تداعيات تغيير النظام الإيراني على المصالح الروسية

لطالما سارت ديناميكيات التعاون العسكري–التقني السري والتفاعل الاستخباراتي بين موسكو وطهران في مسار منفصل عن العلاقات الرسمية

رويترز
رويترز
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في حفل توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، في الكرملين، روسيا، 17 يناير 2025

تداعيات تغيير النظام الإيراني على المصالح الروسية

تواصل القوات المسلحة الأميركية نشر وحدات عملياتية ذات قدرات قتالية وأعداد تُمكّنها من تنفيذ ضربات فعالة ضد إيران، تستهدف على وجه الخصوص القيادة العليا وإضعاف استقرار القوات والهيكل الحكومي. ويواكب ذلك تعزيز مكثف لمختلف أنواع الاستخبارات، وتسريع نشر الغواصات وسفن السطح الحربية، بالإضافة إلى إعادة تمركز الوحدات الجوية الضرورية في قواعد عملياتية مختارة بعناية.

ومع ذلك، تظل المرحلة الأهم هي وضع خطة عملية محتملة، تشمل تحديد الأهداف وتقدير حجم القوات والوسائل المطلوبة وتوزيعها على مختلف المحاور، ودراسة آليات التنسيق والتفاعل، ليس بين تشكيلات القوات المختلفة فحسب، بل أيضا مع إسرائيل.

وفي حال نفذت طهران ضربات انتقامية، فمن المتوقع أن تشمل إطلاق صواريخ باليستية متوسطة المدى على منشآت داخل إسرائيل، وربما على قواعد أميركية في المنطقة. ونظرا للاستهلاك الكبير للذخائر المضادة للصواريخ في عمليات الاعتراض السابقة، تبرز حاجة ماسة إلى تجديد الاحتياطيات وتعزيزها. غير أن الفترة التي انقضت منذ حرب الأيام الاثني عشر لا تُرجّح أن تكون شركات الصناعات الدفاعية قد تمكّنت من زيادة إنتاج هذه الذخائر بالوتيرة اللازمة لدعم عمليات قتالية أكثر فاعلية.

ومن المرجح أن تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل ممارسة الضغط على إيران من خلال التلويح الدائم بخيار الضربة العسكرية، بهدف إبقائها في حالة استنفار دائم، وهو الأمر الذي يُنهك قواتها ويُثقل كاهل اقتصادها. وفي المقابل، فإن الحفاظ على مستوى عالٍ من الجاهزية القتالية وإبقاء قوة عسكرية معزّزة في المنطقة لفترة طويلة يمثّل عبئا على الموارد الأميركية. ومع ذلك، يظلّ الطرف المهاجم- وحتى دون الأخذ في الاعتبار الحالة الاقتصادية لإيران- هو الأكثر تمتعا بالمبادرة والمزايا الاستراتيجية في مثل هذه السيناريوهات.

لا تتردد طهران في التلويح باستهداف القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، والبنية التحتية النفطية الحيوية، إضافة إلى إسرائيل نفسها

من منظور عسكري، لا تزال فعالية الرد الإيراني المحتمل على أي عملية عسكرية أميركية–إسرائيلية موضع تساؤل. ففي أعقاب الاشتباك الذي وقع العام الماضي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، برزت إيران في صورة أضعف نسبيا، إذ لم تحقق مئات الصواريخ الباليستية التي أطلقتها آنذاك أثرا استراتيجيا ملموسا. كما أن سلوك طهران خلال الصراع الأخير (حرب الأيام الاثني عشر) أظهر رغبة واضحة في تجنب التصعيد الممتد، إذ امتنعت عن استخدام بعض أدوات الضغط الأكثر فعالية في مثل تلك الظروف، وعلى رأسها استهداف ناقلات النفط. وقد أتاح هذا الحذر، في المقام الأول، لإسرائيل تنفيذ غارات جوية مكثفة ومتواصلة دون ردع كافٍ.

هذه المرة، ومن الناحية النظرية، قد تضطر إيران إلى إعادة تقييم استراتيجيتها. ففي حال اندلاع أعمال عدائية، من المتوقع أن تسعى الولايات المتحدة إلى نشر قواتها الرئيسة خارج نطاق الصواريخ الإيرانية الباليستية وصواريخ كروز المضادة للسفن، بهدف حماية وحداتها البحرية على وجه الخصوص. في الوقت نفسه، ستُحصَّن القواعد العسكرية الأميركية في المناطق القريبة من إيران بأقصى درجات الحماية، عبر نشر طبقات متعددة ومكثفة من منظومات الدفاع الجوي والصاروخي.

أ.ف.ب
سفن تشارك في مناورات عسكرية بين إيران وروسيا والصين في خليج عُمان، في 12 مارس 2025

وفي هذا السياق، لا تتردد طهران في التلويح باستهداف القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، والبنية التحتية النفطية الحيوية، إضافة إلى إسرائيل نفسها. كما تبدي الفصائل العراقية الموالية لها، وعلى رأسها "حركة النجباء" و"كتائب حزب الله" و"منظمة بدر"، عزما أكثر وضوحا هذه المرة على تقديم الدعم العسكري. وقد أعلنت "سرايا أولياء الدم"، إحدى الجماعات المسلحة الموالية لإيران في العراق، استعدادها للعمل من قاعدة تحت أرضية مجهزة بمنصات لإطلاق صواريخ تكتيكية، بينها الصواريخ الإيرانية الموجهة من نوع "أبابيل/أرمان" التي يصل مداها إلى نحو 86 كيلومترا. ومن شأن أي تصعيد من هذا القبيل أن يجعل إشراك أكبر عدد ممكن من الحلفاء الإقليميين المحتملين أمرا بالغ الأهمية لإيران، إذ يمكّنها ذلك من تشتيت جهود الخصم واستهداف مواقع أميركية متعددة من مسافات أقرب وبأقل تكلفة استراتيجية.

تشير القرائن إلى أن موسكو، مقارنة بفترة الصراع السابق (حرب الأيام الاثني عشر)، تُظهر انخراطا أعلى ودعما أوضح للنظام الإيراني

غير أن الميزان العسكري والاقتصادي المائل على نحو ساحق لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل مجتمعتين يجعل حسم أي صراع مسلح ممتد لصالح طهران ضربا من المستحيل. وفي جميع السيناريوهات المتوقعة، ستكون التكلفة الاستراتيجية والاقتصادية للحرب باهظة على إيران، فيما النتائج النهائية لن تصبّ في مصلحتها بأي حال.

لنفترض أن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا تهديداتهما ونجحتا في إسقاط القيادة العسكرية والسياسية الإيرانية الحالية، ويظل هذا مجرد افتراض، فاحتمال تحققه غامض، وإن كان لا يمكن استبعاده تماما. لكن الواضح أن مثل هذا السيناريو لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير سريع في بنية النظام الإيراني. فبسبب خصوصية التركيبة الداخلية وضعف المعارضة المنظمة، من المرجح أن تكون عملية الصراع على السلطة طويلة ومعقدة. في مثل هذه الظروف الطارئة، قد يسعى "الحرس الثوري" الإيراني إلى تفادي ما يُعرف بـ"السيناريو الفنزويلي"– أي انتقالا سلميا للسلطة نحو قوى معتدلة– عبر تهميش أو حتى تصفية جميع التيارات الإصلاحية داخل البلاد. فمن الناحية النظرية، قد تكون هذه التيارات مستعدة للتخلي ليس عن البرنامج النووي فحسب، بل أيضا عن البرنامج الصاروخي، في مقابل إنهاء العزلة الدولية وتحسين الأوضاع الاقتصادية.

أ.ف.ب
جنود من الجيش الإيراني يسيرون خلال العرض العسكري السنوي الذي يحيي ذكرى اندلاع حرب 1980-1988 مع العراق بقيادة صدام حسين، في طهران في 21 سبتمبر 2024

يطرح هذا الواقع تساؤلا محوريا: ما تأثير هذه التطورات على روسيا؟ تشير القرائن إلى أن موسكو، مقارنة بفترة الصراع السابق (حرب الأيام الاثني عشر)، تُظهر انخراطا أعلى ودعما أوضح للنظام الإيراني. فإلى جانب توفير وسائل متخصصة لقمع الاحتجاجات الداخلية، تقوم طائرات النقل العسكرية الروسية الثقيلة، مثل طرازات "أنطونوف-124"، و"إليوشين-76"، بالتنسيق مع نظيراتها الصينية، بنقل شحنات عسكرية إلى إيران في خطوة لافتة وغير اعتيادية. كما أن ظهور الصور الأولى للمروحيات الهجومية الروسية من طراز "مي-28" في إيران على مواقع التواصل الاجتماعي يحمل دلالتين: الأولى عملية، وهي تسليم دفعات من طلبيات سابقة، والثانية إعلامية–نفسية، إذ تهدف إلى إشاعة إمكانية حصول إيران على "مفاجآت" عسكرية نوعية من حلفائها، كجزء من الحرب المعلوماتية المستمرة.

بالنسبة إلى روسيا، كما هو الحال مع الصين، يكمن الخطر الرئيس لأي تغيير محتمل في النظام الإيراني في حالة عدم اليقين التي قد تنشأ جراء فراغ السلطة

لكن يظل الأثر العسكري المباشر لهذه الشحنات محدودا في مواجهة سيناريوهات التصعيد الواسع، فهي لا تمثل سوى "قطرة في محيط" الاحتياجات الفعلية. ورغم ذلك، فإن قيمتها تتجاوز حجمها المادي؛ فهي تعبير عملي ملموس عن الدعم الاستراتيجي، وترجمة للتحالف السياسي إلى خطوات تنفيذية تتجاوز التصريحات الدبلوماسية .وفي هذا الإطار، أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن مناورات بحرية ثلاثية مشتركة بين إيران وروسيا والصين من المقرر إجراؤها في فبراير/شباط، شمال المحيط الهندي. وتأتي هذه الخطوة، في جوهرها، كرسالة سياسية وعسكرية رمزية قوية، تعكس تصعيدا ملحوظا في مستوى التنسيق والتحالف الاستراتيجي بين هذه القوى، في مواجهة الضغوط الغربية.

أ.ف.ب
إطلاق القمر الصناعي الإيراني للاتصالات "ناهيد-2" من قاعدة "فوستوتشني" الفضائية الروسية باستخدام صاروخ "سويوز" الروسي، خارج مدينة أوغليغورسك الروسية، في 25 يوليو 2025

ولطالما سارت ديناميكيات التعاون العسكري–التقني السري والتفاعل الاستخباراتي بين موسكو وطهران في مسار منفصل عن العلاقات الرسمية على المستويات التجارية والاقتصادية. لكن وجود البلدين معا في خندق العقوبات العميق نفسه قد بدأ يخلق نقاطَ تقاطع جديدة. فبعد فرض العقوبات الواسعة عليها عام 2022، اعتمدت موسكو بنشاط على التجربة الإيرانية المتراكمة في الالتفاف على القيود، خاصة في مجال تجارة النفط عبر عمليات الخلط أو إعادة التسمية وبيع النفط على أنه منتج من دول ثالثة. ومع ذلك، لا يجوز المبالغة في تقدير عمق هذه العلاقة، فالمؤشر الاقتصادي الرئيس- حجم التبادل التجاري الثنائي- لم يتجاوز 4.8 مليار دولار في 2025، وهو رقم هزيل مقارنة بحجم التبادل بين روسيا والإمارات العربية المتحدة (12 مليار دولار) على سبيل المثال، وهو الأمر الذي يؤكد محدودية الشراكة الاقتصادية بينهما.

وبالنسبة إلى روسيا، كما هو الحال مع الصين، يكمن الخطر الرئيس لأي تغيير محتمل في النظام الإيراني في حالة عدم اليقين التي قد تنشأ جراء فراغ السلطة. ومن بين أسوأ العواقب الاقتصادية والتعاونية المحتملة، انهيار ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، والذي بُني حوله التبرير الأيديولوجي للوجود الروسي في الشرق الأوسط وخارجه على مدى السنوات الماضية. وعلى المستوى العالمي، تدرك موسكو أن طهران يمكن أن تكون حليفا تكتيكيا، لكنها ليست حليفا استراتيجيا بالمعنى الكامل، إذ يعوق هذا التحالف البُعد الديني أكثر من الإرادة السياسية. وغالبا ما يغفل الخبراء حقيقة أن إيران لا يُمكن أن يكون لها حلفاء أو أصدقاء إلا أولئك الذين يساهمون معها في عقيدتها، في حين تُعد باقي الدول مجرد أدوات في إطار هذا السياق الأيديولوجي.

font change

مقالات ذات صلة