرشح محتمل لانتخابات 2028، على وصف ميلر بـ"فولدمورت" الشخصية التي تجسد الشر في روايات "هاري بوتر"
وفي العام نفسه خسر ترمب سعيه لولاية ثانية، وغادر ميلر البيت الأبيض في العام التالي. ثم أسس عام 2021 مؤسسة "أميركا أولا القانونية" وقال في بيان الإعلان عنها: "من يؤمنون بأميركا أولا يجب أن لا يترددوا في استخدام نظامنا القانوني للدفاع عن مجتمعنا وعائلاتنا من أي ممارسات غير قانونية من قبل اليسار". ولاحقا اضطلع بدور محوري في حملة ترمب الرئاسية لعام 2024. ومن بين إطلالاته الداعمة مشاركته في تجمع بنيويورك خلال أكتوبر/تشرين الأول، حيث قال: "أميركا للأميركيين، وللأميركيين وحدهم".
وواصل إسهامه في بلورة سياسة الهجرة، وكان من أبرز وعود ترمب الانتخابية تنفيذ عمليات ترحيل جماعية للعمال غير الموثقين. وبعد الفوز، أعلن ترمب تعيين ميلر نائبا لكبير موظفي البيت الأبيض للسياسات، إلى جانب تكليفه بمهام مستشار الأمن الداخلي، وهما منصبان لا يتطلبان موافقة مجلس الشيوخ. وتسلّم مهامه في 20 يناير/ كانون الثاني 2025.
ويعي ترمب أن بروز عائلة ميلر في الفضاء العام قد يحمل وجها مزدوجا لإدارته. فبينما يحظى خطابهم بقبول لدى الجناح اليميني المتشدد في "الحزب الجمهوري"، تتصاعد انتقادات خصوم ترمب لما يرونه تشددا مفرطا في مواقفهما.
وقد دأب حاكم كاليفورنيا الديمقراطي غافين نيوسوم، الذي يُنظر إليه على أنه مرشح محتمل لانتخابات 2028، على وصف ميلر بـ"فولدمورت" الشخصية التي تجسد الشر في روايات "هاري بوتر".
ومع ذلك، ما دام ميلر يتمتع بثقة ترمب ودعمه الصريح، فسيظل أحد أكثر رجالات الإدارة حضورا ونفوذا وتأثيرا في مسارها السياسي.