نتنياهو يرسم صورة لـ "الانتصار" مجددا... ويبدأ معركة الانتخابات

عمليا خفض نتنياهو من سقف وعوده للإسرائيليين، وربما من وعوده للرئيس الأميركي، وعاد ليتحدث عن "انتصارات" هي أقل بكثير مما وعد

رويترز
رويترز
الاضرار التي الحقها صاروخ ايراني ببلدة عراد في اسرائيل في 26 مارس

نتنياهو يرسم صورة لـ "الانتصار" مجددا... ويبدأ معركة الانتخابات

حيفا- قد تكون الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر/تشرين الأول 2026 من أهم جولات الانتخابات إسرائيليا وفلسطينيا وعربيا، وحتى دوليا. ليس فقط لأنها قد تغير الكثير في جوهر سياسات إسرائيل، بل لأنها أيضا قد تطيح برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية، التي خاضت حروبا على نسق الأنظمة الفاشية في أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين. وهي حروب فتحت بها أنظمة معتمدة حصريا على نجاحات اليمين المتطرف لتطال جبهات عدة وأبعادا لم تكن مسبوقة من قبل، ولذلك سميت بالحروب العالمية. لم تفتح حكومة اليمين في إسرائيل حربا عالمية، لكنها بالتأكيد فتحت حربا شرق أوسطية مع أبعاد دولية غير مسبوقة.

أ ف ب
رئيس الوزاء الاسرائيلي السابق نفتالي بينيت ورئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو اثناء مشاركتهما في دفن الحاخام حاييم دروكمان في كريات ملاخي في 26 ديسمبر 2022

في الأسبوع الأول من بدء الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 قدم نتنياهو خطابا يتحدث عن جبهات الأعداء وعدّها كالتالي: "حماس" وغزة، "حزب الله" وإيران، الضفة الغربية وعموم الفلسطينيين. وزج بمواطنيه الفلسطينيين (في الأراضي المحتلة عام 1948) كإحدى الجبهات المحتملة، وبعد ذلك تبعها بجبهة الحوثيين في اليمن، وبناء على ذلك عمل على فتح حرب فعالة وعنيفة بأبعاد مختلفة ضد كل هذه الجبهات، أعنفها حرب الإبادة في غزة. وتباهى نتنياهو في خطابه بمناسبة بدء الاحتفالات بعيد الفصح اليهودي في خطاب مسجل (يوم 31 مارس/آذار 2026) بنجاحات حروبه وانتصارات إسرائيل على ست جبهات: إيران ولبنان و"حزب الله" وسوريا من خلال دعم دروز سوريا، وغزة والضفة الغربية والحوثيين.

بعد حرب الإبادة في غزة "والإنجازات" هناك، كما في الضفة الغربية، لم يتلق نتنياهو مردودا شعبيا ملائما وبقيت الاستطلاعات تشكك في حظوظه للعودة إلى رئاسة الوزراء

لم يذكر نتنياهو في خطابه وعده للإسرائيليين في بداية الحرب بتغيير النظام، ولا بمنع إيران من امتلاك يورانيوم مخصب يمكنها من تطوير أسلحة غير تقليدية ولا عن منع إيران من تطوير صواريخ باليستية وبعيدة المدى تصل إسرائيل، وحتى لم يذكر وعده بالإطاحة نهائيا بـ"حزب الله" وقوته العسكرية. لم يذكر ذلك لأن الحرب لم تنتج ذلك، وكسياسي ذكي فهم أن خطابات الرئيس الأميركي بشأن الحرب، وهي متضاربة جدا ولا تفيد بموقف واضح وقطعي من استمرار الحرب أو إنهائها، قد توصل إلى تفاهمات تفضي إلى ضبط وتيرة الحرب أو حتى إلى إيقافها، وهو معني بالحفاظ على صورة التنسيق الكامل مع الإدارة الأميركية ورئيسها، دونالد ترمب، بشكل خاص. في المقابل ذكر عدة انتصارات حققها بحروبه الأخيرة: الشراكة الكاملة مع الولايات المتحدة، مساهمة في إعادة الاهتمام بإيران وتطلعاتها كخطر على أمن المنطقة والعالم، إزالة التهديد النووي وتحديد القدرات الصاروخية لإيران، تحجيم وكلاء إيران في المنطقة العربية، توسيع المناطق العازلة بين إسرائيل وجوارها العربي في غزة ولبنان وسوريا، إثبات قدرات إسرائيل في الدفاع والهجوم وفتح أسواق جديدة للصناعات العسكرية، وعمليا تحويل إسرائيل إلى قوة عظمى على مستوى المنطقة، وربما العالم، كما قال.
عمليا خفض نتنياهو في خطابه المذكور من سقف وعوده للإسرائيليين، وربما من وعوده للرئيس الأميركي، وعاد ليتحدث عن "انتصارات" هي أقل بكثير مما وعد، وخصوصا أن إيران و"حزب الله" بقيا يطلقان عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة يوميا ويستهدفان العمق الإسرائيلي، ما سبّب موجة جديدة ومتصاعدة من الاحتجاج على الحرب وعلى الإخفاق المتواصل في منع استهداف العمق الإسرائيلي، كما وعد نتنياهو في الأسبوع الثاني من بدء الهجوم الحالي على إيران، إضافة إلى ذلك الوضع الاقتصادي المتفاقم بسبب متطلبات الحرب، العسكرية والمدنية، وانعدام الأمن في شوارع إسرائيل. 

 أ ف ب
متظاهرون اسرائيليون ضد الحرب على لبنان وايران في تل ابيب في 18 ابريل

فهم نتنياهو أن مآلات الحرب لم تكن كما توقع أو وعد الإسرائيليين به. ولذلك فإن رسم تصور جديد أو مجدد لشكل النصر هو ما سوف يعطيه تبريرا لاستمرار التنسيق مع الموقف الأميركي بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار، وهو كذلك ما سيعطيه أدوات دعائية في سياق المعركة الانتخابية، التي شكل خطابه الأخير- عشية عيد الفصح اليهودي- نقطة الصفر في بدئها.
جوهريا شكلت حسابات نتنياهو الشخصية جزءا مهماً في حروب إسرائيل الأخيرة، وجوهرها إعادة انتخابه في الانتخابات القادمة والإفلات المستمر من تحمل عقوبات التهم الموجهة إليه بالفساد وسوء الإدارة. في هذه الجزئية تصور نتنياهو ومستشاروه أن الانتقام من الفلسطينيين في غزة وحرب الإبادة، واستمرار السيطرة المتمددة في الضفة الغربية، والانتصار على إيران وحلفائها، سوف تشكل رافعة لإزالة الآثار السياسية لما يسمى إسرائيليا "إخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023"، والذي دلل على أن نتنياهو في طريقه للخروج من الحلبة السياسية وسوف يلاقي مصيره في السجن. 
وبعد حرب الإبادة في غزة "والإنجازات" هناك، كما في الضفة الغربية، لم يتلق نتنياهو مردودا شعبيا ملائما وبقيت الاستطلاعات تشكك في حظوظه للعودة إلى رئاسة الوزراء. وبهذا فإنه تصور أن حربا على إيران، وشراكة أمتن مع الولايات المتحدة، بما في ذلك إنجاز تغيير للنظام الإيراني والقضاء على القدرات العسكرية لإيران، أو على الأقل تسويق ذلك، قد يعطيه زخما شعبيا، يليق "بإنجازاته" ويمكنه من حصد مقاعد إضافية في استطلاعات الرأي العام في إسرائيل. لكن حساباته لم تجد دليلا حتى الآن، وبذلك فإنه أجرى جردا أخيرا لنجاحاته في خطاب ألقاه يوم 31 مارس/آذار، ليكون الوقود الأساسي لحملته الانتخابية. 
هنالك ثلاثة عوائق أساسية تقف في طريق نتنياهو لحصد نجاحات في المعركة على الأصوات في إسرائيل. الأول، الرئيس الأميركي، وهو شريك نتنياهو لكنه متقلب ونرجسي وغير مضمون، وقد يتحول ضد نتنياهو إذا فهم أن فرص نتنياهو هي قليله للفوز في الانتخابات، وبذلك سيخسره عدة مقاعد. الثاني، هو بنيوي في السياسة الإسرائيلية، وأعني أن الجمهور في إسرائيل منقسم، مع نتنياهو أو ضده، وحالة الانقسام عميقة وتدور أساسا حول شخص نتنياهو وحول مشروع الانقلاب القضائي، وبذلك فإن أسباب الانقسام قائمة بإنجاز عسكري أو بغيره، والتمترس السياسي قوي بحيث يقلل من إمكانيات الحراك السياسي لصالح نتنياهو. 

بالنسبة للانتخابات ونتائجها، فإن الوقت لا زال مبكرا لاستشراف نتائجها، وكل الإمكانيات لا زالت مفتوحة وتتوقف على الكثير من المتغيرات

والثالث هو كذلك سياسي حزبي، بمعنى أن إسرائيل تغيرت جديا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، والمركز السياسي الشعبي والنخبوي أصبح يمينيا، أي إن بديل اليمين هو اليمين، وعندما يصوت الإسرائيلي– الذي يميل إجمالا لليمين وتأييد الأفكار العنصرية- فإن صوته لنتنياهو أو لنفتالي بينيت المتصدر للمعارضة في استطلاعات الرأي العام ونوايا التصويت في إسرائيل، هما سيان. بحيث لا يفرق التصويت لأي منهما في فكرة السيطرة على فلسطين التاريخية وقمع التطلعات السياسية والوطنية للفلسطينيين، بل إن التصويت لبينيت ونجاحه لن يغير في الأجندة الاستيطانية والتفوق العرقي، لكنها قد تساهم في تخفيف الضغط الدولي على إسرائيل، وربما الحصول على قبول عربي وفلسطيني أكثر من الوضع الحالي، أي إن الأجندة اليمينية لن تخسر، وربما تستفيد إسرائيل من رئيس وزراء جديد يبدو أكثر اعتدالا، مع أن الحقيقة غير ذلك.

أ ف ب
وزير الدفاع الاسرائيلي السابق بيني غانتس يدلي بصوته اثناء الانتخابات التشريعية في الاول من نوفمبر 2022

بالنسبة للانتخابات ونتائجها، فإن الوقت لا زال مبكرا لاستشراف نتائجها، وكل الإمكانيات لا زالت مفتوحة وتتوقف على الكثير من المتغيرات التي سوف أسعى إلى تحليلها تباعا في الأشهر القريبة. ومن المهم أخذ التجربة الإسرائيلية في حساباتنا، تحديدا فكرة الانتقال السريع من موقف إلى آخر في السياسة في إسرائيل، وعدم التمترس في مواقف أيديولوجية وسياسية مسبقة أو معدة سلفا. ما أعنيه هو أنه حتى لو تحقق سيناريو خسارة نتنياهو في الانتخابات، فإن ذلك لا يعني أنه لن يكون جزءا مركزيا في حكومة قادمة، أو حتى رئيسها، بشراكة مع بينيت أو مع أحد الأحزاب المعدودة اليوم على معسكر المعارضة. 

font change

مقالات ذات صلة